العدالة الانتقالية وجبر الضرر في غزة: نحو تجديد العقد الاجتماعي وتعزيز السلم الأهلي
العدالة الانتقالية وجبر الضرر في غزة: نحو تجديد العقد الاجتماعي وتعزيز السلم الأهلي
بقلم: حلمي أبو طه
في الحظات التي تتوقف فيها المدافع عن الكلام، وتعلو أصوات الأسى من بين الركام، يبرز سؤال العدالة بوصفه النداء الأعمق في وجدان الشعوب التي أنهكها الألم طويلاً. وفي ظل بداية نهاية العدوان الإسرائيلي على غزة، والمبادرات السياسية المختلفة. يطرح هذا السؤال نفسه بشكل أكثر إلحاحاً: هل من الممكن تطبيق العدالة الانتقالية، وجبر الضرر، وتجديد العقد الاجتماعي، وإرساء السلم الأهلي في مجتمع يتعرض لضغوط مستمرة وانتهاكات متكررة؟؟؟ فذاك هو سؤال الرأي العام، وما شغل المثقفين والباحثين، كلٌّ بحسب أدواته المعرفية واجتهاده في تضميد الجراح الجماعية. أحد المجموعات على الواتس الأكثر عدداً من أصحاب الياقات وربطات العنق وأصحاب المناصب الإدارية في غزة، حيث طرحت مبادرة تخص "العقد الاجتماعي والسلم الأهلي"، وكنت قد علقت عليها بمهنية وتجرد، وليتني لم أفعل، حيث جاء الرد حاداً بعض الشيء ومشحوناً باتهام في غير موضعه. لذلك، أود أن أتقدم بجزيل الشكر لتلك المجموعة التي دفعتني لكتابة هذا المقال، الذي أعاد لي ذكرى مرحلة الماجستير في التنمية المستدامة وبناء المؤسسات، حيث تعمقنا في هذا الموضوع الحيوي. وبهذا المقال سنوجه الحديث - بقدر ما يتسع المقام — إلى جملة من المصطلحات القانونية والسياسية الدولية المرتبطة بمعالجة الأضرار الناجمة عن الحرب والعدوان الإسرائيلي على غزة، راجياً من الله أن أوفَّق في وضع النقاط على الحروف، وتقديم بيان واضح للقارئ الكريم. وسيتناول الطرح مفاهيم محورية مثل: العدالة الانتقالية، وجبر الضرر، والعقد الاجتماعي، والسلم الأهلي.
العدالة الانتقالية هي: منظومة شاملة من الإجراءات القانونية والسياسية والاجتماعية التي تتخذها المجتمعات بعد النزاع أو فترات القمع لمعالجة الانتهاكات السابقة وضمان عدم تكرارها. بهدف الانتقال من مرحلة الظلم والانتهاكات إلى مجتمع يستند إلى سيادة القانون والاعتراف بالحقوق وصون الكرامة الإنسانية. أما جبر الضرر، فهو عملية إعادة الحقوق أو تقديم تعويضات للضحايا لتعويض الخسائر المادية والمعنوية التي لحقت بهم، وإعادة الاعتبار لقيمتهم الإنسانية. وتتخذ هذه العملية أشكالاً متعددة، مادية، ومعنوية، ورمزية، ومؤسسية. ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بالعدالة الانتقالية، إذ يُعد أداة عملية لتفعيلها، ووسيلة ملموسة لتحقيق الاعتراف بالحقوق والإنصاف. في المقابل، يُفهم العقد الاجتماعي، بوصفه اتفاق غير مكتوب أو ضمنياً بين الدولة والمجتمع، يحدد الحقوق والواجبات المتبادلة، ويمنح النظام السياسي شرعيته. ومن خلاله تُؤسَّس شرعية السلطة، وتُنظَّم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، بما يضمن استقرار مؤسسات الدولة وفاعليتها. لذلك العدالة الانتقالية تهيئ الأرضية لتجديد هذا العقد على أسس جديدة تقوم على الاعتراف، والمساءلة، والإنصاف. أما السلم الأهلي فهو: حالة الاستقرار الداخلي والهدوء المجتمعي، وغياب العنف والانقسامات الداخلية، وتعزز قدرة المجتمع على التعايش المشترك وإدارة الخلافات بوسائل سلمية. ويُعد السلم الأهلي ثمرة متوقعة لتطبيق العدالة الانتقالية بصورة فعّالة، لكنه لا يتحقق إلا إذا تمت معالجة جذور الانتهاكات والمظالم بعمق وجدية. وبالتالي، تهيئ العدالة الانتقالية الأرضية لتجديد العقد الاجتماعي على أسس جديدة تقوم على الاعتراف والإنصاف.
العدالة الانتقالية ليست مشروطة بنزاع داخلي فقط؛ إذ يمكن أن تنشأ في أعقاب احتلال أجنبي مثل (ناميبيا، تيمور الشرقية، جنوب إفريقيا). أو عقب نزاع داخلي كما حدث في (رواندا ولبنان). أو بعد سقوط أنظمة استبدادية كما في تجربة (تشيلي). ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن الحالة الفلسطينية أقرب إلى النموذج الجنوب إفريقي والناميبي، حيث كان هناك احتلال أو نظام فصل عنصري، ما يجعل من العدالة الانتقالية إطاراً مناسباً لمعالجة الانتهاكات من خلال مزيج من الآليات الوطنية والدولية. ففي المجتمعات التي عانت من نزاعات ممتدة وانتهاكات متواصلة، تبرز العدالة الانتقالية كإطار أساسي لإعادة بناء الثقة وتحقيق الاستقرار. فهي ليست مجرد مجموعة إجراءات قانونية متفرقة، بل هي عملية شاملة تهدف إلى معالجة آثار الانتهاكات، وإصلاح المؤسسات، وكشف الحقيقة، وضمان عدم تكرار الظلم. فهي تمثل الجسر الذي يعبر به المجتمع من مرحلة الألم والخوف إلى مرحلة الاعتراف والإنصاف. فالحروب لا تترك وراءها دماراً مادياً فقط، بل تنسج في الوعي الجمعي طبقات متراكمة من الفقد والظلم، لا يمكن تجاوزها إلا بمقاربة قانونية وإنسانية متكاملة تُعيد الاعتبار للضحايا وتؤسس لمرحلة جديدة قوامها العدالة والكرامة الإنسانية.
في الحالة الفلسطينية، ولا سيما بعد حرب غزة الأخيرة، تتجاوز المأساة حدود الخسائر المادية إلى مسألة الوجود الإنساني ذاته، حيث أضحى مليونين ونصف المليون من المدنيين بين شهيد وجريح ومهجّر ومحروم من أبسط مقومات الحياة الكريمة. لذلك في الوضع الطبيعي تبرز العدالة الانتقالية كإطار أساسي لإعادة صياغة العقد الاجتماعي على أسس جديدة، تقوم على ترسيخ العلاقة المتبادلة بين السلطة والمجتمع وفق مبدأ الحقوق والواجبات، بما يضمن تحقيق السلم الأهلي القائم على التعايش المشترك دون خوف أو انقسام. غير أن العدالة الانتقالية في الحالة الفلسطينية وخصوصاً بعد حرب غزة، تكتسب طابعاً أكثر تعقيداً وإلحاحاً؛ فالانتهاكات لا تقتصر على الماضي فحسب، بل هي جزء من واقع مستمر تحت الاحتلال، وتشمل القتل والتدمير والإخلاء القسري وحرمان المدنيين من حقوقهم الأساسية. وفي مثل هذا السياق، تصبح العدالة الانتقالية أكثر من مجرد إطار نظري، أو مطلب قانوني؛ فهي ضرورة عملية لإعادة الاعتبار للضحايا، وبناء الثقة المجتمعية، ولضمان ألا يبقى المجتمع الفلسطيني أسيراً لجراح لم تلتئم.
إن مفهوم العدالة الانتقالية عادة ما يُطرح في حالات الصراع الداخلي أو بعد سقوط أنظمة استبدادية. غير أن الحالة الفلسطينية — ولا سيما في غزة — تختلف من حيث الجوهر فالانتهاكات مصدرها احتلال أجنبي وصراع غير متكافئ، وليس حرباً أهلية أو نزاعاً داخلياً تقليدياً. ومع ذلك، يمكن تطبيق مبادئ العدالة الانتقالية وجبر الضرر في هذا السياق، لكن عبر آليات بصياغات خاصة تراعي الطبيعة الاستعمارية للاحتلال. الذي مارس على مدى سنوات طويلة أفعالاً ترقى إلى جرائم حرب وانتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، ضد المدنيين أو البنية التحتية أو الممتلكات. يمكن أن تشكّل أساساً للمساءلة القانونية الدولية المستقبلية، من خلال مسارين رئيسيين: المسار الأول يتمثل في اللجوء إلى محكمة الجنايات الدولية، باعتبار أن الانتهاكات صادرة عن قوة احتلال، وهو ما يندرج ضمن أحكام القانون الدولي الإنساني. ويركّز هذا المسار على توثيق الجرائم، ومساءلة الاحتلال، وتعويض الضحايا، بما يرسّخ الحق في العدالة ويمنع الإفلات من العقاب. وهنا تبرز أهمية الدور الوطني للمؤسسات الفلسطينية بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني في جمع الشهادات، وتوثيق الانتهاكات، وحماية ذاكرة الضحايا، بينما يُناط بالمستوى الدولي — ولا سيما المحاكم والهيئات الأممية — ملاحقة المسؤولين الإسرائيليين قانونيًا والمطالبة بتعويضات شاملة مادية ومعنوية. أما المسار الثاني، فيتعلق بتبني آليات خاصة لضمان عدم التكرار، من خلال اتفاقات أو ترتيبات سياسية مستقبلية تكفل الحماية وتمنع العودة إلى الانتهاكات، بالتوازي مع بناء مؤسسات وطنية قوية قادرة على الرصد والمتابعة والمحاسبة. وفي الوقت نفسه، لا يمكن إغفال البعد الداخلي؛ فمرحلة ما بعد الحرب تتطلب معالجة الآثار الاجتماعية والنفسية والاقتصادية العميقة التي خلفتها المواجهات، عبر برامج شاملة لإعادة الإعمار والدعم وجبر الضرر للفئات المتضررة من المدنيين. وبهذا المعنى، تصبح العدالة الانتقالية في غزة إطاراً مزدوجاً يجمع بين المساءلة الدولية للاحتلال من جهة، والمعالجة الوطنية الداخلية من جهة أخرى، بهدف تأسيس مرحلة أكثر عدلاً واستقراراً، وترسيخ ضمانات تحول دون تكرار الانتهاكات في المستقبل.
في ضوء المبادرة الأمريكية للسلام التي أعلن عنها الرئيس ترامب مؤخراً، وما اشتملت عليه من بنود أمنية وسياسية أبرزها وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى وتوقيع اتفاق شرم الشيخ، يبرز سؤال جوهري: إلى أي مدى بمكن إدماج العدالة الانتقالية ومفاهيمها المساندة ضمن هذا المسار؟ فالمبادرة بطبيعتها ترتكز على ترتيبات أمنية وإدارية مؤقتة، دون أن تتضمن أي مكون حقيقي من مكونات العدالة الانتقالية، مثل لجان الحقيقة، أو محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، أو برامج شاملة لجبر الضرر الشامل للمدنيين. أو إعادة بناء العقد الاجتماعي، والسلم الأهلي في غزة. إذ تتعامل الرؤية الأمريكية الإسرائيلية مع النزاع من زاوية إدارة الأزمة لا معالجتها الجذرية، متجاهلةً الحقوق التاريخية والقانونية للضحايا الفلسطينيين. وفي هذا السياق، لا يمكن اعتبار المبادرة إطاراً للعدالة الانتقالية، بل هي أقرب إلى تسوية سياسية مؤقتة تفرضها موازين القوى الراهنة. ومع ذلك، يمكن النظر إلى المرحلة التالية للمبادرة كنافذة محدودة يمكن للمجتمع المدني الفلسطيني، والهيئات الحقوقية المحلية والدولية، العمل على إدراج آليات العدالة الانتقالية تدريجياً، سواء عبر التوثيق المنهجي للانتهاكات، أو المطالبة ببرامج جبر ضرر وتعويض، أو الضغط لإشراك الضحايا في أي تسويات مستقبلية. فنجاح أي عملية سلام مستدامة في غزة يتطلب معالجة آثار الانتهاكات وجبر الضرر بصورة عادلة وشاملة، وهو ما يتجاوز بكثير الطابع السياسي والأمني للمبادرة الراهنة. ويستلزم رؤية شاملة للتعافي والعدالة المجتمعية.
يُعد جبر الضرر أحد أهم أدوات العدالة الانتقالية، إذ يهدف إلى تعويض الضحايا عن الخسائر المادية والمعنوية والرمزية، وإعادة الاعتبار للكرامة الإنسانية. ويتخذ أشكالاً متعددة تتكامل لتشكيل لوحة متكاملة للعدالة: فهناك الجبر المادي الذي يشمل التعويض المالي أو إعادة الممتلكات المنهوبة أو المدمرة، كما حدث في برامج إعادة الإعمار بعد حرب غزة 2014 التي ساهمت جزئياً في دعم العائلات المتضررة. والجبر المعنوي الذي يتضمن الاعتذار الرسمي أو الاعتراف بالانتهاكات، بما يعزز شعور الضحايا بالاعتراف والإنصاف، كما طبق في تجارب جنوب إفريقيا بعد نظام الفصل العنصري، حيث كان الاعتراف الرسمي جزءاً من عملية المصالحة الوطنية. والجبر الرمزي ويتم عبر تخليد ذكرى الضحايا، وإدراج الانتهاكات في المناهج التعليمية لتأكيد أهمية الذاكرة الجماعية، كما فعلت رواندا بعد الإبادة الجماعية لضمان عدم نسيان الجرائم. والجبر المؤسسي ويتمثل في إصلاح وبناء المؤسسات لمنع تكرار الانتهاكات وضمان آليات رقابية فعالة، كما طبقت بعض الدول بعد النزاعات المسلحة لتعزيز سيادة القانون ومساءلة المسؤولين. وتكمل هذه الإجراءات برامج إعادة التأهيل النفسي والاجتماعي وورش العمل التعليمية التي تعزز وعي المجتمع بحقوق الضحايا. وهنا يبرز دور المجتمع المدني كعنصر أساسي في توثيق الانتهاكات وحماية الذاكرة الجماعية والدفاع عن حقوق الضحايا. فالمنظمات الحقوقية واللجان الشعبية والنقابات ومراكز التوثيق تقوم برصد الجرائم وتقديم الملفات للهيئات الدولية، وحماية سردية الضحايا من الضياع أو التشويه. إلى جانب التوثيق، تلعب المبادرات المجتمعية دوراً فعّالاً في التخفيف من آثار الانتهاكات عبر تقديم الدعم النفسي والاجتماعي، وتشغيل برامج تعليمية للأطفال المتأثرين بالحرب، ما يجعلها جزءاً لا يتجزأ من جهود جبر الضرر ويعزز فعالية العدالة الانتقالية حتى قبل وجود مظلة قانونية رسمية.
من الناحية القانونية والدولية، يشكل جبر الضرر أحد الأعمدة الرئيسة في منظومة العدالة الدولية. فالقانون الدولي ينظر إليه على أنه حق أصيل للضحايا وليس منّة أو فضلاً من أحد. فوفقاً لقواعد القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، للضحايا حق في التعويض، ورد الاعتبار، وإعادة التأهيل والاعتراف بالانتهاكات، وضمان عدم تكرارها. وهذه الالتزامات ليست مجرد خيار أخلاقي، بل مسؤولية قانونية تقع على عاتق من ارتكب الانتهاكات، كما تقع مسؤولية دعم تنفيذها على المجتمع الدولي بأسره. وفي غزة، حيث ارتكبت جرائم واسعة ضد المدنيين، واستُهدفت المدارس والمستشفيات والمنازل، وقُطعت المساعدات الإنسانية، وانتهكت كل قواعد الحماية الدولية، يصبح مبدأ جبر الضرر ضرورة عملية يجب أن تتجاوز حدود الخطابات السياسية والبيانات الإنسانية. فحقوق الناس لا تُشفى بالتصريحات وحدها، بل بالاعتراف الرسمي، والمساءلة القانونية، وإعادة ما يمكن إعادته من حياة وكرامة للضحايا.
في هذا السياق، تهيئ العدالة الانتقالية تهيئ الأرضية لتجديد العقد الاجتماعي على أسس جديدة تقوم على الاعتراف والإنصاف. ومع ذلك، يظل العقد الاجتماعي في غزة هشاً، نتيجة الانقسام السياسي بين الفصائل الفلسطينية، والاحتلال المستمر، وما خلفته الحرب، والضغوط الاقتصادية والاجتماعية، إذ يقوم أساساً على الثقة المتبادلة بين المواطنين والسلطة، وعلى الحقوق والواجبات المشتركة. المبادرة الحالية، بطبيعتها، ترتكز على ترتيبات أمنية مؤقتة، ولا تشمل إصلاحات جوهرية تعزز الثقة أو تضع أسساً لمساءلة الأطراف عن الانتهاكات السابقة، ما يجعل أي تحسن في العقد الاجتماعي محدوداً ومؤقتاً، مرتبطاً فقط بوقف العنف وإدارة الخدمات الأساسية فقط. دون بناء توافق طويل الأمد وحل الدولتين. ولذلك، فإن تحقيق السلم الأهلي المستدام في غزة يتطلب ضرورة اعتراف إسرائيل بالدولة الفلسطينية، وأن يُصاحب أي تعديل للعقد الاجتماعي برامج شاملة للعدالة الانتقالية، تشمل المصالحة بين الفصائل، جبر الضرر للضحايا، وتعزيز المشاركة المجتمعية، لضمان قدرة المجتمع على التعايش المشترك دون خوف أو انقسام في المستقبل.
أما السلم الأهلي، فهو يحتاج إلى تقليل النزاعات الداخلية سواء بين الأحزاب وما بين الأحزاب والعائلات، وتعزيز التماسك الاجتماعي، وإدارة الخلافات بشكل سلمي ومنهجي، وهو ما لا توفره المبادرة الحالية بشكل كامل. وقد يسهم وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى في تخفيف حدة الصراع مؤقتاً، لكنه لا يغني عن نية حقيقية بالاعتراف بالدولة الفلسطينية من الجانب الإسرائيلي، وتنفيذ المصالحة الداخلية بين الفصائل، وإشراك المجتمع المدني، ومعالجة آثار النزاعات السابقة وجبر الضرر للضحايا. لذلك، يمكن القول إن المبادرة تتيح فرصاً ظرفية محدودة لتعزيز العقد الاجتماعي والسلم الأهلي، لكنها ليست كافية لإرسائهما بشكل مستدام، ويظل العمل على الإصلاح المؤسسي، والمصالحة، ومشاركة المواطنين في صنع القرار، شرطاً أساسياً لتحقيق تماسك داخلي دائم. ومن هنا يصبح جلياً أن العدالة الانتقالية وجبر الضرر، جنباً إلى جنب مع تجديد العقد الاجتماعي وتعزيز السلم الأهلي، يشكلان الدعائم الأساسية لبناء مستقبل أكثر عدلاً واستقراراً لغزة، حتى في ظل تحديات الاحتلال والانقسامات الداخلية.
إن العدالة الانتقالية في غزة ليست مجرد مفهوم نظري أو مصطلح قانوني، بل هي ضرورة عملية لإنصاف الضحايا واستعادة الكرامة الإنسانية، وتحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات في مجتمع مضطرب بفعل الاحتلال والنزاعات المستمرة. فعملية جبر الضرر، بمختلف أشكالها المادية والمعنوية والرمزية والمؤسسية، تمثل الركيزة التي يمكن أن يرتكز عليها أي مسار للسلام المستدام. كما أن تجديد العقد الاجتماعي والسلم الأهلي يتطلب تجاوز الخطط المؤقتة والتركيز على الإصلاح المؤسسي، والمصالحة الداخلية، ومشاركة المجتمع المدني والمواطنين في صنع القرار، لضمان بناء مجتمع متماسك قادر على مواجهة التحديات المستقبلية دون خوف أو انقسام. وفي ظل المبادرات الدولية، يبقى دور المجتمع المدني الفلسطيني والمحاكم الدولية والهيئات الحقوقية أساسياً لضمان الاعتراف بالانتهاكات، ومساءلة المسؤولين عنها، وتنفيذ برامج جبر الضرر. إن نجاح أي عملية سلام مستدامة مرتبط بقدرتنا على تحويل الألم والمعاناة إلى خطوات عملية نحو العدالة والاعتراف والكرامة، لتبقى غزة مثالاً على قدرة المجتمع على النهوض بعد الصدمات، وإرساء أسس سلم أهلي دائم يعكس إرادة شعبها وحقوقه التاريخية.
بقلم: حلمي أبو طه
في الحظات التي تتوقف فيها المدافع عن الكلام، وتعلو أصوات الأسى من بين الركام، يبرز سؤال العدالة بوصفه النداء الأعمق في وجدان الشعوب التي أنهكها الألم طويلاً. وفي ظل بداية نهاية العدوان الإسرائيلي على غزة، والمبادرات السياسية المختلفة. يطرح هذا السؤال نفسه بشكل أكثر إلحاحاً: هل من الممكن تطبيق العدالة الانتقالية، وجبر الضرر، وتجديد العقد الاجتماعي، وإرساء السلم الأهلي في مجتمع يتعرض لضغوط مستمرة وانتهاكات متكررة؟؟؟ فذاك هو سؤال الرأي العام، وما شغل المثقفين والباحثين، كلٌّ بحسب أدواته المعرفية واجتهاده في تضميد الجراح الجماعية. أحد المجموعات على الواتس الأكثر عدداً من أصحاب الياقات وربطات العنق وأصحاب المناصب الإدارية في غزة، حيث طرحت مبادرة تخص "العقد الاجتماعي والسلم الأهلي"، وكنت قد علقت عليها بمهنية وتجرد، وليتني لم أفعل، حيث جاء الرد حاداً بعض الشيء ومشحوناً باتهام في غير موضعه. لذلك، أود أن أتقدم بجزيل الشكر لتلك المجموعة التي دفعتني لكتابة هذا المقال، الذي أعاد لي ذكرى مرحلة الماجستير في التنمية المستدامة وبناء المؤسسات، حيث تعمقنا في هذا الموضوع الحيوي. وبهذا المقال سنوجه الحديث - بقدر ما يتسع المقام — إلى جملة من المصطلحات القانونية والسياسية الدولية المرتبطة بمعالجة الأضرار الناجمة عن الحرب والعدوان الإسرائيلي على غزة، راجياً من الله أن أوفَّق في وضع النقاط على الحروف، وتقديم بيان واضح للقارئ الكريم. وسيتناول الطرح مفاهيم محورية مثل: العدالة الانتقالية، وجبر الضرر، والعقد الاجتماعي، والسلم الأهلي.
العدالة الانتقالية هي: منظومة شاملة من الإجراءات القانونية والسياسية والاجتماعية التي تتخذها المجتمعات بعد النزاع أو فترات القمع لمعالجة الانتهاكات السابقة وضمان عدم تكرارها. بهدف الانتقال من مرحلة الظلم والانتهاكات إلى مجتمع يستند إلى سيادة القانون والاعتراف بالحقوق وصون الكرامة الإنسانية. أما جبر الضرر، فهو عملية إعادة الحقوق أو تقديم تعويضات للضحايا لتعويض الخسائر المادية والمعنوية التي لحقت بهم، وإعادة الاعتبار لقيمتهم الإنسانية. وتتخذ هذه العملية أشكالاً متعددة، مادية، ومعنوية، ورمزية، ومؤسسية. ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بالعدالة الانتقالية، إذ يُعد أداة عملية لتفعيلها، ووسيلة ملموسة لتحقيق الاعتراف بالحقوق والإنصاف. في المقابل، يُفهم العقد الاجتماعي، بوصفه اتفاق غير مكتوب أو ضمنياً بين الدولة والمجتمع، يحدد الحقوق والواجبات المتبادلة، ويمنح النظام السياسي شرعيته. ومن خلاله تُؤسَّس شرعية السلطة، وتُنظَّم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، بما يضمن استقرار مؤسسات الدولة وفاعليتها. لذلك العدالة الانتقالية تهيئ الأرضية لتجديد هذا العقد على أسس جديدة تقوم على الاعتراف، والمساءلة، والإنصاف. أما السلم الأهلي فهو: حالة الاستقرار الداخلي والهدوء المجتمعي، وغياب العنف والانقسامات الداخلية، وتعزز قدرة المجتمع على التعايش المشترك وإدارة الخلافات بوسائل سلمية. ويُعد السلم الأهلي ثمرة متوقعة لتطبيق العدالة الانتقالية بصورة فعّالة، لكنه لا يتحقق إلا إذا تمت معالجة جذور الانتهاكات والمظالم بعمق وجدية. وبالتالي، تهيئ العدالة الانتقالية الأرضية لتجديد العقد الاجتماعي على أسس جديدة تقوم على الاعتراف والإنصاف.
العدالة الانتقالية ليست مشروطة بنزاع داخلي فقط؛ إذ يمكن أن تنشأ في أعقاب احتلال أجنبي مثل (ناميبيا، تيمور الشرقية، جنوب إفريقيا). أو عقب نزاع داخلي كما حدث في (رواندا ولبنان). أو بعد سقوط أنظمة استبدادية كما في تجربة (تشيلي). ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن الحالة الفلسطينية أقرب إلى النموذج الجنوب إفريقي والناميبي، حيث كان هناك احتلال أو نظام فصل عنصري، ما يجعل من العدالة الانتقالية إطاراً مناسباً لمعالجة الانتهاكات من خلال مزيج من الآليات الوطنية والدولية. ففي المجتمعات التي عانت من نزاعات ممتدة وانتهاكات متواصلة، تبرز العدالة الانتقالية كإطار أساسي لإعادة بناء الثقة وتحقيق الاستقرار. فهي ليست مجرد مجموعة إجراءات قانونية متفرقة، بل هي عملية شاملة تهدف إلى معالجة آثار الانتهاكات، وإصلاح المؤسسات، وكشف الحقيقة، وضمان عدم تكرار الظلم. فهي تمثل الجسر الذي يعبر به المجتمع من مرحلة الألم والخوف إلى مرحلة الاعتراف والإنصاف. فالحروب لا تترك وراءها دماراً مادياً فقط، بل تنسج في الوعي الجمعي طبقات متراكمة من الفقد والظلم، لا يمكن تجاوزها إلا بمقاربة قانونية وإنسانية متكاملة تُعيد الاعتبار للضحايا وتؤسس لمرحلة جديدة قوامها العدالة والكرامة الإنسانية.
في الحالة الفلسطينية، ولا سيما بعد حرب غزة الأخيرة، تتجاوز المأساة حدود الخسائر المادية إلى مسألة الوجود الإنساني ذاته، حيث أضحى مليونين ونصف المليون من المدنيين بين شهيد وجريح ومهجّر ومحروم من أبسط مقومات الحياة الكريمة. لذلك في الوضع الطبيعي تبرز العدالة الانتقالية كإطار أساسي لإعادة صياغة العقد الاجتماعي على أسس جديدة، تقوم على ترسيخ العلاقة المتبادلة بين السلطة والمجتمع وفق مبدأ الحقوق والواجبات، بما يضمن تحقيق السلم الأهلي القائم على التعايش المشترك دون خوف أو انقسام. غير أن العدالة الانتقالية في الحالة الفلسطينية وخصوصاً بعد حرب غزة، تكتسب طابعاً أكثر تعقيداً وإلحاحاً؛ فالانتهاكات لا تقتصر على الماضي فحسب، بل هي جزء من واقع مستمر تحت الاحتلال، وتشمل القتل والتدمير والإخلاء القسري وحرمان المدنيين من حقوقهم الأساسية. وفي مثل هذا السياق، تصبح العدالة الانتقالية أكثر من مجرد إطار نظري، أو مطلب قانوني؛ فهي ضرورة عملية لإعادة الاعتبار للضحايا، وبناء الثقة المجتمعية، ولضمان ألا يبقى المجتمع الفلسطيني أسيراً لجراح لم تلتئم.
إن مفهوم العدالة الانتقالية عادة ما يُطرح في حالات الصراع الداخلي أو بعد سقوط أنظمة استبدادية. غير أن الحالة الفلسطينية — ولا سيما في غزة — تختلف من حيث الجوهر فالانتهاكات مصدرها احتلال أجنبي وصراع غير متكافئ، وليس حرباً أهلية أو نزاعاً داخلياً تقليدياً. ومع ذلك، يمكن تطبيق مبادئ العدالة الانتقالية وجبر الضرر في هذا السياق، لكن عبر آليات بصياغات خاصة تراعي الطبيعة الاستعمارية للاحتلال. الذي مارس على مدى سنوات طويلة أفعالاً ترقى إلى جرائم حرب وانتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، ضد المدنيين أو البنية التحتية أو الممتلكات. يمكن أن تشكّل أساساً للمساءلة القانونية الدولية المستقبلية، من خلال مسارين رئيسيين: المسار الأول يتمثل في اللجوء إلى محكمة الجنايات الدولية، باعتبار أن الانتهاكات صادرة عن قوة احتلال، وهو ما يندرج ضمن أحكام القانون الدولي الإنساني. ويركّز هذا المسار على توثيق الجرائم، ومساءلة الاحتلال، وتعويض الضحايا، بما يرسّخ الحق في العدالة ويمنع الإفلات من العقاب. وهنا تبرز أهمية الدور الوطني للمؤسسات الفلسطينية بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني في جمع الشهادات، وتوثيق الانتهاكات، وحماية ذاكرة الضحايا، بينما يُناط بالمستوى الدولي — ولا سيما المحاكم والهيئات الأممية — ملاحقة المسؤولين الإسرائيليين قانونيًا والمطالبة بتعويضات شاملة مادية ومعنوية. أما المسار الثاني، فيتعلق بتبني آليات خاصة لضمان عدم التكرار، من خلال اتفاقات أو ترتيبات سياسية مستقبلية تكفل الحماية وتمنع العودة إلى الانتهاكات، بالتوازي مع بناء مؤسسات وطنية قوية قادرة على الرصد والمتابعة والمحاسبة. وفي الوقت نفسه، لا يمكن إغفال البعد الداخلي؛ فمرحلة ما بعد الحرب تتطلب معالجة الآثار الاجتماعية والنفسية والاقتصادية العميقة التي خلفتها المواجهات، عبر برامج شاملة لإعادة الإعمار والدعم وجبر الضرر للفئات المتضررة من المدنيين. وبهذا المعنى، تصبح العدالة الانتقالية في غزة إطاراً مزدوجاً يجمع بين المساءلة الدولية للاحتلال من جهة، والمعالجة الوطنية الداخلية من جهة أخرى، بهدف تأسيس مرحلة أكثر عدلاً واستقراراً، وترسيخ ضمانات تحول دون تكرار الانتهاكات في المستقبل.
في ضوء المبادرة الأمريكية للسلام التي أعلن عنها الرئيس ترامب مؤخراً، وما اشتملت عليه من بنود أمنية وسياسية أبرزها وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى وتوقيع اتفاق شرم الشيخ، يبرز سؤال جوهري: إلى أي مدى بمكن إدماج العدالة الانتقالية ومفاهيمها المساندة ضمن هذا المسار؟ فالمبادرة بطبيعتها ترتكز على ترتيبات أمنية وإدارية مؤقتة، دون أن تتضمن أي مكون حقيقي من مكونات العدالة الانتقالية، مثل لجان الحقيقة، أو محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، أو برامج شاملة لجبر الضرر الشامل للمدنيين. أو إعادة بناء العقد الاجتماعي، والسلم الأهلي في غزة. إذ تتعامل الرؤية الأمريكية الإسرائيلية مع النزاع من زاوية إدارة الأزمة لا معالجتها الجذرية، متجاهلةً الحقوق التاريخية والقانونية للضحايا الفلسطينيين. وفي هذا السياق، لا يمكن اعتبار المبادرة إطاراً للعدالة الانتقالية، بل هي أقرب إلى تسوية سياسية مؤقتة تفرضها موازين القوى الراهنة. ومع ذلك، يمكن النظر إلى المرحلة التالية للمبادرة كنافذة محدودة يمكن للمجتمع المدني الفلسطيني، والهيئات الحقوقية المحلية والدولية، العمل على إدراج آليات العدالة الانتقالية تدريجياً، سواء عبر التوثيق المنهجي للانتهاكات، أو المطالبة ببرامج جبر ضرر وتعويض، أو الضغط لإشراك الضحايا في أي تسويات مستقبلية. فنجاح أي عملية سلام مستدامة في غزة يتطلب معالجة آثار الانتهاكات وجبر الضرر بصورة عادلة وشاملة، وهو ما يتجاوز بكثير الطابع السياسي والأمني للمبادرة الراهنة. ويستلزم رؤية شاملة للتعافي والعدالة المجتمعية.
يُعد جبر الضرر أحد أهم أدوات العدالة الانتقالية، إذ يهدف إلى تعويض الضحايا عن الخسائر المادية والمعنوية والرمزية، وإعادة الاعتبار للكرامة الإنسانية. ويتخذ أشكالاً متعددة تتكامل لتشكيل لوحة متكاملة للعدالة: فهناك الجبر المادي الذي يشمل التعويض المالي أو إعادة الممتلكات المنهوبة أو المدمرة، كما حدث في برامج إعادة الإعمار بعد حرب غزة 2014 التي ساهمت جزئياً في دعم العائلات المتضررة. والجبر المعنوي الذي يتضمن الاعتذار الرسمي أو الاعتراف بالانتهاكات، بما يعزز شعور الضحايا بالاعتراف والإنصاف، كما طبق في تجارب جنوب إفريقيا بعد نظام الفصل العنصري، حيث كان الاعتراف الرسمي جزءاً من عملية المصالحة الوطنية. والجبر الرمزي ويتم عبر تخليد ذكرى الضحايا، وإدراج الانتهاكات في المناهج التعليمية لتأكيد أهمية الذاكرة الجماعية، كما فعلت رواندا بعد الإبادة الجماعية لضمان عدم نسيان الجرائم. والجبر المؤسسي ويتمثل في إصلاح وبناء المؤسسات لمنع تكرار الانتهاكات وضمان آليات رقابية فعالة، كما طبقت بعض الدول بعد النزاعات المسلحة لتعزيز سيادة القانون ومساءلة المسؤولين. وتكمل هذه الإجراءات برامج إعادة التأهيل النفسي والاجتماعي وورش العمل التعليمية التي تعزز وعي المجتمع بحقوق الضحايا. وهنا يبرز دور المجتمع المدني كعنصر أساسي في توثيق الانتهاكات وحماية الذاكرة الجماعية والدفاع عن حقوق الضحايا. فالمنظمات الحقوقية واللجان الشعبية والنقابات ومراكز التوثيق تقوم برصد الجرائم وتقديم الملفات للهيئات الدولية، وحماية سردية الضحايا من الضياع أو التشويه. إلى جانب التوثيق، تلعب المبادرات المجتمعية دوراً فعّالاً في التخفيف من آثار الانتهاكات عبر تقديم الدعم النفسي والاجتماعي، وتشغيل برامج تعليمية للأطفال المتأثرين بالحرب، ما يجعلها جزءاً لا يتجزأ من جهود جبر الضرر ويعزز فعالية العدالة الانتقالية حتى قبل وجود مظلة قانونية رسمية.
من الناحية القانونية والدولية، يشكل جبر الضرر أحد الأعمدة الرئيسة في منظومة العدالة الدولية. فالقانون الدولي ينظر إليه على أنه حق أصيل للضحايا وليس منّة أو فضلاً من أحد. فوفقاً لقواعد القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، للضحايا حق في التعويض، ورد الاعتبار، وإعادة التأهيل والاعتراف بالانتهاكات، وضمان عدم تكرارها. وهذه الالتزامات ليست مجرد خيار أخلاقي، بل مسؤولية قانونية تقع على عاتق من ارتكب الانتهاكات، كما تقع مسؤولية دعم تنفيذها على المجتمع الدولي بأسره. وفي غزة، حيث ارتكبت جرائم واسعة ضد المدنيين، واستُهدفت المدارس والمستشفيات والمنازل، وقُطعت المساعدات الإنسانية، وانتهكت كل قواعد الحماية الدولية، يصبح مبدأ جبر الضرر ضرورة عملية يجب أن تتجاوز حدود الخطابات السياسية والبيانات الإنسانية. فحقوق الناس لا تُشفى بالتصريحات وحدها، بل بالاعتراف الرسمي، والمساءلة القانونية، وإعادة ما يمكن إعادته من حياة وكرامة للضحايا.
في هذا السياق، تهيئ العدالة الانتقالية تهيئ الأرضية لتجديد العقد الاجتماعي على أسس جديدة تقوم على الاعتراف والإنصاف. ومع ذلك، يظل العقد الاجتماعي في غزة هشاً، نتيجة الانقسام السياسي بين الفصائل الفلسطينية، والاحتلال المستمر، وما خلفته الحرب، والضغوط الاقتصادية والاجتماعية، إذ يقوم أساساً على الثقة المتبادلة بين المواطنين والسلطة، وعلى الحقوق والواجبات المشتركة. المبادرة الحالية، بطبيعتها، ترتكز على ترتيبات أمنية مؤقتة، ولا تشمل إصلاحات جوهرية تعزز الثقة أو تضع أسساً لمساءلة الأطراف عن الانتهاكات السابقة، ما يجعل أي تحسن في العقد الاجتماعي محدوداً ومؤقتاً، مرتبطاً فقط بوقف العنف وإدارة الخدمات الأساسية فقط. دون بناء توافق طويل الأمد وحل الدولتين. ولذلك، فإن تحقيق السلم الأهلي المستدام في غزة يتطلب ضرورة اعتراف إسرائيل بالدولة الفلسطينية، وأن يُصاحب أي تعديل للعقد الاجتماعي برامج شاملة للعدالة الانتقالية، تشمل المصالحة بين الفصائل، جبر الضرر للضحايا، وتعزيز المشاركة المجتمعية، لضمان قدرة المجتمع على التعايش المشترك دون خوف أو انقسام في المستقبل.
أما السلم الأهلي، فهو يحتاج إلى تقليل النزاعات الداخلية سواء بين الأحزاب وما بين الأحزاب والعائلات، وتعزيز التماسك الاجتماعي، وإدارة الخلافات بشكل سلمي ومنهجي، وهو ما لا توفره المبادرة الحالية بشكل كامل. وقد يسهم وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى في تخفيف حدة الصراع مؤقتاً، لكنه لا يغني عن نية حقيقية بالاعتراف بالدولة الفلسطينية من الجانب الإسرائيلي، وتنفيذ المصالحة الداخلية بين الفصائل، وإشراك المجتمع المدني، ومعالجة آثار النزاعات السابقة وجبر الضرر للضحايا. لذلك، يمكن القول إن المبادرة تتيح فرصاً ظرفية محدودة لتعزيز العقد الاجتماعي والسلم الأهلي، لكنها ليست كافية لإرسائهما بشكل مستدام، ويظل العمل على الإصلاح المؤسسي، والمصالحة، ومشاركة المواطنين في صنع القرار، شرطاً أساسياً لتحقيق تماسك داخلي دائم. ومن هنا يصبح جلياً أن العدالة الانتقالية وجبر الضرر، جنباً إلى جنب مع تجديد العقد الاجتماعي وتعزيز السلم الأهلي، يشكلان الدعائم الأساسية لبناء مستقبل أكثر عدلاً واستقراراً لغزة، حتى في ظل تحديات الاحتلال والانقسامات الداخلية.
إن العدالة الانتقالية في غزة ليست مجرد مفهوم نظري أو مصطلح قانوني، بل هي ضرورة عملية لإنصاف الضحايا واستعادة الكرامة الإنسانية، وتحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات في مجتمع مضطرب بفعل الاحتلال والنزاعات المستمرة. فعملية جبر الضرر، بمختلف أشكالها المادية والمعنوية والرمزية والمؤسسية، تمثل الركيزة التي يمكن أن يرتكز عليها أي مسار للسلام المستدام. كما أن تجديد العقد الاجتماعي والسلم الأهلي يتطلب تجاوز الخطط المؤقتة والتركيز على الإصلاح المؤسسي، والمصالحة الداخلية، ومشاركة المجتمع المدني والمواطنين في صنع القرار، لضمان بناء مجتمع متماسك قادر على مواجهة التحديات المستقبلية دون خوف أو انقسام. وفي ظل المبادرات الدولية، يبقى دور المجتمع المدني الفلسطيني والمحاكم الدولية والهيئات الحقوقية أساسياً لضمان الاعتراف بالانتهاكات، ومساءلة المسؤولين عنها، وتنفيذ برامج جبر الضرر. إن نجاح أي عملية سلام مستدامة مرتبط بقدرتنا على تحويل الألم والمعاناة إلى خطوات عملية نحو العدالة والاعتراف والكرامة، لتبقى غزة مثالاً على قدرة المجتمع على النهوض بعد الصدمات، وإرساء أسس سلم أهلي دائم يعكس إرادة شعبها وحقوقه التاريخية.

التعليقات