البتروكيماويات: قصة نجاح خليجية تواجه اختبار الحرب وتغير الأسواق

مسؤول للصحة والسلامة في موقع إنشاء مصنع بروج 4 للبتروكيماويات في الرويس، الإمارات العربية المتحدة.
Bloomberg via Getty Images

كان وهج النيران المتصاعدة من حقول النفط يضيء الصحراء السعودية ليلاً في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، إلى درجة لم يكن معها السائقون على الطريق بين بقيق والظهران، شرقي المملكة، بحاجة إلى تشغيل مصابيح سياراتهم الأمامية.

هذا الوهج، الذي يصفه وزير النفط السعودي الأسبق علي النعيمي في مذكراته، لم يكن علامة على ازدهار صناعة جديدة، بل دليلاً على مورد كان يُهدر كل يوم: الغاز المصاحب للنفط.

فالغاز، الذي كان يُنظر إليه حينها بوصفه منتجاً جانبياً مزعجاً، سيصبح لاحقاً أساساً لتحول صناعي واقتصادي واسع، ومادة أولية تدخل في صناعة الأسمدة والبلاستيك والألياف الصناعية وقطع السيارات وآلاف المنتجات التي باتت اليوم جزءاً من تفاصيل حياتنا اليومية.

فالنفط الخام لا يكون وحيداً في باطن الأرض في كثير من الأحيان، إذ يوجد معه الغاز الطبيعي في الطبقات الصخرية نفسها، ليخرج إلى السطح عند استخراج النفط.

ولعقود، لم يكن لدى دول الخليج استخدام عملي لكميات كبيرة من هذا الغاز.

لذلك كان يُحرق في الهواء.

من الهدر إلى الصناعة


يقول عبد الوهاب السعدون، الذي شغل لعقود منصب الأمين العام للاتحاد الخليجي للبتروكيماويات والكيماويات، إن فكرة الاستفادة من الغاز المصاحب بدلاً من حرقه تعود إلى ستينيات القرن الماضي.

وكان وزير النفط السعودي عبد الله الطريقي، وهو أول من شغل هذا المنصب في المملكة، من أبرز من تبنوا هذه الفكرة.

كان الطريقي أحد أكثر الشخصيات تأثيراً في عالم النفط العربي في جيله، ومن أبرز القوى الدافعة إلى تأسيس منظمة أوبك عام 1960، في وقت كانت فيه الدول المنتجة للنفط تسعى إلى انتزاع قدر أكبر من السيطرة على صناعاتها النفطية من الشركات الأجنبية التي كانت تهيمن عليها.

لكن طموح الطريقي ذهب أبعد من السيطرة على استخراج النفط. فقد كان يرى أن على دول الخليج ألا تكتفي بإخراج مواردها الهيدروكربونية من باطن الأرض، بل أن تسيطر أيضاً على ما يحدث لها بعد ذلك.

غير أن عقبات عدة كانت تقف أمام تحويل هذه الرؤية إلى واقع ملموس.

فلم تكن هناك بنية تحتية لجمع الغاز المصاحب، ولم تكن الشركات الأجنبية المهيمنة على قطاع النفط راغبة في تحمل كلفة بنائها، كما لم تكن دول الخليج تملك، بعد، رأس المال اللازم للقيام بذلك بنفسها.

لكن هذا الواقع تغير في عام 1973، مع اندلاع حرب أكتوبر/تشرين أول

فخلال الحرب أعلن المنتجون العرب وقف إمدادات النفط إلى الدول التي دعمت إسرائيل، ما قفز بسعر الخام إلى نحو أربعة أمثاله، لتتحول الإيرادات النفطية التي كانت تقدر بمئات الملايين من الدولارات إلى مليارات.

يقول السعدون: "كانت صدمة أسعار النفط نقطة التحول. فقد منحت دول الخليج القدرة المالية على الاستثمار في بنية تحتية لم يكن من الممكن بناؤها قبل ذلك".

وفي السعودية، بدأت شبكة الغاز الرئيسية في عام 1977 جمع الغاز المصاحب الذي كان يُحرق في الحقول.

وقبل ذلك بعام، صدر مرسوم ملكي بتأسيس الشركة السعودية للصناعات الأساسية، سابك، ما أسهم في تحويل مورد مهدر إلى منتجات صناعية.

البداية من الكويت


لكن السعودية لم تكن أول دولة خليجية تخطو في هذا الاتجاه.

ففي عام 1963، أنشأت الكويت أول منشأة لإنتاج المواد الكيميائية في المنطقة، لإنتاج الأمونيا واليوريا المستخدمتين في صناعة الأسمدة.

غير أن السعودية، بما امتلكته من ثروة نفطية وموارد غاز أكبر بكثير، ستنقل الصناعة لاحقاً إلى مستوى مختلف تماماً.

ولم تسلك بقية دول الخليج المسار نفسه، إذ لم تحدد السياسات وحدها شكل الصناعة في كل دولة، بل لعبت طبيعة الموارد الموجودة تحت الأرض، وكذلك توقيت بدء التصنيع، دوراً أساسياً في ذلك.

يقول السعدون إن "توفر المواد الخام كان العامل الذي يحدد دائماً نوع المنتجات وحجم الإنتاج".
مخطط يوضح كيف تُنتج البتروكيماويات الخليجية من النفط الخام والغاز الطبيعي، بما في ذلك الإيثيلين والبروبيلين والبيوتادين والمركبات العطرية BTX والأمونيا.
BBC

فالتركيب الكيميائي للغاز الطبيعي يختلف من حقل إلى آخر.

الغاز المصاحب في السعودية غني بالإيثان ومركبات أثقل يمكن تحويلها بكفاءة إلى الإيثيلين والبروبيلين، وهما من أهم المواد الأساسية المستخدمة في صناعة البلاستيك.

أما حقل الشمال في قطر، فيغلب على غازه الميثان، وهو ما يجعله أكثر ملاءمة لإنتاج الأمونيا، ومنها اليوريا المستخدمة في صناعة الأسمدة.

وتعد قطر اليوم من كبار منتجي ومصدري اليوريا في العالم، فيما أصبحت صناعة الغاز نفسها محوراً رئيسياً لاقتصادها.

وفي المقابل، كان بإمكان الكويت، من حيث تركيب غازها، أن تطور صناعة أوسع للبلاستيك أيضاً. لكنها بدأت مبكراً، في وقت كان فيه إنتاج الأمونيا واليوريا أكثر رسوخاً من الناحية الصناعية في المنطقة.

وهكذا، كان التوقيت مهماً بقدر أهمية الكيمياء.

وفي الإمارات وتحديدا في أبوظبي، أسهم الغاز المصاحب في بناء شركة بروج التي أصبحت من كبار منتجي البولي إيثيلين في العالم، بينما ركزت سلطنة عمان والبحرين، حيث موارد الغاز أكثر محدودية، بدرجة أكبر على تكرير النفط الخام وتحويله إلى وقود.

والنتيجة اليوم صناعة بمليارات الدولارات تمد العالم بمنتجات أساسية.

ففي عام 2023، صدرت دول مجلس التعاون الخليجي الست منتجات كيميائية وبتروكيماوية بقيمة 64.6 مليار دولار، فيما بلغت الطاقة الإنتاجية مستوى قياسياً وصل إلى 156.2 مليون طن، أي نحو ستة في المئة من الإنتاج العالمي للبتروكيماويات.

وتتصدر السعودية إنتاج البتروكيماويات في الخليج بفارق واضح، وتوفر وحدها نحو ربع الكميات المتداولة عالمياً من البولي بروبيلين، وهو نوع من البلاستيك يدخل في منتجات تمتد من عبوات الطعام إلى أجزاء السيارات والحقن الطبية.

لكن الحجم الذي بلغته الصناعة لا يعني أن الرهان على التنويع الاقتصادي قد اكتمل.

التعليقات