الجنائية الدولية تتحدى العقوبات الأميركية: اتخذنا إجراءات لحماية عملياتنا

الجنائية الدولية تتحدى العقوبات الأميركية: اتخذنا إجراءات لحماية عملياتنا
رام الله - دنيا الوطن
أكدت المحكمة الجنائية الدولية أنها اتخذت خلال الفترة الماضية سلسلة من الإجراءات الاحترازية لحماية عملياتها من تداعيات عقوبات أميركية محتملة، في وقت تتصاعد فيه حدة الخلاف بينها وبين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على خلفية تحقيقات وقرارات قضائية طالت مسؤولين إسرائيليين وأميركيين.

وقالت نائبة المدعي العام للمحكمة، نزهت شميم خان، إن المحكمة بدأت منذ نحو عام الاستعداد لاحتمال توسيع نطاق العقوبات الأميركية، مشيرة إلى أن المؤسسة اتخذت بالفعل إجراءات للحد من تأثير أي عقوبات جديدة قد تستهدف المحكمة ككل.

وأضافت خان، في مقابلة مع صحيفة "فايننشال تايمز" نشرت الجمعة، أن المحكمة لا تنتظر فرض العقوبات للتحرك، مؤكدة أن "القانون يجب أن يسود على القوة". وأوضحت أن المحكمة وضعت ما وصفته بـ"حواجز حماية" للتقليل من آثار أي إجراءات أميركية محتملة.

وأشارت إلى أن المحكمة سمعت "شائعات" بشأن احتمال فرض عقوبات جديدة، لكنها لم تتلق حتى الآن أي إخطار رسمي من الولايات المتحدة بشأن إجراءات إضافية تستهدف المؤسسة.

بدائل للأنظمة الأميركية

وبحسب "فايننشال تايمز"، بدأت المحكمة، التي تتخذ من لاهاي مقرا لها، منذ أشهر اتخاذ تدابير احترازية تحسبا لتوسيع العقوبات الأميركية من استهداف مسؤولين وأفراد إلى إجراءات قد تؤثر في قدرة المحكمة نفسها على الوصول إلى الخدمات المالية والتكنولوجية الدولية.

وشملت الإجراءات تنزيل وطباعة ملفات ووثائق مهمة، إلى جانب مراجعة مدى اعتماد المحكمة على مزودي الخدمات التكنولوجية الأميركيين، وكذلك ترتيباتها المصرفية والتأمين والسفر والعمل عن بعد.

وخلال العام الماضي، بدأت المحكمة نقل بعض برامج العمل المكتبي من خدمات شركة "مايكروسوفت" الأميركية إلى منصة "openDesk" الألمانية، في محاولة لتقليل اعتمادها على التكنولوجيا الأميركية.

ويأتي ذلك بعدما أُبلغ موظفو المحكمة العام الماضي بأن أكثر من 90% من عملياتها كانت تعتمد آنذاك على أنظمة تكنولوجية أميركية.

كما وضعت المحكمة ترتيبات بديلة للتعامل مع الخدمات المصرفية والتأمين الصحي، لكنها امتنعت عن الكشف عن تفاصيل هذه الإجراءات، بهدف الحفاظ على فاعليتها في حال فرض عقوبات جديدة.

وفي إجراء احترازي آخر، دفعت المحكمة رواتب بعض موظفيها لعدة أشهر مقدما، لتقليل احتمال تأثر عملية صرف الأجور في حال امتدت العقوبات إلى المؤسسة نفسها.

كيف بدأ الخلاف؟

ويعود جانب رئيسي من الخلاف بين واشنطن والمحكمة إلى فبراير 2025، عندما أصدر ترامب أمرا تنفيذيا يسمح بفرض عقوبات على مسؤولين في المحكمة، متهما إياها باتخاذ إجراءات "غير مشروعة" ضد الولايات المتحدة وإسرائيل.

ونص الأمر على تجميد الممتلكات والمصالح المالية الواقعة ضمن الولاية القضائية الأميركية للأشخاص المشمولين بالعقوبات، كما أتاح استهداف أجانب ترى واشنطن أنهم شاركوا بشكل مباشر في جهود المحكمة للتحقيق مع مواطنين أميركيين أو مواطني دول حليفة لا تقبل باختصاص المحكمة، أو قدموا دعما ماديا أو تقنيا لهذه الجهود.

وتصاعد الخلاف بعدما أصدرت المحكمة في نوفمبر 2024 مذكرتي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مرتبطة بالحرب في قطاع غزة.

ورفض نتنياهو وإسرائيل الاتهامات واختصاص المحكمة، كما رفضت الولايات المتحدة اختصاص المحكمة على مواطنيها ومواطني إسرائيل، باعتبار أن البلدين ليسا طرفين في نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة.

ولم تقتصر الإجراءات الأميركية على التهديد بفرض العقوبات، إذ فرضت واشنطن بالفعل عقوبات على مسؤولين في المحكمة، من بينهم أربعة قضاة، شملت تجميد أصول تقع ضمن الولاية الأميركية وفرض قيود على التعاملات معهم.

وقالت إدارة ترامب إن هذه الإجراءات جاءت ردا على تحركات المحكمة ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، بينما رفضت المحكمة العقوبات وتمسكت باستقلالها ومواصلة عملها.

تأثير محتمل على الخدمات المالية والتكنولوجية

وتكمن حساسية العقوبات الأميركية المحتملة في أن آثارها قد تتجاوز الأشخاص والمؤسسات المستهدفة مباشرة، إذ تعتمد مؤسسات مالية وتكنولوجية حول العالم بدرجات مختلفة على النظام المالي الأميركي وعلى خدمات شركات أميركية.

وقد يدفع ذلك بعض الشركات والمؤسسات إلى تجنب التعامل مع جهة خاضعة للعقوبات، خشية التعرض بدورها لإجراءات أو قيود أميركية.

ولهذا بدأت المحكمة مبكرا البحث عن بدائل لمزودي الخدمات الأميركيين، خصوصا في قطاع التكنولوجيا، إلى جانب وضع ترتيبات بديلة للخدمات المصرفية والتأمين والسفر، بما يسمح لها بمواصلة عملها في حال تشديد العقوبات.

وقالت خان إن بعض مسؤولي المحكمة الذين سبق أن طالتهم العقوبات الأميركية واجهوا ما وصفته بـ"الإفراط في الامتثال"، بعدما فرضت بعض المؤسسات قيودا عليهم تجاوزت المتطلبات المباشرة للعقوبات، ما دفعهم إلى البحث عن بدائل لمواصلة تعاملاتهم.

وكانت خان نفسها قد تعرضت لعقوبات أميركية العام الماضي، وفقا لـ"فايننشال تايمز".

تجربة سابقة مع العقوبات

ويعيد التصعيد الحالي إلى الأذهان الإجراءات التي اتخذتها إدارة ترامب خلال ولايته الأولى، عندما فرضت واشنطن عقوبات على المدعية العامة السابقة للمحكمة فاتو بنسودا ومسؤول آخر في مكتب الادعاء، على خلفية التحقيق الذي كانت المحكمة تجريه بشأن أفغانستان.

وألغت إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن تلك العقوبات في أبريل 2021، مع استمرار اعتراض واشنطن على بعض تحركات المحكمة واختصاصها.

وفي ولايته الحالية، عادت إدارة ترامب إلى استخدام العقوبات ضد مسؤولي المحكمة، وسط استمرار الخلاف بشأن اختصاصها وتحقيقاتها.

وتسعى المحكمة، من خلال الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها، إلى تقليل اعتمادها على الأنظمة والخدمات التي يمكن أن تتأثر بالعقوبات الأميركية، بما يتيح لها الحفاظ على عملياتها المالية والتقنية ومواصلة عملها في حال اتساع نطاق الإجراءات الأميركية.

التعليقات