22 عاماً على انطلاق دنيا الوطن: صمود في زمن الإبادة
هيئة التحرير
في مثل هذا اليوم قبل اثنين وعشرين عاماً، انطلقت "دنيا الوطن" من قلب فلسطين، تحمل رسالة إعلامية وطنية، تُعلي صوت الحقيقة في وجه التعتيم، وتنقل معاناة الناس بلغة صادقة خالية من الزيف، لتكون منبراً حرًا للمواطن الفلسطيني في الوطن والشتات.
ومنذ تأسيسها في عام 2003، لم تكن الطريق مفروشة بالورود. واجهت "دنيا الوطن"، شأنها شأن باقي المؤسسات الفلسطينية، تحديات كبرى تمثلت في الاحتلال، والحصار، والانقسام السياسي، وشح الموارد. لكنها تجاوزت كل ذلك بإرادة مؤسسها الصحفي القدير الراحل عبدالله عيسى، الذي غادر عالمنا في هذه الحرب، وبإيمانها العميق بدورها كمنصة إعلامية تلتزم بالقيم المهنية والإنسانية.
التزمت "دنيا الوطن" بالعمل الصحفي المهني، وكانت منبراً لعشرات الصحفيات والصحفيين في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس ومخيمات الشتات. وقدّمت تقارير وتحقيقات تسلّط الضوء على قضايا المجتمع، وعلى رأسها قضايا النساء، والأطفال، والفئات المهمشة، وواجهت محاولات التعتيم والتضليل بالحقائق الموثّقة.
وفي زمن الإبادة، لم تتراجع عن دورها، بل عززته. على الرغم من النزوح وخطر القصف ونقص الإمكانيات، ظلت فرقها تنقل الأخبار من تحت الركام، وتوثّق الجرائم، وتنقل صوت من لا صوت لهم. وكانت شاهد حيّ على واحدة من أبشع فصول التاريخ الفلسطيني الحديث.
حرب الإبادة الجماعية
إلا أن العام 2023– 2024 شكّل مرحلة مفصلية، وجرحاً نازفاً في ذاكرة المؤسسة، بعد أن تعرض قطاع غزة لأبشع صور الحرب والإبادة. قصفٌ لم يُفرّق بين طفلٍ وامرأةٍ وصحفي، طال المقرّات الإعلامية والصحف والمواقع، بل حتى خيام الصحفيين المؤقتة. ولم تكن "دنيا الوطن" استثناءً، إذ مُنعت طواقمها من الوصول إلى مقرها خلال فترة النزوح، شأنها شأن باقي الزملاء في الميدان، وتعرّض صحفيوها لخطر القصف عدة مرات أثناء عملهم الميداني، وهم ينقلون الحقيقة من قلب النار والركام.. ومع تهجير الطواقم وتشتتها، وغياب الإنترنت والكهرباء، ظلّت "دنيا الوطن" حاضرة، تنقل الأخبار من قلب الركام، وتوثّق الجرائم لحظة بلحظة، وتُعطي الكلمة لمن لا صوت لهم.
دعم فلسطيني منقوص
وهنا لا بد من الإشارة إلى الدور المحوري الذي لعبته وسائل الإعلام الفلسطينية في مواجهة الرواية الإسرائيلية، وفضح الجرائم المرتكبة بحق المدنيين. ومع ذلك، لم يواكب القطاع الخاص الفلسطيني هذا الجهد الوطني بالشكل المطلوب، بل اتسم موقف العديد من الشركات والمؤسسات التجارية بالتقاعس والتردّد وحتى التخاذل أحياناً وتخليها عن دعم الإعلام المحلي، في الوقت الذي كان يُنتظر منها أن تكون الحاضن والسند الأول للصحافة الوطنية التي كانت وما زالت رأس حربة في معركة الوعي والمعلومة.
ومما زاد الوضع تعقيدًا، أن بعض الجهات الاقتصادية اختارت دعم وسائل الإعلام بناءً على قاعدة المناطقية، لا على أساس المهنية أو التأثير أو التغطية الوطنية الشاملة، وهو ما ساهم في إضعاف الإعلام الفلسطيني المستقل، وتركه وحيداً في مواجهة أعتى أدوات الاحتلال الإعلامية.
وإلى جانب غياب الدعم من القطاع الخاص، لم تُبدِ الحكومة الفلسطينية أي خطوات جدية لدعم الإعلام الفلسطيني المستقل، خصوصاً في الأوقات الحرجة التي كانت فيها المؤسسات الإعلامية تتعرض للتجويع أو الإغلاق أو التضييق المالي والإداري. لم يُخصص أي صندوق طوارئ لحماية هذه الوسائل، ولم تُفعّل أي مبادرات رسمية لدعم استمراريتها، رغم إدراك الجميع لأهمية الإعلام في معركة الرواية والصمود الشعبي.
ولم تتوقف التحديات عند هذا الحد، بل زاد عليها الاستهداف الممنهج لـوسائل الإعلام الفلسطينية على منصات التواصل الاجتماعي، من خلال إغلاق الصفحات، وتقييد الوصول، وفرض الرقابة بحجج واهية. فقد واجهت "دنيا الوطن" وغيرها من المؤسسات الفلسطينية حملة رقمية شرسة، كانت في كثير من الأحيان متواطئة مع الرواية الإسرائيلية، في محاولة لإسكات الصوت الفلسطيني وحرمانه من إيصال الحقيقة إلى العالم.
وفي خضم هذا غياب الدعم الرسمي والاقتصادي المحلي، لم يكن هناك من سند حقيقي للإعلام الفلسطيني سوى بعض المبادرات الدولية، وعلى رأسها الاتحاد الدولي للصحفيين الذي قدّم دعماً ملموساً من خلال نقابة الصحفيين الفلسطينيين، إلى جانب جهود منظمة "مراسلون بلا حدود"، التي ساندت الصحفيين الفلسطينيين في ظل العدوان، وقدّمت مساعدات طارئة، سواء من خلال معدات أو دعم مالي، ساعد في استمرار بعض التغطيات الميدانية.
لكن هذه المبادرات، رغم أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلاً عن دور المؤسسات الرسمية والقطاع الخاص الفلسطيني، الذي يُفترض أن يضع الإعلام في قلب أولوياته الوطنية، لا أن يتركه وحيداً في معركة وجود وكشف حقيقة.
نحو المستقبل
في مثل هذا اليوم قبل اثنين وعشرين عاماً، انطلقت "دنيا الوطن" من قلب فلسطين، تحمل رسالة إعلامية وطنية، تُعلي صوت الحقيقة في وجه التعتيم، وتنقل معاناة الناس بلغة صادقة خالية من الزيف، لتكون منبراً حرًا للمواطن الفلسطيني في الوطن والشتات.
ومنذ تأسيسها في عام 2003، لم تكن الطريق مفروشة بالورود. واجهت "دنيا الوطن"، شأنها شأن باقي المؤسسات الفلسطينية، تحديات كبرى تمثلت في الاحتلال، والحصار، والانقسام السياسي، وشح الموارد. لكنها تجاوزت كل ذلك بإرادة مؤسسها الصحفي القدير الراحل عبدالله عيسى، الذي غادر عالمنا في هذه الحرب، وبإيمانها العميق بدورها كمنصة إعلامية تلتزم بالقيم المهنية والإنسانية.
التزمت "دنيا الوطن" بالعمل الصحفي المهني، وكانت منبراً لعشرات الصحفيات والصحفيين في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس ومخيمات الشتات. وقدّمت تقارير وتحقيقات تسلّط الضوء على قضايا المجتمع، وعلى رأسها قضايا النساء، والأطفال، والفئات المهمشة، وواجهت محاولات التعتيم والتضليل بالحقائق الموثّقة.
وفي زمن الإبادة، لم تتراجع عن دورها، بل عززته. على الرغم من النزوح وخطر القصف ونقص الإمكانيات، ظلت فرقها تنقل الأخبار من تحت الركام، وتوثّق الجرائم، وتنقل صوت من لا صوت لهم. وكانت شاهد حيّ على واحدة من أبشع فصول التاريخ الفلسطيني الحديث.
حرب الإبادة الجماعية
إلا أن العام 2023– 2024 شكّل مرحلة مفصلية، وجرحاً نازفاً في ذاكرة المؤسسة، بعد أن تعرض قطاع غزة لأبشع صور الحرب والإبادة. قصفٌ لم يُفرّق بين طفلٍ وامرأةٍ وصحفي، طال المقرّات الإعلامية والصحف والمواقع، بل حتى خيام الصحفيين المؤقتة. ولم تكن "دنيا الوطن" استثناءً، إذ مُنعت طواقمها من الوصول إلى مقرها خلال فترة النزوح، شأنها شأن باقي الزملاء في الميدان، وتعرّض صحفيوها لخطر القصف عدة مرات أثناء عملهم الميداني، وهم ينقلون الحقيقة من قلب النار والركام.. ومع تهجير الطواقم وتشتتها، وغياب الإنترنت والكهرباء، ظلّت "دنيا الوطن" حاضرة، تنقل الأخبار من قلب الركام، وتوثّق الجرائم لحظة بلحظة، وتُعطي الكلمة لمن لا صوت لهم.
دعم فلسطيني منقوص
وهنا لا بد من الإشارة إلى الدور المحوري الذي لعبته وسائل الإعلام الفلسطينية في مواجهة الرواية الإسرائيلية، وفضح الجرائم المرتكبة بحق المدنيين. ومع ذلك، لم يواكب القطاع الخاص الفلسطيني هذا الجهد الوطني بالشكل المطلوب، بل اتسم موقف العديد من الشركات والمؤسسات التجارية بالتقاعس والتردّد وحتى التخاذل أحياناً وتخليها عن دعم الإعلام المحلي، في الوقت الذي كان يُنتظر منها أن تكون الحاضن والسند الأول للصحافة الوطنية التي كانت وما زالت رأس حربة في معركة الوعي والمعلومة.
ومما زاد الوضع تعقيدًا، أن بعض الجهات الاقتصادية اختارت دعم وسائل الإعلام بناءً على قاعدة المناطقية، لا على أساس المهنية أو التأثير أو التغطية الوطنية الشاملة، وهو ما ساهم في إضعاف الإعلام الفلسطيني المستقل، وتركه وحيداً في مواجهة أعتى أدوات الاحتلال الإعلامية.
وإلى جانب غياب الدعم من القطاع الخاص، لم تُبدِ الحكومة الفلسطينية أي خطوات جدية لدعم الإعلام الفلسطيني المستقل، خصوصاً في الأوقات الحرجة التي كانت فيها المؤسسات الإعلامية تتعرض للتجويع أو الإغلاق أو التضييق المالي والإداري. لم يُخصص أي صندوق طوارئ لحماية هذه الوسائل، ولم تُفعّل أي مبادرات رسمية لدعم استمراريتها، رغم إدراك الجميع لأهمية الإعلام في معركة الرواية والصمود الشعبي.
ولم تتوقف التحديات عند هذا الحد، بل زاد عليها الاستهداف الممنهج لـوسائل الإعلام الفلسطينية على منصات التواصل الاجتماعي، من خلال إغلاق الصفحات، وتقييد الوصول، وفرض الرقابة بحجج واهية. فقد واجهت "دنيا الوطن" وغيرها من المؤسسات الفلسطينية حملة رقمية شرسة، كانت في كثير من الأحيان متواطئة مع الرواية الإسرائيلية، في محاولة لإسكات الصوت الفلسطيني وحرمانه من إيصال الحقيقة إلى العالم.
وفي خضم هذا غياب الدعم الرسمي والاقتصادي المحلي، لم يكن هناك من سند حقيقي للإعلام الفلسطيني سوى بعض المبادرات الدولية، وعلى رأسها الاتحاد الدولي للصحفيين الذي قدّم دعماً ملموساً من خلال نقابة الصحفيين الفلسطينيين، إلى جانب جهود منظمة "مراسلون بلا حدود"، التي ساندت الصحفيين الفلسطينيين في ظل العدوان، وقدّمت مساعدات طارئة، سواء من خلال معدات أو دعم مالي، ساعد في استمرار بعض التغطيات الميدانية.
لكن هذه المبادرات، رغم أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلاً عن دور المؤسسات الرسمية والقطاع الخاص الفلسطيني، الذي يُفترض أن يضع الإعلام في قلب أولوياته الوطنية، لا أن يتركه وحيداً في معركة وجود وكشف حقيقة.
نحو المستقبل
في الذكرى الثانية والعشرين، تجدّد "دنيا الوطن" عهدها لقرّائها، وتؤكّد تمسّكها بحقّ الفلسطيني في إعلامٍ حرٍّ ونزيه، لا يخضع للمساومة، ولا يتنازل عن قضاياه. وهي في ذات الوقت تدعو المؤسسات الدولية وشركاء حرية الصحافة إلى دعم الإعلام الفلسطيني الذي يخوض معركة البقاء، لا بالكلمات فقط، بل بالدم أيضًا.
ورغم الحصار، والقصف، والفقد، فإن "دنيا الوطن" ستظل، كما كانت، صوت الناس… وضمير الحقيقة.
ورغم الحصار، والقصف، والفقد، فإن "دنيا الوطن" ستظل، كما كانت، صوت الناس… وضمير الحقيقة.

التعليقات