وماذا بعد السابع من أكتوبر ؟!
وماذا بعد السابع من اكتوبر ؟!
بقلم: زياد حلبي
في عالم السياسة لا تبدأ الحروب حيث تُطلق الرصاصة الأولى، ولا تنتهي حين يسكت المدفع الأخير. أحيانًا تبدأ بعد أن يتعب الجميع من القتال، وتستمر لأن أحدًا لم يتعب من الحساب.
السابع من أكتوبر لم يكن يومًا عاديًا في الحرب، بل لحظة انكشاف شامل، فيها سقطت أقنعة كثيرة، وتبدّلت مواقع في خريطةٍ كان يُظن أنها ثابتة إلى الأبد. لم تغيّر الحرب موازين الميدان فحسب، بل أعادت تعريف الصراع نفسه بشكل ما، ونقلت القضية الفلسطينية من خانة التجاهل إلى ساحة التدويل، من مأزقٍ إقليميٍّ ضيّق إلى طاولةٍ دوليةٍ مزدحمة بالوسطاء والخطط والمقرّرات.
لكن التدويل للقضية الفلسطينية هذه المرة جاء من رحم المأساة لا من إبداعات السياسة. لم يأتِ بقرارٍ من مجلس الأمن، بل بصرخةٍ خرجت من تحت الركام. مشهد الدم في غزة كان أقوى من البيانات، وأفصح من كل الخطابات. العالم الذي ظنّ أنه تجاوز هذه القضية، عاد إليها مضطرًّا، يعيد ترتيب أولوياته على نحوٍ لم يكن في الحسبان. تُرسم لغزّة خرائط جديدة بخطوطٍ دولية؛ تُذكر فيها قوات متعددة الجنسيات، وإدارة انتقالية، ودور قطري وتركي يتقدّم رغم التحفّظ الإسرائيلي. لا أحد يتحدث عن انتصارٍ عسكري بعد الآن، بل عن ترتيبٍ سياسيٍ يشبه وصايةً دولية وانتداب ناعم .
ومع ذلك، فإن الحرب على غزة قد لا تتجدد تلقائيًا بعد انتهاء المرحلة الأولى من خطة ترامب وتبادل الأسرى، لأن وجود قواتٍ على الأرض في غزة- بما فيها من قطر وتركيا خلافا لرغبة اسرائيل– مهما كان توصيفها – سيجعل استئناف العمليات العسكرية معقدًا ومكلفًا. لكن على المدى المتوسط، يظل خطر التجدد والاشتعال قائمًا، لأن حكومة نتنياهو لا تملك أي استراتيجية لليوم التالي. هي ترفض التسوية، وتتنصّل من فكرة حلّ الدولتين، وتراهن على الوقت وعلى ذاكرةٍ مثقوبة للتحرر من عزلتها . ولهذا، تجد نفسها اليوم تحت ضغطٍ دوليٍّ غير مسبوق، إذ فُرضت عليها حلول لم تكن لتقبل بها طوعًا، بعد أن تحوّلت، بفعل الحرب، إلى دولةٍ تحت الوصاية الأميركية فعليًا.
ففي زمن بايدن، لم يكن الدعم الأميركي مجرّد بيانات تأييد، بل مشاركة فعلية في القرار الإسرائيلي والحرب من خلال التسليح والتمويل والغطاء السياسي والاقتصادي .
أنطوني بلينكن جلس في اجتماعات “الكابينت” الأمني الإسرائيلي، وشارك في صياغة المواقف والخيارات، كأنّ القرار السيادي أصبح مشتركًا.
ومن بايدن إلى ترامب، تكرس و لم يتغيّر المشهد كثيرًا، بل زاد انكشافًا. فحين فُرضت “خطة ترامب” الجديدة على نتنياهو، كان مبعوثو الرئيس الأميركي يجلسون في اجتماع الحكومة الإسرائيلية نفسها، يراقبون النقاش ويصوغون مخرجاته، كما لو أنّ إسرائيل فقدت استقلالها الاستراتيجي وأصبحت رهينة التحالف الذي صنعها.
أما في الداخل، فإن نتنياهو يحاول أن يهرب من شبح السابع من أكتوبر الذي يطارده في كل خطاب وكل استطلاع وتهديد تشكيل لجنة تحقيق رسمية تطيح به.
بقلم: زياد حلبي
في عالم السياسة لا تبدأ الحروب حيث تُطلق الرصاصة الأولى، ولا تنتهي حين يسكت المدفع الأخير. أحيانًا تبدأ بعد أن يتعب الجميع من القتال، وتستمر لأن أحدًا لم يتعب من الحساب.
السابع من أكتوبر لم يكن يومًا عاديًا في الحرب، بل لحظة انكشاف شامل، فيها سقطت أقنعة كثيرة، وتبدّلت مواقع في خريطةٍ كان يُظن أنها ثابتة إلى الأبد. لم تغيّر الحرب موازين الميدان فحسب، بل أعادت تعريف الصراع نفسه بشكل ما، ونقلت القضية الفلسطينية من خانة التجاهل إلى ساحة التدويل، من مأزقٍ إقليميٍّ ضيّق إلى طاولةٍ دوليةٍ مزدحمة بالوسطاء والخطط والمقرّرات.
لكن التدويل للقضية الفلسطينية هذه المرة جاء من رحم المأساة لا من إبداعات السياسة. لم يأتِ بقرارٍ من مجلس الأمن، بل بصرخةٍ خرجت من تحت الركام. مشهد الدم في غزة كان أقوى من البيانات، وأفصح من كل الخطابات. العالم الذي ظنّ أنه تجاوز هذه القضية، عاد إليها مضطرًّا، يعيد ترتيب أولوياته على نحوٍ لم يكن في الحسبان. تُرسم لغزّة خرائط جديدة بخطوطٍ دولية؛ تُذكر فيها قوات متعددة الجنسيات، وإدارة انتقالية، ودور قطري وتركي يتقدّم رغم التحفّظ الإسرائيلي. لا أحد يتحدث عن انتصارٍ عسكري بعد الآن، بل عن ترتيبٍ سياسيٍ يشبه وصايةً دولية وانتداب ناعم .
ومع ذلك، فإن الحرب على غزة قد لا تتجدد تلقائيًا بعد انتهاء المرحلة الأولى من خطة ترامب وتبادل الأسرى، لأن وجود قواتٍ على الأرض في غزة- بما فيها من قطر وتركيا خلافا لرغبة اسرائيل– مهما كان توصيفها – سيجعل استئناف العمليات العسكرية معقدًا ومكلفًا. لكن على المدى المتوسط، يظل خطر التجدد والاشتعال قائمًا، لأن حكومة نتنياهو لا تملك أي استراتيجية لليوم التالي. هي ترفض التسوية، وتتنصّل من فكرة حلّ الدولتين، وتراهن على الوقت وعلى ذاكرةٍ مثقوبة للتحرر من عزلتها . ولهذا، تجد نفسها اليوم تحت ضغطٍ دوليٍّ غير مسبوق، إذ فُرضت عليها حلول لم تكن لتقبل بها طوعًا، بعد أن تحوّلت، بفعل الحرب، إلى دولةٍ تحت الوصاية الأميركية فعليًا.
ففي زمن بايدن، لم يكن الدعم الأميركي مجرّد بيانات تأييد، بل مشاركة فعلية في القرار الإسرائيلي والحرب من خلال التسليح والتمويل والغطاء السياسي والاقتصادي .
أنطوني بلينكن جلس في اجتماعات “الكابينت” الأمني الإسرائيلي، وشارك في صياغة المواقف والخيارات، كأنّ القرار السيادي أصبح مشتركًا.
ومن بايدن إلى ترامب، تكرس و لم يتغيّر المشهد كثيرًا، بل زاد انكشافًا. فحين فُرضت “خطة ترامب” الجديدة على نتنياهو، كان مبعوثو الرئيس الأميركي يجلسون في اجتماع الحكومة الإسرائيلية نفسها، يراقبون النقاش ويصوغون مخرجاته، كما لو أنّ إسرائيل فقدت استقلالها الاستراتيجي وأصبحت رهينة التحالف الذي صنعها.
أما في الداخل، فإن نتنياهو يحاول أن يهرب من شبح السابع من أكتوبر الذي يطارده في كل خطاب وكل استطلاع وتهديد تشكيل لجنة تحقيق رسمية تطيح به.
ذلك اليوم الذي مثّل، في الوعي الإسرائيلي، أكبر فشل أمني وسياسي منذ تأسيس الدولة، يحاول الآن إعادة تسميته ليغسل أثره.
يسمّيه تارةً “حرب النهوض”، وتارةً “حرب القيامة”، كأنه يريد أن يمنحها طابعًا خلاصياً يُنسي الناس أن ما جرى لم يكن نهوضًا بل سقوطًا، ولا قيامةً بل انكشافًا.
يحاول ان يهندس وعي الإسرائيليين ليحوّل هزيمة ذلك اليوم في الوعي الجمعي إلى أسطورةٍ وطنية جديدة، تُخفي تحتها هشاشة الدولة التي بدت يومها بلا درعٍ ولا بوصلة.
وفي الأفق تبدو موجة الاعترافات المتلاحقة بدولة فلسطين كأنها صحوة متأخرة. دول في أوروبا وأميركا اللاتينية وآسيا تُعلن اعترافها تباعًا، والعالم يضيف صفحة جديدة إلى أرشيفٍ قديم. لكن الدولة التي تُعترف بها في المؤتمرات ما زالت مؤجلة على الأرض. هي الدولة التي يُسجّلها العالم في قراراته ولا يجدها الفلسطيني في واقعه. دولة بلا حدودٍ محددة ولا سيادةٍ ناجزة، تُحاصرها الوقائع كل يوم أكثر مما تحميها النصوص. وهنا تكمن العقدة الكداء التي لم تُحل منذ أوسلو: اعترافٌ بلا تطبيق، وشرعيةٌ بلا سيادة، وأملٌ يُؤجَّل كلما اقترب.
وفي المنطقة ، تتبدل الموازين أيضًا. السعودية تمضي بثبات نحو اتفاقٍ أمنيٍ مع الولايات المتحدة يتضمن دفاعا مشتركا وتعاونا استراتيجيا . اتفاق يعيد واشنطن إلى المنطقة في صيغة مختلفة، ويمنح الرياض دورًا محوريا . مفارقة أن إسرائيل، الاول و القديم لأميركا، لا تملك مثله رغم عقودٍ من التعاون العسكري والامني لقد تغيّر المزاج في واشنطن، ربما ، فلم تعد تضع رهانها فقط عنلى حليفٍ يورّطها في نزاعٍ دائم، بل تبحث عن شريكٍ يشاركها مسؤولية التهدئة والاستقرار .
أما إسرائيل فتبقى أسيرة خطابٍ قديم لا يرى في التغيير سوى خطر، ولا في الاعترافات سوى تهديد. حكومتها الحالية تُدير الأزمة بعقلية ما قبل العاصفة، ترفض أن ترى أن المنطقة من حولها تتشكل من جديد، وأن التحالفات تُعاد صياغتها بغيابها. وما لم يتغير المشهد السياسي في تل أبيب، فستبقى إسرائيل واقفة عند باب التاريخ، تراقب الآخرين وهم يكتبون فصول الغد من دونها فالرهان على تسوية اقليمية بدون الفلسطينيين لا يبدو واقعيا .
ويبقى السؤال، لا على سبيل البلاغة، بل على سبيل المصير: هل يمكن للعالم أن يُقيم دولة من اعترافاتٍ على الورق، قبل أن يُقنع من يحتل الأرض بأن التاريخ لا يُكتب بالقوة وحدها؟ وهل يكفي أن تُرفع الأعلام في العواصم، بينما تظلّ الجغرافيا محاصرة بالصمت والأسلاك؟ إن مأساة فلسطين اليوم ليست في غياب الاعتراف، بل في غياب القدرة على تحويل الاعتراف إلى واقع. فالدولة التي تولد في قرارات الأمم، تحتاج إلى إرادةٍ تولد في الضمائر. وحتى يحدث ذلك، ستبقى فلسطين هي القضية التي لم تُحلّ، والعالم هو الذي يُعيد اكتشاف نفسه في مرآتها كلّ مرة، ثم يكتشف، بعد فوات الأوان، أن العدالة المؤجَّلة تبقى صاعق التفجير والحروب … لأن العدالة لا تُؤجَّل إلى الأبد.
يسمّيه تارةً “حرب النهوض”، وتارةً “حرب القيامة”، كأنه يريد أن يمنحها طابعًا خلاصياً يُنسي الناس أن ما جرى لم يكن نهوضًا بل سقوطًا، ولا قيامةً بل انكشافًا.
يحاول ان يهندس وعي الإسرائيليين ليحوّل هزيمة ذلك اليوم في الوعي الجمعي إلى أسطورةٍ وطنية جديدة، تُخفي تحتها هشاشة الدولة التي بدت يومها بلا درعٍ ولا بوصلة.
وفي الأفق تبدو موجة الاعترافات المتلاحقة بدولة فلسطين كأنها صحوة متأخرة. دول في أوروبا وأميركا اللاتينية وآسيا تُعلن اعترافها تباعًا، والعالم يضيف صفحة جديدة إلى أرشيفٍ قديم. لكن الدولة التي تُعترف بها في المؤتمرات ما زالت مؤجلة على الأرض. هي الدولة التي يُسجّلها العالم في قراراته ولا يجدها الفلسطيني في واقعه. دولة بلا حدودٍ محددة ولا سيادةٍ ناجزة، تُحاصرها الوقائع كل يوم أكثر مما تحميها النصوص. وهنا تكمن العقدة الكداء التي لم تُحل منذ أوسلو: اعترافٌ بلا تطبيق، وشرعيةٌ بلا سيادة، وأملٌ يُؤجَّل كلما اقترب.
وفي المنطقة ، تتبدل الموازين أيضًا. السعودية تمضي بثبات نحو اتفاقٍ أمنيٍ مع الولايات المتحدة يتضمن دفاعا مشتركا وتعاونا استراتيجيا . اتفاق يعيد واشنطن إلى المنطقة في صيغة مختلفة، ويمنح الرياض دورًا محوريا . مفارقة أن إسرائيل، الاول و القديم لأميركا، لا تملك مثله رغم عقودٍ من التعاون العسكري والامني لقد تغيّر المزاج في واشنطن، ربما ، فلم تعد تضع رهانها فقط عنلى حليفٍ يورّطها في نزاعٍ دائم، بل تبحث عن شريكٍ يشاركها مسؤولية التهدئة والاستقرار .
أما إسرائيل فتبقى أسيرة خطابٍ قديم لا يرى في التغيير سوى خطر، ولا في الاعترافات سوى تهديد. حكومتها الحالية تُدير الأزمة بعقلية ما قبل العاصفة، ترفض أن ترى أن المنطقة من حولها تتشكل من جديد، وأن التحالفات تُعاد صياغتها بغيابها. وما لم يتغير المشهد السياسي في تل أبيب، فستبقى إسرائيل واقفة عند باب التاريخ، تراقب الآخرين وهم يكتبون فصول الغد من دونها فالرهان على تسوية اقليمية بدون الفلسطينيين لا يبدو واقعيا .
ويبقى السؤال، لا على سبيل البلاغة، بل على سبيل المصير: هل يمكن للعالم أن يُقيم دولة من اعترافاتٍ على الورق، قبل أن يُقنع من يحتل الأرض بأن التاريخ لا يُكتب بالقوة وحدها؟ وهل يكفي أن تُرفع الأعلام في العواصم، بينما تظلّ الجغرافيا محاصرة بالصمت والأسلاك؟ إن مأساة فلسطين اليوم ليست في غياب الاعتراف، بل في غياب القدرة على تحويل الاعتراف إلى واقع. فالدولة التي تولد في قرارات الأمم، تحتاج إلى إرادةٍ تولد في الضمائر. وحتى يحدث ذلك، ستبقى فلسطين هي القضية التي لم تُحلّ، والعالم هو الذي يُعيد اكتشاف نفسه في مرآتها كلّ مرة، ثم يكتشف، بعد فوات الأوان، أن العدالة المؤجَّلة تبقى صاعق التفجير والحروب … لأن العدالة لا تُؤجَّل إلى الأبد.

التعليقات