عوائد سندات الخزانة الأمريكية تقفز لأعلى مستوى منذ 2007 وسط مخاوف الديون والتضخم

عوائد سندات الخزانة الأمريكية تقفز لأعلى مستوى منذ 2007 وسط مخاوف الديون والتضخم
ارتفع العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عامًا إلى أعلى مستوى له منذ نحو عقدين، في ظل تصاعد المخاوف بشأن العجز الحكومي وتنامي الدين العام واستمرار الضغوط التضخمية، بالتزامن مع زيادة إصدارات السندات طويلة الأجل، وفق وكالة (بلومبرغ).

وصعد العائد على السندات طويلة الأجل بنحو 6 نقاط أساس، الاثنين، إلى 5.31% ، متجاوزًا أعلى مستوى سجله خلال الشهر الماضي، ليبلغ أعلى مستوى له منذ عام 2007.

ويعكس الارتفاع مزيجًا من العوامل، في مقدمتها استمرار العجز السنوي في الموازنة الفيدرالية الأمريكية عند مستويات تقارب تريليوني دولار، ما يدفع الدين الوطني باتجاه 40 تريليون دولار، إلى جانب تراجع الطلب من بعض المشترين التقليديين للسندات طويلة الأجل.

كما تتزامن هذه الضغوط مع زيادة اقتراض الشركات لتمويل استثمارات ضخمة في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ما يرفع الطلب على التمويل في الأسواق ويضيف مزيدًا من الضغوط على تكاليف الاقتراض.

التضخم والعجز يدفعان العوائد إلى الصعود

ويأتي ارتفاع عوائد السندات في وقت ظل فيه التضخم الأمريكي أعلى من المستوى المستهدف للاحتياطي الفيدرالي على مدى سنوات، ما عزز حالة عدم اليقين بشأن المسار المقبل للسياسة النقدية.

وترتفع عوائد السندات عادة عندما تتراجع أسعارها، إذ يطالب المستثمرون بعائد أكبر مقابل الاحتفاظ بديون طويلة الأجل في ظل مخاطر التضخم وارتفاع مستويات الاقتراض الحكومي.

وتشير المخاوف المتزايدة بشأن العجز المالي الأمريكي إلى أن الحكومة ستحتاج إلى طرح كميات كبيرة من السندات لتمويل احتياجاتها، وهو ما يزيد المعروض في الأسواق وقد يدفع العوائد إلى مستويات أعلى.

تحذيرات من مخاطر أوسع على الأسواق

وقالت شركة (سيتاديل سيكيوريتيز) في مذكرة لعملائها إن استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة، إلى جانب موقف الاحتياطي الفيدرالي من السياسة النقدية، يسهمان في إبقاء عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل قرب أعلى مستوياتها منذ سنوات.

ونقلت (بلومبرغ) عن مدير إدارة الاستثمارات ذات العائد الثابت لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا في (سيتاديل سيكيوريتيز) نوهشاد شاه قوله إن عوائد السندات طويلة الأجل بلغت مستويات لم تشهدها الأسواق منذ نحو عقدين، رغم أن سعر الفائدة الرئيسي في الولايات المتحدة يقل بنحو 175 نقطة أساس عن أعلى مستوياته الأخيرة.

وأضاف شاه أن تحركات السوق تعكس مخاوف المستثمرين من أن صناع السياسات النقدية والمالية قد يفضلون الخيارات الأقل صعوبة عند مواجهة ضغوط التضخم والديون.

وحذر من أن استمرار هذه المخاوف يمكن أن يشكل خطرًا أوسع على أسواق الأسهم والائتمان والعقارات.

قرار الفائدة الأمريكية لا يزال غير محسوم

وحذر شاه من اعتبار التراجع الأخير في التضخم وضعف بعض مؤشرات سوق العمل إشارة مؤكدة إلى قرب خفض أسعار الفائدة.

وأشار إلى أن أكثر من 55% من أسعار السلع الأساسية لا تزال تسجل ارتفاعات، معتبرًا أن اجتماع لجنة السوق المفتوحة التابعة للاحتياطي الفيدرالي الشهر المقبل يبقى مفتوحًا على مختلف الاحتمالات.

ويواجه الاحتياطي الفيدرالي معادلة معقدة، إذ إن خفض أسعار الفائدة في وقت مبكر قد يعيد إشعال الضغوط التضخمية، بينما يؤدي الإبقاء عليها مرتفعة إلى زيادة تكاليف الاقتراض والضغط على الرهن العقاري والشركات والنمو الاقتصادي.

ارتفاع العوائد يضغط على القروض والرهن العقاري 

وينعكس ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية بصورة مباشرة على تكلفة التمويل في الاقتصاد، خصوصًا أن عائد السندات لأجل 10 سنوات يمثل أحد أهم المؤشرات المرجعية المستخدمة في تسعير القروض طويلة الأجل.

وقال رئيس قسم الأبحاث في (كابيتال دوت كوم) مونتي صفي الدين إن حالة عدم اليقين بشأن مسار التضخم تدفع المستثمرين إلى المطالبة بما يعرف بـ"علاوة الأجل"، أي عائد إضافي مقابل تحمل مخاطر الاحتفاظ بالسندات طويلة الأجل.

وأوضح أن زيادة الإصدارات الحكومية لتمويل العجز، بالتزامن مع ارتفاع احتياجات الشركات للتمويل، تؤدي إلى زيادة المعروض من أدوات الدين، ما يضع ضغوطًا على أسعار السندات ويرفع عوائدها.

وأضاف أن ارتفاع عوائد السندات لأجل 10 سنوات ينعكس مباشرة على تكاليف قروض الرهن العقاري وتمويل الشركات والديون الاستهلاكية.

الدين الأمريكي يقترب من 40 تريليون دولار

وأشار صفي الدين إلى أن اقتراب الدين الأمريكي من مستوى 40 تريليون دولار يعزز المخاوف بشأن استدامة المالية العامة، ويزيد حساسية المستثمرين تجاه سياسات الإنفاق والاقتراض.

وفي هذا السياق، يبرز مجددًا ما يعرف بـ"حراس السندات"، وهم مستثمرون يعبرون عن رفضهم للسياسات المالية أو النقدية التي يرون أنها قد تؤدي إلى زيادة التضخم أو الديون، من خلال بيع السندات، ما يؤدي إلى تراجع أسعارها وارتفاع عوائدها.

ويزيد ارتفاع العوائد بدوره تكلفة خدمة الدين على الحكومة الأمريكية، ويضاعف الضغوط على الموازنة، في حلقة قد تصبح أكثر تعقيدًا مع استمرار ارتفاع مستويات الاقتراض.

الحرب وأسعار النفط تضيف ضغوطًا جديدة

وتتزامن الضغوط المالية مع تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي ساهمت في ارتفاع أسعار النفط وزيادة المخاوف التضخمية، ما يعقد مهمة الاحتياطي الفيدرالي في تحديد المسار المناسب لأسعار الفائدة.

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد تعهد بخفض الإنفاق الحكومي وتقليص تكلفة الاقتراض، إلا أن استمرار العجز وارتفاع عوائد السندات يزيدان الضغوط على قطاعات حساسة في الاقتصاد، وفي مقدمتها الإسكان والاستثمار وتمويل الشركات.

وتبقى الأسواق مترقبة لأي إشارات جديدة من الاحتياطي الفيدرالي بشأن التضخم والفائدة، وسط مخاوف من أن استمرار العوائد المرتفعة لفترة طويلة قد يؤدي إلى تشديد الأوضاع المالية وإبطاء النمو الاقتصادي.

التعليقات