سوريا.. الكشف عن مصير أطفال الطبيبة رانيا العباسي المفقودين منذ عقد

سوريا.. الكشف عن مصير أطفال الطبيبة رانيا العباسي المفقودين منذ عقد
كشفت الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا أن تحقيقاتها ترجح بدرجة عالية من اليقين وفاة أطفال طبيبة الأسنان رانيا العباسي، الذين فُقدوا مع عائلتهم منذ أكثر من عقد خلال فترة حكم الرئيس المخلوع بشار الأسد، في واحدة من أبرز قضايا الاختفاء القسري في البلاد.

وأوضحت الهيئة في بيان أنها توصلت إلى نتائج موثوقة ومتقاطعة تستند إلى تحقيقات وتحليلات خضعت لمراجعة مهنية دقيقة، ما يسمح بالاستنتاج بدرجة عالية من اليقين بوفاة الأطفال.

وأكدت أنها أبلغت أفراد العائلة بهذه النتائج قبل إعلانها، التزاما بمعايير إنسانية ومهنية تراعي حق العائلات في المعرفة وتحفظ كرامتهم، مشيرة إلى أن الجهود لا تزال مستمرة لتحديد أماكن الرفات والعثور عليه، بالتنسيق مع الجهات المختصة، في إطار متابعة هذا الملف.

وبدورها، أعلنت وزارة الداخلية السورية أن التحقيقات الجارية في قضية اختفاء أطفال الطبيبة رانيا العباسي كشفت عن أدلة ومعلومات تفيد بمقتلهم على يد "مجموعات وميليشيات تابعة للنظام البائد"، وذلك استنادا إلى إفادات عدد من الموقوفين المرتبطين بالقضية.

وأوضحت الوزارة أن الهيئة الوطنية للمفقودين أسهمت في دعم مجريات التحقيق من خلال تزويد الجهات المختصة بمقاطع فيديو ومعلومات ذات صلة، ما عزز حجم الأدلة المتوفرة.

وأشارت إلى أن النتائج الأولية للتحقيقات أظهرت تورط أمجد يوسف -الذي اعتُقل مؤخرا باعتباره المتهم الرئيس في مجزرة حي التضامن عام 2013، مؤكدة استمرار العمل على استكمال التحقيقات وتعقب بقية المتورطين المحتملين تمهيدا لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم.

من جهته، أكد حسان العباسي، شقيق رانيا، في تسجيل مصور وفاة الأطفال الستة، مشيرا إلى أن العائلة تأكدت من ذلك، ومتهما أمجد يوسف بالمسؤولية عن مقتلهم.

وأوضح أن أفراد العائلة شاهدوا تسجيلات مصورة منسوبة ليوسف، الذي اتُّهم بقتل عشرات المدنيين بإطلاق النار عليهم من مسافة قريبة ثم إحراق جثثهم، مضيفا أن أحد هذه المقاطع يظهر أطفالا داخل غرفة مظلمة، حيث وجه لهم اتهامات بأنهم ممولون للإرهاب.

وتعود القضية إلى مارس/آذار 2013 حين دهمت قوات الأمن منزل العائلة في مشروع دُمّر بدمشق، ليختفي أثر رانيا العباسي وزوجها عبد الرحمن ياسين وأطفالهما الستة ديمة وانتصار ونجاح وآلاء وأحمد وليان منذ ذلك الحين، وسط غموض استمر لسنوات طويلة.

وشكلت هذه القضية رمزا لمعاناة آلاف العائلات السورية التي تبحث عن مصير أبنائها المفقودين، خاصة من الأطفال الذين ارتبطت أسماؤهم بملف الاعتقال والاختفاء القسري خلال السنوات الماضية لاسيما أحداث الثورة.

وكانت ترددت سابقا فرضيات حول احتمال نقل الأطفال إلى دور أيتام أو أسر أخرى، إلا أن نتائج التحقيقات الحديثة رجحت وفاتهم، وفق ما أعلنته الهيئة.

وقد لاقى هذا الإعلان بشأن وفاة أطفال رانيا العباسي تفاعلا واسعا على المنصات السورية، حيث اعتبر فريد المذهان المعروف بـ"قيصر" أن القضية تمثل "واحدة من أبشع جرائم الاختفاء القسري التي ارتكبها النظام البائد"، مؤكدا أن تحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين شرط أساسي لأي مصالحة حقيقية في سوريا.

من جهته، قال مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني إن الإعلان يشكل لحظة مؤلمة تكشف حجم الانتهاكات الممنهجة، مشيرا إلى أن آلاف الأطفال ما زالوا في عداد المعتقلين أو المختفين قسرا، وأن كشف مصيرهم يُعد ركيزة أساسية في أي مسار جاد للعدالة الانتقالية.

ويُعد ملف المفقودين والمختفين قسرا من أكثر الملفات الشائكة في سوريا، إذ اعتقل نظام الأسد مئات آلاف المدنيين، بينهم أطفال ونساء، وزج بهم في معتقلاته، وسط شهادات عن تعرضهم لتعذيب ممنهج أدى إلى وفيات في حالات كثيرة.

وتتباين الأرقام بشأن ذلك إذ تشير تقديرات سابقة للجنة الدولية لشؤون المفقودين إلى أكثر من 130 ألف مفقود منذ 2011، بينما تقول اللجنة نفسها إن تقديرات عدد المفقودين في سوريا قد تصل إلى 300 ألف عند احتساب عقود من الانتهاكات والنزاع والنزوح.

أما الشبكة السورية لحقوق الإنسان فتقول إن أكثر من 177 ألف شخص تعرضوا للاختفاء القسري منذ آذار/مارس 2011.

وبعد سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، تواترت أخبار وصور بشأن العثور على مقابر جماعية في عدد من المناطق.

كما سبق أن حصلت الجزيرة على صور ومعلومات حصرية تؤكد وجود مقابر جماعية بمواقع مختلفة في سوريا، حيث استخدم نظام الأسد مناطق متفرقة لدفن الضحايا بشكل جماعي.

وقد فتحت السلطات السورية تحقيقات جنائية واسعة النطاق في هذا الملف الذي يشكل واحدة من أكثر القضايا ظلمة في تاريخ البلاد الحديث، في حين وثقت تقارير ومنظمات مقتل العديد من الحالات تحت التعذيب في السجون، بينهم عشرات النساء والأطفال.

ويقول السوريون إن زوال نظام الأسد يمثل نهاية حقبة رعب عاشوها على مدى عقود، إذ شكلت سجونه كوابيس لهم جراء عمليات التعذيب الممنهج والتنكيل والاختفاء القسري.

وأكدت الحكومة السورية الجديدة على لسان عدد من مسؤوليها أن محاسبة "المجرمين" خلال عهد النظام السابق وتقديمهم للعدالة ستبقى أولوية.

كما تعهد الرئيس أحمد الشرع، في كلمة له أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال سبتمبر/أيلول العام الماضي، بتقديم كل من تلطخت يداه بدماء الأبرياء إلى العدالة.

التعليقات