كيف تتخلص من العادات الخفية التي تجعل قلقك الاجتماعي أسوأ؟

طالبة جامعية في مكتبة ترتدي سترة من الدنيم، تنظر نحو الكاميرا بينما تضع يدها على كتاب.
Getty Images
يمكن أن يكون التغلب على القلق الاجتماعي أمراً صعباً، لكن الخبراء شاركوا بعض النصائح التي قد تساعد في جعله أسهل.

خلال سنوات مراهقتها بدأت ماري تشعر بالقلق في المواقف الاجتماعية. وتفاقم الأمر إلى درجة أنها أصيبت بالاكتئاب واضطرت إلى التغيب عن المدرسة لفترة.

وبحلول الوقت الذي بدأت فيه الدراسة الجامعية، كانت تتجنب التجمعات تماماً.

تقول ماري (ليس اسمها الحقيقي): "لم أنضم إلى الأندية والجمعيات كما فعل الآخرون. كنت أعتقد فقط أن لا أحد سيرغب في التعرف إليّ. لم أكوّن في الواقع صديقاً واحداً طوال سنوات دراستي الجامعية".

كان القلق الاجتماعي لدى ماري شديداً لدرجة أنها شُخّصت باضطراب القلق الاجتماعي، وهو أمر يؤثر على ما يصل إلى 12% من الناس في مرحلة ما من حياتهم.

لكنَّ أعداداً أكبر بكثير يقولون إنهم يواجهون صعوبات اجتماعية بصورة أعم. ومع عودة الطلاب إلى الجامعات، سألنا خبراء عن كيفية التغلب على هذه المشاعر، سواء في العام الدراسي الأول أو الأخير.

وجدت دراسة أجرتها جامعة تشيتشستر أن أكثر من خُمس طلاب الجامعات، يعانون شكلاً من أشكال القلق الاجتماعي خلال دراستهم، وأن ذلك يرتبط بانخفاض الدرجات الدراسية، وضعف العلاقات، والعزلة.

وبالنسبة إلى كثيرين، تكون الجامعة المرة الأولى التي يغادرون فيها منزل الأسرة للعيش بمفردهم، وسط توقعات بأن يكوّنوا صداقات بسرعة.

وتقول ماري، التي درست في جامعة إكستر، إنها حاولت بالفعل. وتضيف: "عندما وصلت إلى هناك لأول مرة ذهبت إلى إحدى الجمعيات، لكن الجميع كانوا يتحدثون مع بعضهم، وفجأة اجتاحني شعور بالخوف. شعرت بأنني لن أنسجم معهم، فعُدت إلى المنزل".

علامات قد تشير إلى أنك تعاني من القلق الاجتماعي

شاب يستند إلى جدار ويستخدم هاتفه المحمول، بينما يمر بجانبه أشخاص مسرعون تظهر صورهم مشوشة.
Getty Images

تصف ماري قلقها الاجتماعي بأنه أشبه بتجربة الخروج من الجسد.

فعندما كانت تتحدث إلى أشخاص جدد، كانت تشعر بسخونة تتصاعد إلى وجهها وتبدأ يداها بالوخز.

تقول ماري، التي تبلغ الآن 25 عاماً: "كنت أشعر تقريباً بأنني أنفصل عن جسدي. وكنت أنسى كيف أُكوّن الكلمات".

وتضيف: "بعد المواقف الاجتماعية، كنت غالباً ما أشعر بأنني ارتكبت أمراً فظيعاً. كان ينتابني شعور طاغٍ بالخجل. وكنت أستمر في التفكير بأن هناك عيباً جوهرياً فيّ".

يقول نيل غرينينغ، رئيس تحالف القلق الاجتماعي في المملكة المتحدة، إن هذه سمة شائعة لدى الأشخاص الذين يعانون من القلق الاجتماعي.

ويضيف: "يعتقد الناس أن لديهم عيباً في شخصياتهم. فيستبطنون المشكلة بدلاً من النظر إليها باعتبارها حالة معروفة يمكنهم الحصول على مساعدة بشأنها".

الأمر الأساسي الذي ينبغي تذكره: من الطبيعي إلى حد ما أن يشعر الشخص ببعض الخجل أو القلق عند مقابلة أشخاص جدد أو الوجود في مواقف جديدة أو عند إجراء مقابلة عمل.

لكن القلق الاجتماعي يصبح مشكلة عندما يمنع الشخص فعلياً من القيام بأشياء في حياته، بحسب غرينينغ.

أما بالنسبة لأولئك الذين تم تشخيصهم سريرياً، فقد يكون له تأثير مُنهك كما حدث مع ماري.

ويضيف: "قد يكون من الصعب الاعتراف بأي شكل من أشكال القلق الاجتماعي في عالم يُنظر فيه عادة بإعجاب إلى الانفتاح الاجتماعي والثقة بالنفس. يحاول كثير من الناس إخفاء قلقهم الاجتماعي أو اللجوء إلى سلوكيات الأمان".

ومن العلامات التي قد تشير إلى أن شخصاً ما يعاني القلق الاجتماعي:
  • التزام الصمت
  • تقديم إجابات مقتضبة
  • الانشغال بالهاتف لتجنب التفاعل مع الآخرين
  • البقاء دائماً بالقرب من شخص معين أو الوقوف على أطراف المجموعة
  • الالتزام بموضوعات آمنة في الحديث مثل العمل

ويقول غرينينغ إن هناك بعض الأدلة التي تشير إلى أن القلق الاجتماعي يزداد سوءاً، وإن الاستخدام المتزايد للهواتف الذكية والعمل عن بُعد يسهمان في ذلك من خلال "تقليل التفاعلات الاجتماعية وزيادة مستويات القلق".

كيف تساعد نفسك


تتعامل ماري، التي انتقلت الآن إلى دراسة برنامج للدراسات العليا، مع قلقها الاجتماعي بصورة أفضل.

وبعد حصولها على شهادتها الجامعية الأولى، تلقت دعماً من هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية على شكل علاج بالكلام يُعرف باسم العلاج السلوكي المعرفي.

ويُعد هذا العلاج المعيار الذهبي لعلاج القلق الاجتماعي، إذ يشجع الأشخاص على إعادة صياغة أفكارهم وتغيير سلوكياتهم.

ويقول البروفيسور ديفيد كلارك، عالم النفس في جامعة أكسفورد، إنه يود أن يرى مزيداً من الأشخاص يتقدمون للحصول على العلاج، لكنه يؤكد أيضاً أن بإمكان الناس اتخاذ خطوات لمساعدة أنفسهم.

ويقول إن الخطوة الأولى هي التوقف عن التركيز المفرط على الذات. ويضيف: "الأشخاص الذين يعانون من القلق الاجتماعي غالباً ما يراقبون أنفسهم باستمرار أثناء المواقف الاجتماعية. هل وجهي محمر؟ هل أبدو غبياً؟ هل أبدو متوتراً؟.

وينصح قائلاً: "وجّه تركيزك إلى الخارج، نحو المحادثة، أو الشخص الآخر، أو ما يحيط بك".

ويقول أيضاً إن على الشحص اختبار مخاوفه من خلال تجارب سلوكية، كأن يطرح سؤالاً في اجتماع أو يدلي بمداخلة ضمن مجموعة، ثم يلاحظ ما يحدث بالفعل.

ويضيف: "غالباً ما يفترض الأشخاص الذين يعانون من القلق الاجتماعي نتائج سلبية، مثل أنهم سيحرجون أنفسهم أو أن الآخرين سيجدونهم مملين. واختبار هذه الافتراضات يمكن أن يساعد الناس على التخلص منها. قد يكون الأمر مخيفاً، لكنه قد يكون مفيداً جداً".

كما يقول إن عليهم التخلي عن سلوكيات الأمان، مثل التدرب على كل جملة مسبقاً، أو تجنب التواصل البصري، أو ملازمة شخص معين طوال الوقت.

وأخيراً، يضيف كلارك، حاول تجنب الاجترار الذهني بعد انتهاء الموقف. ويقول: "من السهل جداً تشويه ما حدث بالفعل".

وهذا أمر تستطيع ماري تفهّمه جيداً.

وتقول: "كنت أستعيد المواقف مراراً وتكراراً في ذهني. وما تعلمته هو أن التعامل مع القلق الاجتماعي عملية تدريجية. لقد ساعدني العلاج كثيراً، لكن ساعدني أيضاً شيء قالته لي إحدى صديقاتي قبل بضع سنوات".

وتضيف: "عندما قلت لها إنني لا أريد مرافقتها للقاء بعض أصدقائها بسبب ضعف مهاراتي الاجتماعية، قالت إنها لم تفكر بي بهذه الطريقة أبداً، وإنه لا ينبغي لي أن أقلل من قدر نفسي. غمرتني المشاعر حينها".

وتقول: "أنا الآن أدفع نفسي إلى الانخراط أكثر مع الآخرين. ويساعدني أن دراستي العليا تتم ضمن مجموعات أصغر. انضممت الآن أيضاً إلى مجموعة تهتم بعلم الفلك. لا يزال الأمر صعباً، ولا تسير الأمور دائماً كما أريد، لكنني أتعلم كيفية التعامل معه".

التعليقات