كيف نحمي مستخدمي الإنترنت الجدد من المحتالين الإلكترونيين؟
لا تزال شبكة الإنترنت العالمي تستقبل مستخدمين جدد، وكثير منهم يفتقرون إلى الخبرة في كشف أساليب الاحتيال التي تستخدمها منظمات الجريمة الإلكترونية. كيف يمكن حمايتهم؟
في عام 2022، تلقى أنيسيت إيتيكبو، ضابط أمن في بنين، رابط فيسبوك أرسله شخص اعتقد أنه صديقه، وبالفعل نقر على الرابط لفتحه. وقال لبي بي سي: "قادني الرابط إلى منصة احتيالية طلبت مني معلوماتي الشخصية، بما في ذلك حسابي المصرفي".
تعرض إيتيكبو لخسارة مالية فادحة، وبدأ يشك في أمان بياناته الشخصية.
كان الشاب البنيني حديث العهد باستخدام الإنترنت ووقع الحادث بعد سنوات قليلة من استخدامه له. لكن الآن مع اتساع نطاق الاتصال بالإنترنت في مناطق مثل غرب أفريقيا، سيواجه الملايين مخاطر إلكترونية لم يواجهوها من قبل. كيف يمكن حماية هؤلاء؟
يُقدّر عدد الأشخاص الذين لا يملكون اتصالاً بالإنترنت حالياً نحو 2.6 مليار شخص، أي حوالي ثلث سكان العالم. وإذا استمرت الوتيرة الحالية في تطور الاتصال بالإنترنت، فسيتمكّن نحو ملياري شخص إضافي من الوصول إلى خدمة الإنترنت بحلول عام 2030.
ويعني هذا أن العديد من المستخدمين الجدد، سيواجهون للمرة الأولى البريد العشوائي، وبرامج الفدية، والمواقع الإلكترونية المزيفة.
يمثل هذا فرصاً جديدة للمجرمين الإلكترونيين: نوع من "الاندفاع نحو الذهب" (البحث عن الأرباح الهائلة) في عالم الجرائم الإلكترونية. خاصة أن الأنظمة المصممة لحماية المستخدمين الجدد، بدءاً من التدريب على الثقافة الرقمية وصولاً إلى حماية المستهلك من الاحتيال، لا تتوسع دائماً بنفس وتيرة اتساع نطاق الإنترنت.
يقول زكي توريدي، كبير المسؤولي الميدانيين عن التكنولوجيا في شركة كراود سترايك، وهي شركة للأمن السيبراني تتعقب الخصوم الرقميين: "ما نشهده هو بيئة إجرامية إلكترونية تتسم بالاحترافية والانتهازية المتنامية. وبينما نعمل بشكل أساسي مع الشركات، فإن آثار هذه الحماية تمتد لتشمل الأفراد، خاصة عندما نساعد في تأمين البنية التحتية الحيوية مثل الرعاية الصحية والتعليم والخدمات العامة التي يعتمد عليها العديد من المستخدمين الجدد".
- "كيف يمكن أن تتصرف إذا اخترقت حساباتك"؟
- لماذا تراجعت أرباح العصابات الإلكترونية؟
- ما التقنية الجديدة التي يستخدمها مجرمو الإنترنت للإفلات من العقاب؟
يستغل مجرمو الإنترنت أنظمة الأتمتة والذكاء الاصطناعي والهندسة الاجتماعية لاستغلال أي ثغرة رقمية، بغض النظر عن خبرة المستخدمين مع الإنترنت. لكن بالنسبة لمن يواجهون هذه التهديدات لأول مرة، فإن المشهد المتغير للإنترنت قد يجعل اكتشافها أكثر صعوبة.
ويوضح توريدي: "من جهة، يحصل مستخدم الإنترنت الجديد اليوم على معلومات وخدمات وفرص تغير حياته. لكن على الجهة الأخرى، يواجه بيئة رقمية أكثر تعقيداً وخطورة بكثير مما كانت عليه عندما بدأنا في استخدام الإنترنت لأول مرة".
أصبح بإمكان المهاجمين الآن استخدام أساليب احتيالية مصممة ثقافياً أو لغوياً لانتحال صفة البنوك المحلية، وتقديم مساعدات حكومية وهمية، والترويج لتطبيقات هاتف تبدو عادية ظاهرياً ولكنها تحتوي على برامج تجسس.
ويضيف توريدي: "نتوقع أن يتفاقم هذا الوضع مع تطور أساليب المجرمين لتشمل المحتوى الذي يولده الذكاء الاصطناعي وتقنية التزييف العميق".
غالباً ما ينسق المجرمون الإلكترونيون خططهم عبر قنوات مشفرة في منتديات الإنترنت المظلم (دارك ويب). بل إن بعض التنظيمات تقدم "مجموعات أدوات" للجرائم الإلكترونية، توفر مواداً جاهزة للتصيد الاحتيالي أو إمكانية الوصول إلى بيانات مالية مسروقة، وهو ما يساعد حتى المجرمين قليلي الخبرة التقنية على استغلال هذا الفضاء.
وحذرت وكالات إنفاذ القانون الدولية من أن الجرائم الإلكترونية أصبحت أكثر تنظيماً واتسع نطاقها التجاري. فعلى سبيل المثال، يسلط مؤشر الأمن السيبراني العالمي الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات الضوء على المخاطر التي تواجه مستخدمي الإنترنت الجدد، بما في ذلك الاحتيال والتصيد الإلكتروني وزيادة هجمات برامج طلب الفدية.
بالنسبة للضابط البنيني إيتيكبو، كانت عواقب عملية الاحتيال حقيقية. وقال: "شعرتُ بضعف شديد". وهو يعتقد أن هذا الضعف لم يكن بسبب الجهل التقني بقدر ما كان بسبب الثقة: "يثق الكثير من الناس في معارفهم عبر الإنترنت ويتفاعلون بسرعة، دون التحقق من صحة الرسالة".
تتفاقم حالة الضعف بشكل خاص في أفريقيا: فالقارة لا تزال الأقل اتصالاً بالإنترنت على وجه الأرض، حتى رغم أنها تشهد بعضاً من أسرع معدلات نمو استخدام الإنترنت، ووجدت دراسة حديثة تفاوتات واسعة النطاق في جميع أنحاء المنطقة.
بينما تصل معدلات انتشار الإنترنت في دول مثل جنوب أفريقيا وسيشيل إلى ما يقارب 80 في المئة، لا تزال المناطق الريفية في أجزاء من بنين ودول ذات كثافة سكانية عالية مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية تعاني من عدم الوصول للإنترنت. فالاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية مكلفة، والبنية التحتية للإنترنت عبر الخطوط الثابتة محدودة وغير موثوقة في كثير من الأحيان، كما أن عدم كفاية وسائل الحماية يجعل من يتمكنون من الاتصال بالإنترنت عرضة للاحتيال.
وفي ظل التوقعات بارتفاع عدد مستخدمي الإنترنت في أفريقيا بأكثر من 280 مليون مستخدم خلال السنوات الأربع القادمة، تظهر الحاجة المُلحة إلى تدابير أفضل للوقاية من الجرائم الإلكترونية.
بحسب الشرطة الدولية (الإنتربول)، تضاعفت الخسائر المتعلقة بالجرائم الإلكترونية في أفريقيا مرتين وأكثر منذ عام 2024، وارتفعت من 192 مليون دولار إلى 484 مليون دولار.
توجد بالفعل ضمانات، لكن الخبراء يرون أنها بحاجة لتصبح أكثر قوة، مثل: برامج التربية الرقمية في المدارس وحماية أقوى للمستهلكين من الاحتيال عبر الإنترنت.
طوّر مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة حلولاً تقنية ذكية للكشف عن الجرائم الإلكترونية، بالإضافة إلى تدابير أمنية محلية (مثل ضوابط الوصول للإنترنت والكشف عن البرامج الضارة) كجزء من استجابته للجرائم الإلكترونية، بينما خصص مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي فرقاً متخصصة في مكافحة الجرائم الإلكترونية في كل مكتب من مكاتبه الميدانية.
وفي المملكة المتحدة، أطلقت الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة تحقيقات دولية ناجحة في أنشطة عصابات الجرائم الإلكترونية. إلا أن معظم هذه الإجراءات تركز على التحقيق في الجرائم الإلكترونية بعد وقوعها، بدلاً من استهداف المخاطر التي يواجهها مستخدمو الإنترنت الجدد.
يقول روبرت أندرسون، مؤسس منظمة (Telecom4Good)، وهي شركة غير ربحية شريكة في مجال تكنولوجيا المعلومات تساعد منظمات غير ربحية عالمية أخرى (معظمها في أفريقيا) على تأمين خدمات إنترنت آمنة وبأسعار معقولة: "يمثل الأمن السيبراني مصدر قلق بالغ".
وتوصي شركة كراود سترايك، المنظمات المختلفة بأن "تعتبر الأمن السيبراني عملية تحسين مستمرة وليس كقائمة مراجعة".
ويسود اعتقاد بتفاقم هذه المخاطر مع توسع النظام الرقمي. وتشير توقعات القطاع إلى أن عدد الأجهزة المتصلة بالإنترنت سيصل إلى أكثر من 38 مليار جهاز حول العالم بحلول عام 2030، بداية من أضخم المعدات في محطات توليد الطاقة إلى أصغر الأجهزة مثل أجهزة تنظيم ضربات القلب وصولاً إلى السيارات ذاتية القيادة.
ومع ازدياد عدد الأنظمة المتصلة، تتسع مساحة الاستهداف بهجمات محتملة، وتزداد نقاط الدخول التي يمكن للمخترقين استغلالها.
تسعى الحكومات ووكالات إنفاذ القانون بقوة لتجربة أساليب جديدة للاستجابة للهجمات. وقد حاولت بعض الإدارات تجريم أشكال مختلفة من الجرائم الإلكترونية.
وجعل الاتحاد الأفريقي الأمن السيبراني أولوية رئيسية ضمن "أجندة 2063"، بينما يساعد الإنتربول أجهزة الشرطة الأفريقية في منع الجرائم الإلكترونية والتحقيق فيها، بما في ذلك تدريب الشركات الصغيرة على كيفية حماية نفسها من عمليات الاحتيال عبر الإنترنت.
وفي ميانمار، التي شهدت نمواً سريعاً في استخدام الإنترنت خلال العقد الماضي، موّلت وزارة الخارجية حملة توعية استهدفت تحديداً مستخدمي الإنترنت الجدد.
وعدّلت نيجيريا قانون الجرائم الإلكترونية، في عام 2024، لتضيف تدابير حماية للأسواق الرقمية الناشئة.
أما الهند، فأنشأت خطاً ساخناً وطنياً لتمكين الضحايا من الإبلاغ عن عمليات الاحتيال فوراً وتجميد الأموال المسروقة عبر البنوك وتطبيقات الدفع.
وعلى الجانب الأخر فإن التعليم، الذي يعد جزءاً آخر من مهام الحكومة، يثبت أنه لا يقل أهمية عن إنفاذ القانون. لكن الحكومات قد تقوض الحريات التي من المفترض أن تحميها.
يقول أندرسون: "تفرض الحكومات إغلاقاً رقمياً، مانعة الاستخدام الحر للاتصالات خلال الانتخابات أو الاضطرابات المدنية أو الكوارث الوطنية".
ومن جانبها سعت شركات التكنولوجيا أيضاً إلى معالجة هذه المشكلة، إلا أن جهودها غالباً ما تركز على أمن المنصات أكثر من تركيزها على إعداد المستخدمين الجدد لمواجهة التهديدات الناشئة.
في عام 2018، أطلقت مايكروسوفت " اتفاقية تكنولوجيا الأمن السيبراني"، وهي تحالف يضم أكثر من 150 شركة تكنولوجيا عالمية ملتزمة بمبادئ الأمن السيبراني الأساسية، بما في ذلك حماية المستخدمين من الهجمات الإلكترونية وتوفير الأدوات اللازمة لمساعدتهم على البقاء آمنين عبر الإنترنت.
تمثل هذه الالتزامات خطوة هامة نحو جعل الإنترنت أكثر أماناً للجميع، بغض النظر عن الخبرة التقنية أو الموقع الجغرافي. إلا أن ترجمة تعهدات القطاع العديدة إلى حماية عملية للمستخدمين الجدد للإنترنت لا تزال تشكل تحدياً، خاصة مع التطور الهائل لأساليب الشبكات الإجرامية في استغلال الإنترنت.
عندما سُئلت غوغل عن أدوات الأمان المجانية الخاصة بها، أشارت إلى مجموعة من الأدوات، منها مدير كلمات مرور غوغل، والتحقق بخطوتين، ومفاتيح المرور (أشكال المصادقة بدون كلمات مرور مثل القياسات الحيوية للجسم كالبصمة والوجه)، وبرنامج الحماية المتقدمة الخاص بها، والذي يوفر حماية إضافية للمستخدمين البارزين مثل العاملين في الحملات والصحفيين، كما تقول كيمبرلي سامرا، مديرة اتصالات شؤون الأمن والأمن السيبراني لدى شركة غوغل.
أما بالنسبة لأي أفكار حول "اندفاع الذهب في الجرائم الإلكترونية" أو الإقبال على الجرائم الإلكترونية بسبب أرباحها الهائلة، قالت كيمبرلي: "لا أعتقد أن لدينا رؤية واضحة في هذا الشأن، نظراً لأنه أمر قائم على التكهنات".
مع انتشار الاتصال بشكل أسرع من التربية الرقمية أو البنية التحتية للأمن السيبراني، قد لا يكون السؤال هو ما إذا كان المستخدمون الجدد سيواجهون الجرائم الإلكترونية، ولكن مدى استعدادهم عندما يحدث ذلك.



التعليقات