ما هي أضرار مكيّف الهواء على أجسادنا والبيئة؟ وما أفضل طريقة لاستخدامه في موجات الحر؟

سائحة في وستمنستر تستخدم مروحة يدوية لتلطيف الحر خلال موجة الحر الخامسة هذا الموسم، في 12 أغسطس/آب 2026 في لندن، إنجلترا.
Getty Images
تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن التكييف قد يوفر، إلى جانب الحماية من الحر، بعض الحماية في المناطق التي ترتفع فيها مستويات تلوث الهواء الخارجي

مع ارتفاع درجات الحرارة، تزداد أهمية أجهزة التكييف في حماية صحة الإنسان من الحر الشديد. لكن اعتمادنا المتزايد عليها يطرح في المقابل تساؤلات بشأن آثارها المحتملة على الصحة والبيئة.

فهل يمكن للمكيف أن يجعلنا مرضى؟ وكيف يمكن استخدامه بطريقة تقلل أضراره الصحية والبيئية؟

المفارقة: المكيّف يحمينا من مشكلة، قد يسهم أيضاً في تفاقمها


تقدّر منظمة الصحة العالمية أن نحو 489 ألف وفاة مرتبطة بالحر كانت تحدث سنوياً في العالم بين عامي 2000 و2019، فيما يؤدي تغير المناخ إلى زيادة تعرض السكان لدرجات الحرارة القصوى.

وتوفر أجهزة التكييف وسيلة مهمة للحماية خلال موجات الحر، وتنصح منظمة الصحة العالمية الأشخاص الذين لا يستطيعون الحفاظ على برودة كافية في منازلهم بقضاء ساعات عدة في مكان بارد أو مكيف، ويكتسب ذلك أهمية خاصة بالنسبة إلى كبار السن والأطفال والأشخاص الذين يعانون أمراض القلب والجهاز التنفسي والكلى وغيرها من الأمراض المزمنة.

لكن الفوائد الصحية للتكييف لا تعني أن استخدامه يخلو تماماً من الآثار الجانبية، إذ قد تؤثر برودة الهواء وانخفاض رطوبته في بعض الأشخاص، كما قد ترتبط أجهزة التكييف التي لا تخضع للصيانة المناسبة بمشكلات تتعلق بجودة الهواء الداخلي.

هل المكيف يسبب الزكام؟

يمسك النائب عن حزب
Getty Images
تزداد أهمية صيانة أجهزة التكييف وتنظيفها بانتظام، إذ يمكن أن تؤثر الأنظمة سيئة الصيانة في جودة الهواء الداخلي

من المهم هنا التمييز بين التهيج الذي قد يسببه الهواء البارد والجاف وبين الإصابة بالعدوى.

يؤدي التبريد وخفض الرطوبة إلى تغيير ظروف الهواء داخل الأماكن المغلقة، ولدى بعض الأشخاص، يمكن أن يؤدي التعرض المطول للهواء البارد والجاف إلى جفاف الأغشية المخاطية في الأنف والحلق أو تهيجها، ما قد يسبب أعراضاً مثل السعال وسيلان الأنف أو الشعور بالانزعاج في الحلق. لكن ظهور هذه الأعراض لا يعني أن المكيف نفسه تسبب في الإصابة بالزكام، الذي ينجم عن عدوى فيروسية.

وتشير دراسة نُشرت عام 2023 في المجلة الهندية للطب المهني والبيئي إلى أن قضاء ساعات طويلة في أماكن مكيفة قد يرتبط بزيادة بعض الأعراض التنفسية وأعراض ما يُعرف بـ"متلازمة المباني المريضة". وقارن الباحثون نحو 400 شخص بالغ سليم، نصفهم يعملون في أماكن مكيفة لمدة تتراوح بين ست وثماني ساعات يومياً منذ أكثر من عامين، والنصف الآخر يعملون في أماكن ذات تهوية طبيعية.

ووجدت الدراسة أن أعراضاً مثل جفاف أو التهاب الحلق وسيلان الأنف والعطس واحتقان الأنف والصداع كانت أكثر شيوعاً لدى العاملين في الأماكن المكيفة. وأشار الباحثون إلى أن الهواء البارد والجاف، إلى جانب عوامل مثل قلة دخول الهواء الخارجي الطبيعي وتراكم الملوثات داخل الأماكن المغلقة، قد يسهم في ظهور هذه الأعراض.

وتزداد أهمية صيانة أجهزة التكييف وتنظيفها بانتظام، إذ يمكن أن تؤثر الأنظمة سيئة الصيانة في جودة الهواء الداخلي، لذلك، يساعد تنظيف الأجهزة وتغيير فلاترها وفق إرشادات الشركات المصنعة في الحد من تراكم الملوثات ومسببات الحساسية.

هل للمكيف فوائد صحية أخرى؟


إلى جانب الحماية من الإجهاد الحراري، يساعد الاستخدام السليم للمكيف في خفض الرطوبة داخل الأماكن المغلقة. كما أن إغلاق النوافذ وترشيح الهواء، بحسب نوع نظام التكييف، قد يقللان من التعرض لبعض ملوثات الهواء الخارجي ومسببات الحساسية.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن التكييف قد يوفر، إلى جانب الحماية من الحر، بعض الحماية في المناطق التي ترتفع فيها مستويات تلوث الهواء الخارجي.

ولهذا، قد يستفيد المصابون بالربو أو حساسية حبوب اللقاح من التكييف في ظروف معينة، في حين قد تؤدي الأنظمة سيئة الصيانة إلى تفاقم الأعراض في ظروف أخرى.

ولا تتوقف طريقة الاستخدام الصحيحة عند صيانة الجهاز، بل تشمل أيضاً درجة الحرارة التي يُضبط عليها، فخلال الطقس الحار، توصي منظمة الصحة العالمية بضبط المكيف على نحو 27 درجة مئوية واستخدام مروحة معه. وتقول إن الجمع بين الاثنين قد يجعل الغرفة تبدو أبرد بنحو أربع درجات مئوية، مع خفض استهلاك الكهرباء المستخدم في التبريد بصورة كبيرة.

ما الكلفة البيئية لاستخدام المكيف؟

تشغّل شانتال مولينييه، البالغة من العمر 76 عاماً، مروحة في غرفة نوم شقتها في ساحة دي فيت في باريس، خلال يوم صيفي حار في 29 يوليو/تموز 2026.
Getty Images
كلما اشتدت موجات الحر، ازدادت الحاجة إلى التبريد، لكن التوسع في استخدام أجهزة التكييف قد يؤدي بدوره، إلى المساهمة في الاحترار العالمي

في مقابل فوائده الصحية، يترك الاستخدام المتزايد لأجهزة التكييف أثراً بيئياً يأتي أساساً من مصدرين: استهلاك الكهرباء وغازات التبريد.

وتستهلك أجهزة التكييف قدراً كبيراً من الطاقة، وحين تُنتج الكهرباء من الوقود الأحفوري، تؤدي زيادة الطلب على التبريد إلى انبعاثات إضافية من غازات الدفيئة، كما يؤدي الاستخدام المكثف للمكيفات إلى رفع الطلب على الكهرباء في أوقات الذروة، ما قد يضع شبكات الكهرباء تحت ضغط شديد أثناء موجات الحر.

وتستخدم العديد من أجهزة التبريد مركبات الهيدروفلوروكربون (HFCs)، وهي غازات دفيئة شديدة القوة، وعندما تتسرب هذه الغازات أثناء تشغيل الأجهزة أو صيانتها أو التخلص منها، فإنها تسهم مباشرة في الاحترار العالمي. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى تسرب غازات التبريد وارتفاع استهلاك الكهرباء باعتبارهما من التداعيات البيئية لتزايد استخدام أجهزة التكييف.

وهنا تظهر إحدى مفارقات التكييف في عالم ترتفع حرارته: فكلما اشتدت موجات الحر، ازدادت الحاجة إلى التبريد، لكن التوسع في استخدام أجهزة التكييف قد يؤدي بدوره، إذا اعتمد على طاقة عالية الانبعاثات وغازات تبريد شديدة التأثير في المناخ، إلى المساهمة في الاحترار العالمي.

هل الحل هو التوقف عن استخدام المكيف؟

يجلس أشخاص تحت المظلات على طول الممشى البحري في شاطئ ويستكليف، مستمتعين بالطقس الحار والمشمس، في 13 أغسطس/آب 2026 في ساوثيند بإنجلترا.
Getty Images
يمكن الحد من الحاجة إلى التبريد باستخدام الستائر ووسائل حجب أشعة الشمس، وتحسين عزل المباني وتصميمها، والاستفادة من التهوية الطبيعية أو الليلية

ليس بالضرورة، ففي ظل درجات الحرارة الخطيرة، لا يدعو الخبراء إلى الاستغناء عن أجهزة التكييف، إذ يمكن أن تكون وسيلة أساسية للحماية من الأمراض والوفيات المرتبطة بالحر، ولا سيما بالنسبة إلى الفئات الأكثر عرضة للخطر.

ويكمن الحل بدلاً من ذلك في استخدام المكيف بكفاءة أكبر وتقليل آثاره قدر الإمكان، من خلال اختيار الأجهزة الأكثر كفاءة في استهلاك الطاقة، وضبطها على درجات حرارة مناسبة بدلاً من تبريد الغرفة بشكل مفرط، وإجراء الصيانة الدورية وتغيير الفلاتر وفقاً لتعليمات الشركة المصنعة.

كما يمكن الحد من الحاجة إلى التبريد باستخدام الستائر ووسائل حجب أشعة الشمس، وتحسين عزل المباني وتصميمها، والاستفادة من التهوية الطبيعية أو الليلية عندما تسمح الظروف الخارجية، والجمع بين المكيف والمروحة بما يسمح بضبط المكيف على درجة حرارة أعلى.

وعند التخلص من أجهزة التكييف القديمة، من المهم أيضاً إعادة تدويرها بالطرق المناسبة، بما يسمح باستعادة غازات التبريد أو التخلص منها بصورة آمنة بدلاً من تسربها إلى الغلاف الجوي.

وتوصي منظمة الصحة العالمية كذلك بإغلاق النوافذ والأبواب أثناء تشغيل المكيف، وتجنب الاستهلاك غير الضروري للكهرباء أثناء فترات الحر الشديد، ما يساعد في الوقت نفسه على تقليل استهلاك الطاقة والضغط على شبكات الكهرباء.

التعليقات