لماذا تسعى الرياض لتقديم واجهة مدنية للسلطة في الخرطوم؟
بقلم الكاتب الصحفي/ حسام عبد الحميد
خلال الفترة الأخيرة انتشرت العديد من التقارير والتحليلات التي تشير إلى أن السعودية لم تعد تنظر إلى الأزمة السودانية من زاوية وقف الحرب فحسب، بل باتت تتحرك، وفقًا لما أوردته مصادر إعلامية وتقارير متخصصة، نحو المساهمة في رسم ملامح المرحلة السياسية التي ستلي انتهاء الصراع ودعم حكومة مدنية برعاية الجيش متمثلة في البرهان. وإذا صحت هذه المؤشرات، فإنها تعكس تحولًا لافتًا في طبيعة الدور السعودي، من رعاية جهود الوساطة إلى الانخراط في صياغة ترتيبات سياسية تستهدف إعادة تشكيل المشهد السوداني.
لم تعد السعودية تتعامل مع الحرب السودانية بوصفها أزمة تحتاج إلى وساطة أو جولات تفاوض جديدة. فبعد سنوات من القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وتعثر المبادرات الإقليمية والدولية في فرض تسوية مستقرة، انتقلت الرياض إلى مرحلة أكثر تقدما تتجاوز إدارة الأزمة نحو إعادة هندسة السلطة التي ستخرج من تحت أنقاضها.
التحركات السعودية التي تجري بعيدا عن الأضواء
تكشف أن المملكة لم تعد تركز على وقف الحرب بقدر تركيزها على شكل النظام السياسي الذي سيحكم السودان في اليوم التالي.
وفي قلب هذه المقاربة الجديدة يبرز مشروع تشكيل حكومة مدنية تحظى باعتراف دولي واسع، لكنها تبقى منسجمة مع رؤية قائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان وتحافظ على موقع المؤسسة العسكرية بوصفها القوة الحاكمة الفعلية.
المعلومات التي كشفتها مصادر متخصصة في الشأن الأفريقي، وفي مقدمتها ما نشره موقع (أفريكا إنتلجنس) الفرنسي، تشير إلى أن مسؤولين سعوديين يقودون اتصالات مكثفة مع شخصيات مدنية سودانية ذات حضور سياسي واجتماعي مؤثر، بهدف بناء كتلة مدنية قادرة على توفير الغطاء السياسي والشرعية الدولية لمرحلة جديدة تتصدر فيها الواجهة المدنية المشهد، بينما تبقى مراكز القرار الحقيقية في يد الجيش.
وتكشف هذه المقاربة عن تحول جذري في الدور السعودي داخل السودان. فالمملكة التي قادت إلى جانب الولايات المتحدة مفاوضات جدة عام 2023 بهدف وقف إطلاق النار، تبدو اليوم وقد انتقلت من موقع الوسيط إلى موقع صانع الترتيبات السياسية. لم يعد الهدف جمع الخصوم حول طاولة تفاوض، بل رسم ملامح السلطة المقبلة وتحديد شكل الشرعية التي ستحكم البلاد بعد الحرب.
ولا يمكن فهم هذا التحول بمعزل عن الحسابات الاستراتيجية السعودية. فالسودان يشكل إحدى أهم نقاط الارتكاز على البحر الأحمر، ويمثل بوابة بين القرن الأفريقي وأفريقيا جنوب الصحراء. وأي فراغ سياسي طويل في الخرطوم يفتح المجال أمام قوى إقليمية منافسة لتوسيع نفوذها في منطقة تنظر إليها الرياض باعتبارها جزءا من أمنها القومي ومجالها الحيوي.
كما أن التحرك السعودي يأتي في ظل احتدام التنافس الإقليمي على السودان. فالحرب لم تعد مجرد صراع داخلي على السلطة، بل تحولت إلى ساحة تتقاطع فيها مشاريع النفوذ الإقليمية. ومن هنا تبدو الرياض حريصة على إنتاج حليف سياسي قادر على حماية مصالحها وضمان حضورها في مرحلة ما بعد الحرب.
من المؤكد أن السعودية ترى المشهد السوداني بوضوح، وتدرك أيضا أن أي صيغة تقوم على منح الشرعية للسلطة القائمة من دون معالجة جذور الصراع قد تؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة بدلا من حلها، والعودة إلى الانقسامات العميقة التي مزقت الدولة السودانية خلال السنوات الأخيرة.
وفي جوهر الأمر، لا تبدو التحركات السعودية محاولة لإنهاء الحرب بقدر ما تبدو محاولة لإدارة نتائجها سياسيا. إنها مساع لإعادة بناء الشرعية حول البرهان من خلال إطار مدني جديد، يمنح السلطة القائمة اعترافا دوليا أوسع ويخفف الضغوط المفروضة عليها، من دون إحداث تغيير حقيقي في موازين القوة التي فرضتها الحرب.

التعليقات