اعتقدوا بالمستشفى أنها "كاميرا خفية".. معاناة "ريكس" تكشف واقع الطب البيطري بغزة

اعتقدوا بالمستشفى أنها "كاميرا خفية".. معاناة "ريكس" تكشف واقع الطب البيطري بغزة
الكلب "ريكس"
خاص دنيا الوطن - رفيف عزيز
ربما لم يعِ الشاب حسن الفار، أن استقدامه لكلب من نوع "جيرمان شيبرد" بمبلغ باهض يُقارب الـ 1000 دولار، لن يكون سهلاً كما تخيل.

فهو ليس مُجرد كلب سيكون مسؤولاً عن إطعامه، بل سيكون مسؤولاً عن سلامته التي تعرضت للخطر مرتين، لتكون فرصة لاكتشاف الواقع المرير في قطاع غزة.

يمكث الكلب (ريكس) فوق سطح منزل مالكه حسن، وكان أبناء الجيران يداعبونه، فاعتقد (ريكس) أنهم يهاجمونه، ويشكلون خطراً على منزله، فأراد القفز دفاعاً عن نفسه والمنزل، فسقط من الطابق الثاني، بما يُقارب علو من خمسة أمتار.

معاناة (ريكس) والهامستر

أُصيب (ريكس) بكسر في أحد أطرافه الأمامية، فتوجه به حسن إلى الطبيب البيطري، ولكنه لم يستطع تحديد مكان الكسر، وطلب صورة أشعة له، فتوجه به إلى مستشفى قريب.

يقول حسن في حديثه لـ"دنيا الوطن": "اعتقدوا أنني أُصور برنامج كاميرا خفية، وأنني أمزح بينما كلبي يتألم، وأنا أتألم لألمه، وبعد إصراري استقبلوا الأمر باستنفار، وطلبوا سعراً عالياً ثمناً للصورة، كي أعجز عن دفعه وأغادر، وهذا ماحدث فعلاً".

توجه حسن إلى جمعية الهلال الأحمر بغزة، فأخبره أخصائي الأشعة، أنه لا يستطيع إجراء الصورة إلا بموافقة المدير، وفعلاً ذهب إلى المدير الذي استقبله برحابة صدر، وأجرى له الصورة، وأخبره أنها هدية منه ولا يريد ثمنها، وتم تحديد مكان الكسر، وتم علاج ريكس وأصبح بخير، ولكن للأسف تعرض ريكس لحادثة أخرى حين صدمته سيارة، وأصبح عاجزاً عن المشي بطريقة طبيعية، فاصطحبه حسن إلى مستشفى الأندونيسي شمال قطاع غزة، لإجراء صورة، فرفضوا رفضاً تاماً إجراء صورة.

يقول حسن: "رفضوا بالأندونيسي إجراء صورة، ولكنهم أعطوني جبس وشاش واعتذروا وقالوا هذا فقط ما نستطيع تقديمه، فتوجهت إلى مستشفى العودة بتل الزعتر شمال غزة، فتعاملوا معي مثل جمعية الهلال الأحمر، وقاموا بتصويره وعمل اللازم".

لم يتخيل حسن أن يجد نفسه في هذا الموقف، وقال: "أطالب المستشفيات أن تتعامل مع أي حيوان بطريقة إنسانية، فهو في النهاية روح خلقها الله، ويجب أن نُحافظ عليها، ونتقبل الموضوع بصدر رحب، نعم هو حيوان، ولكن كإنسان يجب أن نتعاطف معه".

وقبل أن نضع يدنا على المشكلة، قال حسن: "من الضروري أن يكون لدى الأطباء البيطريين أجهزة خاصة بالحيوانات، وغرفة عمليات مُتكاملة، وهذا الأمر غير متوفر في غزة".

لم يكن حسن لوحده يُعاني ويتألم لأجل (ريكس)، فقد استنجدت الإعلامية هاجر حرب عبر صفحتها، وكتبت: "بحاجة للتواصل مع طبيب بيطري لإنقاذ حياة (هامستري) الذي أصيب فجأة برجفة وحالة إعياء شديد".

لكن هاجر فوجئت بتعليقات ساخرة وقصور في الاستجابة، أدت إلى وفاة الهامستر - وهو نوع من أنواع القوارض يُشبه الفأر - قبل أن تتمكن من إنقاذه، لكنها كانت فرصة واضحة أيضاً لرؤية واقع الحيوانات في غزة.

اجتهادات شخصية وعيادات غير مؤهلة

يقول الطبيب البيطري سامي سمور، والذي أشرف على علاج ريكس: "لا يوجد لدينا بغزة أجهزة أشعة مخصصة للحيوانات، كما لا يوجد غرفة عمليات مخصصة لإجراء عملية مُعقدة صعبة لأي حيوان مريض أو مُصاب، حتى أجهزة لعمل التجبير بشكل جيد لا تتوفر في غزة، خاصة في حالة أن الكسر داخله جرح، في هذه الحالة يحتاج الحيوان لغرفة عمليات، وجهاز خاص لتدعيم العظم، وكل هذه الأمور غير متوفرة، فنضطر للعمل بالحد الأدنى، وأحياناً ننجح وأحياناً لا".

وأضاف سمور في حديثه لـ"دنيا الوطن": "لدينا قصور في إمكانيات الطب البيطري في غزة، فالوضع الاقتصادي العام سيئ جداً، فلا نستطيع إحضار جهاز أشعة متخصص، يصل سعرها إلى 15 ألف دولار، ولا نستطيع استيراد أجهزة تخدير كُلي، كما أن المُخدر الخاص بهم يبلغ سعر الكيلو منه 1800 شيكل، ولا يتوفر دائماً". 

ونفى سمور عدم وجود ثقافة علاج الحيوان في غزة، خاصة في الفترة الأخيرة، حين أصبح هناك توجه كبير لتربية الحيوانات المنزلية، وبالتالي ثقافة علاجهم موجودة، وقال: "لكن البعض بسبب الوضع المادي السيئ، لا يستطيع التوجه لعلاج حيوانه الأليف، وبالتالي يفقده".

وحول دور وزارة الزراعة، قال سمور:"مجالاتها واسعة ولديها أولويات، فالحيوانات الإنتاجية في الخدمة البيطرية لها الأولوية لأنها تمثل جزءاً اقتصادياً داعماً في البلد، ولأنها تؤثر على سلامة المُستهلك الآدمي بشكل مباشر، ويقومون بتوفير تطيعمات دورية مجانية لجميع الحيوانات الأليفة".

وأضاف: "وزارة الزراعة ليس لديها موازنة مالية أو كوادر بشرية كافية لتغطية حاجة الحيوانات في قطاع غزة، فنحن هنا نحتاج إلى مستشفى بيطري".

وأكد سمور، أن الخدمات البيطرية في غزة مجرد اجتهادات خاصة وعيادات خاصة من بعض الأطباء، يقومون بعمل عمليات على قدر إمكانياتهم، وقال:"أنا مثلاً أعطي مُخدر بشري لحيوان، فينام ساعة فقط، في المقابل العملية تحتاج أن ينام 4 ساعات مثلاً، كما أن دعامات العظم تُكلف ألف شيكل، فمن يستطيع دفعها في ظل هذه الأوضاع؟".

13 طبيباً بيطرياً فقط في غزة

"وظيفتنا كدائرة بيطرية تقديم خدمة للمزارعين الذين يمتلكون ثروة حيوانية، وكذلك تقديم الخدمة لأي شخص يطلبها لأي حيوان، سواء أكان حيواناً أليفاً أو تابعاً لحديقة حيوان، في إطار تخصصنا"، هذا ما أكده د. حسن عزام، مدير عام الخدمات البيطرية بوزارة الزراعة، حول قصور الخدمات البيطرية في غزة.

وأضاف عزام لـ"دنيا الوطن": "يتم تقديم الخدمات البيطرية في غزة عبر خمس دوائر وخمس مديريات، يعمل فيها فقط حوالي 13 طبيباً بيطرياً، ورغم أن الحمل ثقيل نظراً لقلة الكوادر العاملة، فإننا نقدم الكثير من التحصينات للحيوانات، وللأمراض التي تنقلها"، مؤكداً أنه في داخل كل مديرية، يوجد مستوصف للحيوانات يستقبل جميع الحالات.

واستطرد عزام: "كما نعمل استقصاء وبائياً لأي مرض يظهر فجأة، ولدينا مختبر بيطري مركزي لتشخيص معظم الأمراض، كما يتم حجر جميع الحيوانات المستوردة وفحصها فحصاً طبياً شاملاً قبل السماح لأصحابها بأخذها والتصرف بها، كما نقوم بفحص اللحوم والألبان والأجبان المستوردة قبل الاستهلاك الآدمي".

وشرح عزام ثقل المسؤولية على كاهل الطبيب البيطري قائلاً: "نقوم بتكليف الطبيب بأكثر من مُهمة في أكثر من مجال، وأحياناً نستدعيه لعمل طارئ أثناء إجازته".

ورجح عزام، أن ذلك يعود إلى قصور في التعيين، وقصور أيضاً في التخصص، وأكد أن الوزارة تعمل على حل هذه الإشكالية، وقال: "قد أرسلنا كتاباً إلى التربية والتعليم العالي لدراسة الأمر في ظل حاجتنا إلى متخصصين بهذا المجال، لتقوم بتشجيع الطُلاب على الإقبال عليه، ونأمل أن يكون اكتفاء في المستقبل القريب".

وحول ضرورة وجود مستشفى بيطري في غزة، قال عزام: "إذا أردنا إنشاء مستشفى بيطري، سنحتاج لكادر مهول لتشغيله، وهو مالا يتوفر لدينا، كما أن الحصار المُستمر لغزة أثر كثيراً علينا، فنحن لا نستطيع استيراد المُخدر الخاص بالحيوانات، فنضطر للجوء لاستخدام المُخدر البشري، وأدوات أخرى أيضاً يمنع الاحتلال دخولها، فكيف سنُجهز مستشفى بهذه الظروف؟".

وختم عزام: "نحن نتيح للقطاع الخاص أن يعمل ويُطور نفسه، ونشجعهم على ذلك، وإذا بادر أحدهم بإنشاء مستشفى بيطري مُتكامل، فلا نُمانع، بل وهو أحد الخُطط الموثقة في وزارة الزراعة، ولكننا ننتظر أن تتحسن ظروف غزة المُحاصرة".

يُذكر أن "دنيا الوطن" سلطت الضوء سابقاً على أزمة "الطب البيطري" في غزة، وقصور الإقبال على دراستها في التقرير التالي:

قصور في مفهوم "الطب البيطري" بفلسطين يُنذر بكارثة.. 10 أطباء فقط في غزة













التعليقات