غزة تحت النار: الحياة اليومية بين الفوضى والتكيف
غزة تحت النار: الحياة اليومية بين الفوضى والتكيف
بقلم/ حلمي أبو طه
في خضم الحرب على غزة التي تجاوزت السنتين، وما رافقها من انهيار للبنى الاقتصادية والاجتماعية وتراجع دور المؤسسات الرسمية، برزت في المجتمع مجموعة من الظواهر السلوكية التي أخذت بالاتساع والتجذر، حتى بات بعضها يُمارس ويُبرر وكأنه أمر طبيعي في ظل الظروف الاستثنائية. اليوم، لا تحتاج إلى كاميرا سينمائية لتصنع فيلماً؛ كل ما عليك أن تخرج من خيمتك وتنظر حولك، ستجد الحياة قد تحوّلت إلى مشاهد متلاحقة، بعضها يوجع القلب، وبعضها يُضحكك من فرط المرارة، وبعضها يجعلك تهزّ رأسك وتقول: “والله يا بلد، ما ظل شي ما شفناه”. تغيّرت ملامح الحياة في غزة بشكل دراماتيكي. مشاهد كنا نراها في أفلام الأبيض والأسود، أو نقرأها في كتب التاريخ، أو نسمعها من أجداد أجدادنا. أصبحت جزءاً من روتيننا اليومي. والأغرب أننا بدأنا نتكيّف معها، بل ونتعامل معها وكأنها الوضع الطبيعي! بعد السابع من أكتوبر 2023.
من بين أبرز التحولات التي لفتت الأنظار، ما طرأ على ملامح الحركة في شوارع غزة… مشهد السيارات الفارهة في شوارع غزة كان مألوفاً، اليوم: استبدلت وسائل النقل الحديثة بوسائل بدائية (عربات الحمير، النقل الجماعي المزدحم، المشي). لم يعد مشهد العربة التي يجرّها حمار وهي تقلّ العائلات أو البضائع في شوارع المدينة نادراً؛ بل أصبح جزءاً من روتين الحياة اليومية. فارتفعت أسعار الحمير، وانخفضت أسعار السيارات. فلا تستغرب إذا رأيت شاباً أنيقاً يحمل شهادة جامعية يجرّ عربة خشبية، يقول مبتسماً: “لو استمرت الحرب كمان شوية، بدي أعمل تاكسي كارة VIP… خدمة توصيل مع موسيقى شعبية”. ولا عجب في مشاهدة عائلة بكاملها تتنقل بعربة يجرها حمار، وسط شارع مزدحم. المؤكد هنا أن نسبة 95% من أهالي غزة من الأطباء والمهندسين والفقهاء والعلماء، وحتى النساء من الطبقة الراقية استخدموا ذات الوسيلة للتنقل. لكن في الحقيقة، وراء هذه المشاهد روح صمود لا يُستهان بها؛ الناس تستعين بما هو متاح، حتى لو كان حماراً بدل محرك 2000 سي سي! السيارات أصبحت مركونة وقد أعتلاها الغبار، وإن رأيتها سترها مشوهة من شدة ما لقيت من ضربات، وعلى أحسن حال ستجدها بدون زجاج والابواب بالكاد تغلق. وتلك السيارات الخصوصية والتي أصبحت تعمل في النقل العام، غالباً ما تسحب خلفها عربة حمار خشبية لتغطية نفقات التشغيل، رغم أنها تعمل بزيت السيرج الذي يؤثر على البيئة.
إذا كانت وسائل التنقل قد تحولت بهذا الشكل، فإن المشهد الاقتصادي لم يكن أقل دراماتيكية… ففي هذه الفترة الملعونة، طل علينا ما يمكن تسميته "تجار الحرب" من أصول شوارعيا. لم تكن أصولهم تجارية، بل هم طبب على عالم التجارة، والكثير منهم قبل الحرب بالكاد كان يملك مصروف يومه. لا أقول ذلك تجريحاً للتجار، فالتاجر الحق يعرف نفسه ويتفق معي بهذا الوصف فما ترتب على هذه الفئة من الأشخاص شوه سمعة التجارة والتجار. من خلال تفشّى السعي المحموم وراء الكسب السريع بطرق غير مشروعة، مثل الاحتكار وتخزين السلع ترقّباً لارتفاع أسعارها أو إغلاق المعابر، ما عمّق معاناة الفئات الضعيفة. وفي ذات السياق ازدهرت تجارة “الندرة”. أصبح معظم تجار غزة يتفننون في استغلال الوضع، حتى باتت عملية الشراء تشبه مفاوضات سياسية. تدخل السوق لتشتري سلعة بسيطة، فينظر إليك البائع من فوق لتحت وكأنه يقيّم رصيدك البنكي، ثم يقول بجفاء: “بتدفع بالورق الأزرق؟” (أي فئة 200 شيكل). وإذا لم تكن تحمل “الزرقا” فاستعد لمعاملة باردة، أو اعتذار مغلف بابتسامة مكسورة: “خلصت البضاعة”. وهذا المشهد تراه في أكثر من 50% من عمليات البيع. الأستاذ الدكتور "خليل" أحد أصدقائي الأحبة، وأحد فقهاء علم الإدارة في الوطن العربي والشرق الأوسط، قال ساخراً: “الورقة الزرقاء صارت في غزة أقوى من جواز السفر الدبلوماسي… بتفتحلك كل الأبواب”.
لم تقف التحولات عند حدود الأسعار والاحتكار، بل امتدت إلى النقود نفسها… فالمشهد الأكثر إيلاماً وسخريةً يظهر عند التعامل مع النقود: تدخل السوق، تعطي البائع ورقة نقدية، فيرفعها فوق رأسه نحو الشمس وكأنه يفحص بردية فرعونية! يمررها لمساعديه واحداً تلو الآخر، وكل واحد يدقق فيها وكأنه خبير تزوير في البنك المركزي. وفي النهاية، قد يرفضها بابتسامة باهتة أو بوجه عابس ويقول لك: “جيبلي زرقا” — أي فئة 200 شيكل. وإذا حالفك الحظ وكانت الورقة “نظيفة”، تصطدم بجدار آخر اسمه “الفكة، فلو كانت الورقة من فئة كبيرة، فالبائع سيرد بثقة: “ما في فكة”. وهكذا تجد نفسك مضطراً لشراء حاجات لم تكن تخطط لها فقط لتتخلّص من ورقة نقدية لا يريد أحد صرفها. مما دفع صديقي الأستاذ الدكتور "رائد" أستاذ القانون الدستوري، يعلق ساخراً: “زمان كنا نشتري ببساطة، اليوم لازم تحمل معك محفظة، وعدسة مكبرة، وشنطة فكة… وإلا بتتعذب”.
مع هذه المعاناة اليومية في التعامل مع النقود، اكتشفت الأسواق تحديات أكثر تعقيداً… لا يكفي أن تحمل نقوداً، بل يجب أن تكون مقبولة تجارياً أيضاً. ففئة العشرة شواكل أُلغيت عملياً من التداول بحجة وجود مزيف منها. بينما تعاني باقي الفئات الورقية من المعاملة القاسية بسبب اهترائها وكثرة الثقوب والتمزقات. هذه الأزمة النقدية اليومية ليست تفصيلاً بسيطاً، بل تعكس عمق الأزمة المالية وانكماش السيولة، وتحول الأسواق إلى بيئات نقدية غير مستقرة، حيث تتحكم الورقة الزرقاء (فئة 200 شيكل) في المشهد الاقتصادي، وأحياناً في مزاج البائعين أيضاً! الأمر لم يقتصر على صغار التجار، بل شارك الكثير من كبار التجار في ممارسات غير قانونية، مثل رفض التعامل مع النقود الورقية البالية رغم صدور تعليمات واضحة من سلطة النقد بوجوب قبولها واستبدالها لاحقاً، فضلاً عن التحكم في الأسعار وفق الشائعات والنزعات اللحظية، ما أفسح المجال أمام المضاربين للسيطرة على مفاصل السوق. وتضرر المواطن البسيط.
لم تقتصر التداعيات الاقتصادية على النقود الورقية والأسعار، بل امتدت لتشمل أساليب جديدة في التمويل والمعاملات… ففي ظل الفوضى الأمنية الناتجة عن الحرب، ازدهرت تجارة الربا، ولكن بمصطلح تم تجميله، بعد أن زين لهم الشيطان أعمالهم وسموه "العمولة"، حيث وصلت النسبة الى 50% لتتقاسم أموال الناس. والعجيب أن المرابي رغم تقاسمه المال يجبر صاحب المال على أخذ بعض المال المهترئ كشرط أساسي لتنفيذ الصفقة والا فعليك البحث عن مرابي أخر، قد تكون شروطه أصعب فتعود أدراجك للأول وأنت مكسور الخاطر وهو أكثر جلافة. وفي ذات السياق ظهرت تجارة "التطبيق" حيث يتم الشراء عن طريق تحويل الثمن لحساب البائع بنكياً بسعر أغلى قد يصل الى 25%. فيبيع المشتري هنا بإحدى طريقين: تطبيق بربح متفق عليه يغطي الثمن، أو البيع كاش ولكن أرخص مما هو معروض بالسوق 5% ويكون بذلك قد خسر عما أشترى، ولكن يقوم ببيع هذه الأموال المسيلة للمرابين بمربح متفق عليه يكون قد غطى فيه خسارته وهذه العملية سميت في عالم التجارة الجديد "التكيش". وغالباً ما تتم هذه العملية مع ذات التاجر الأول.
وبينما تحاول بعض الفئات البقاء على قيد الحياة اقتصادياً، بدأ آخرون يسلكون طرق القوة والعنف لتعويض الفراغ الأمني والاجتماعي. برزت ظاهرة مقلقة: البلطجة والزعرنة، حيث يحمل رجال بالغون وشباب وحتى مراهقون السكاكين أو السلاح الناري، والمؤسف أن يُنظر إلى الواحد منهم باعتباره “زلمة” أو “حامي المخيم”. وهنا تكمن الخطورة الكبرى. في أن هذه الظاهرة سرعان ما تطورت وأنتجت عصابات وقطاع طرق يتقاسمون الشوارع والأحياء، ويمتهنون سرقة المساعدات والتجارة بها. هذه الظاهرة ليست مجرد “طيش”، بل تعبير عن فراغ أمني واجتماعي كبير، وعن فوضى منظمة، وعن جيل نشأ في ظل الانفجار لا الاستقرار، يرون أن القوة وحدها تحميهم. والخطر الأكبر أن هذه السلوكيات بدأت تتحول من حالات فردية إلى “مهنة” انتهجتها بعص العائلات، حتى أصبحت البلطجة واللصوصية جزءاً من الواقع في بعض المناطق وحارات غزة، ومناطق النزوح.
مع تفشي ظاهرة القوة والعنف، لم تقتصر الانتهاكات على الشوارع فقط، بل امتدت لتشمل المال العام والمؤسسات… فحدث ولا حرج عن انتشار سرقة المال العام وممتلكات البيوت المهجّرة والمقصوفة، واتساع دائرة المؤيدين والمشجعين لهذا السلوك، بدءاً من داخل الأسرة وصولاً إلى شرائح متعددة من المجتمع، في ظل غياب الردع وضعف المنظومة القانونية. كما سيطرت حوادث سرقة المساعدات وظهرت شبكات منظمة تتلاعب بتوزيعها. في الوقت الذي انتشرت فيه ظاهرة التسوّل في الأسواق والشوارع بشكل غير مسبوق، وتحولت في كثير من الحالات إلى مهنة قائمة بذاتها تحت مبرر “الظروف الصعبة”، بل وامتد الأمر إلى التسوّل الإلكتروني عبر المنصات الرقمية، وظهور مبادرات خيرية يكتنفها كثير من شبهات الفساد والاحتيال. ترافقها خيانة الأمانة المالية، وامتناع البعض عن سداد الديون تحت ذريعة أن “الحرب جبت ما قبلها”، إلى جانب خيانة الأمانة العملية والعلمية في المدارس ومراكز الإيواء والمؤسسات الصحية، بحجة أن الظرف الاستثنائي يبرر التقصير.
ما بين الجد والهزر: الغزّي لا ينكسر، فرغم كل ذلك، لا يفقد روحه. فوسط كل هذا الضيق، لا تزال النكتة حاضرة، والضحكة تخرج من بين الركام. يضحك لا لأنه لا يشعر، بل لأنه يعرف أن البكاء وحده لا يطعم خبزاً، ولن يعيد ما دمره الاحتلال. ووسط هذه الروح، ندرك أن غزة تتشكل يومياً على مفترق التحدي والصمود…ما نعيشه في غزة اليوم ليس عابراً. إنها لحظة تاريخية تتشكل فيها ملامح جديدة للمجتمع. بعض هذه الملامح يعكس عبقرية الصمود، وبعضها ينذر بتحديات مستقبلية حقيقية. ومن واجبنا ألا نعتبر هذه المشاهد مجرد طرائف، بل أن نوثقها، نفهمها، ونناقشها بجدية ومسؤولية. فالحرب لا تغيّر الخرائط فقط، بل تغيّر الناس، عاداتهم، لغتهم، وحتى طرق تنقلهم وابتساماتهم. وغزة، رغم الألم، لا تزال تعلّمنا يومياً أن الإنسان يمكن أن ينهض من بين الركام… ويضحك وهو يركب كارة بدل سيارة.
ووسط هذه السلسلة من الفوضى والانتهاكات، يظل المجتمع الغزي في قلب معركة أكبر. رغم هذه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والفوضى الأمنية، وكل ما شهده الشارع والأسواق من سرقات وبلطجة وانتهاكات، لم يستسلم الغزيون. بل بدأوا بابتكار حلول من قلب الأزمة، محاولين الحفاظ على حياتهم اليومية رغم الصعاب. هذه المشاهد القليل من الكثير، التي لم يتسع المجال لذكرها، ليست منفصلة عن بعضها. إنها حلقات في سلسلة واحدة اسمها “التكيّف القاسي”. عندما يغيب الوقود، تظهر الكارة، عندما تغيب الوظائف تظهر السرقة. عندما يغيب القانون الصارم، يظهر الزعران. وعندما تختنق الأسواق، يظهر تاجر الأزمة. المجتمع لا يستسلم، بل يخترع حلولاً من قلب الأزمة، لكن هذه الحلول المؤقتة قد تحمل معها تشوهات طويلة المدى إن لم تُضبط. فالعربة التي تحل مكان السيارة اليوم، قد تصبح غداً رمزاً للركود، والزعرنة التي تظهر كـمواقف فردية قد تتحول إلى عرف اجتماعي إن لم تواجه بحزم وتربية.
بقلم/ حلمي أبو طه
في خضم الحرب على غزة التي تجاوزت السنتين، وما رافقها من انهيار للبنى الاقتصادية والاجتماعية وتراجع دور المؤسسات الرسمية، برزت في المجتمع مجموعة من الظواهر السلوكية التي أخذت بالاتساع والتجذر، حتى بات بعضها يُمارس ويُبرر وكأنه أمر طبيعي في ظل الظروف الاستثنائية. اليوم، لا تحتاج إلى كاميرا سينمائية لتصنع فيلماً؛ كل ما عليك أن تخرج من خيمتك وتنظر حولك، ستجد الحياة قد تحوّلت إلى مشاهد متلاحقة، بعضها يوجع القلب، وبعضها يُضحكك من فرط المرارة، وبعضها يجعلك تهزّ رأسك وتقول: “والله يا بلد، ما ظل شي ما شفناه”. تغيّرت ملامح الحياة في غزة بشكل دراماتيكي. مشاهد كنا نراها في أفلام الأبيض والأسود، أو نقرأها في كتب التاريخ، أو نسمعها من أجداد أجدادنا. أصبحت جزءاً من روتيننا اليومي. والأغرب أننا بدأنا نتكيّف معها، بل ونتعامل معها وكأنها الوضع الطبيعي! بعد السابع من أكتوبر 2023.
من بين أبرز التحولات التي لفتت الأنظار، ما طرأ على ملامح الحركة في شوارع غزة… مشهد السيارات الفارهة في شوارع غزة كان مألوفاً، اليوم: استبدلت وسائل النقل الحديثة بوسائل بدائية (عربات الحمير، النقل الجماعي المزدحم، المشي). لم يعد مشهد العربة التي يجرّها حمار وهي تقلّ العائلات أو البضائع في شوارع المدينة نادراً؛ بل أصبح جزءاً من روتين الحياة اليومية. فارتفعت أسعار الحمير، وانخفضت أسعار السيارات. فلا تستغرب إذا رأيت شاباً أنيقاً يحمل شهادة جامعية يجرّ عربة خشبية، يقول مبتسماً: “لو استمرت الحرب كمان شوية، بدي أعمل تاكسي كارة VIP… خدمة توصيل مع موسيقى شعبية”. ولا عجب في مشاهدة عائلة بكاملها تتنقل بعربة يجرها حمار، وسط شارع مزدحم. المؤكد هنا أن نسبة 95% من أهالي غزة من الأطباء والمهندسين والفقهاء والعلماء، وحتى النساء من الطبقة الراقية استخدموا ذات الوسيلة للتنقل. لكن في الحقيقة، وراء هذه المشاهد روح صمود لا يُستهان بها؛ الناس تستعين بما هو متاح، حتى لو كان حماراً بدل محرك 2000 سي سي! السيارات أصبحت مركونة وقد أعتلاها الغبار، وإن رأيتها سترها مشوهة من شدة ما لقيت من ضربات، وعلى أحسن حال ستجدها بدون زجاج والابواب بالكاد تغلق. وتلك السيارات الخصوصية والتي أصبحت تعمل في النقل العام، غالباً ما تسحب خلفها عربة حمار خشبية لتغطية نفقات التشغيل، رغم أنها تعمل بزيت السيرج الذي يؤثر على البيئة.
إذا كانت وسائل التنقل قد تحولت بهذا الشكل، فإن المشهد الاقتصادي لم يكن أقل دراماتيكية… ففي هذه الفترة الملعونة، طل علينا ما يمكن تسميته "تجار الحرب" من أصول شوارعيا. لم تكن أصولهم تجارية، بل هم طبب على عالم التجارة، والكثير منهم قبل الحرب بالكاد كان يملك مصروف يومه. لا أقول ذلك تجريحاً للتجار، فالتاجر الحق يعرف نفسه ويتفق معي بهذا الوصف فما ترتب على هذه الفئة من الأشخاص شوه سمعة التجارة والتجار. من خلال تفشّى السعي المحموم وراء الكسب السريع بطرق غير مشروعة، مثل الاحتكار وتخزين السلع ترقّباً لارتفاع أسعارها أو إغلاق المعابر، ما عمّق معاناة الفئات الضعيفة. وفي ذات السياق ازدهرت تجارة “الندرة”. أصبح معظم تجار غزة يتفننون في استغلال الوضع، حتى باتت عملية الشراء تشبه مفاوضات سياسية. تدخل السوق لتشتري سلعة بسيطة، فينظر إليك البائع من فوق لتحت وكأنه يقيّم رصيدك البنكي، ثم يقول بجفاء: “بتدفع بالورق الأزرق؟” (أي فئة 200 شيكل). وإذا لم تكن تحمل “الزرقا” فاستعد لمعاملة باردة، أو اعتذار مغلف بابتسامة مكسورة: “خلصت البضاعة”. وهذا المشهد تراه في أكثر من 50% من عمليات البيع. الأستاذ الدكتور "خليل" أحد أصدقائي الأحبة، وأحد فقهاء علم الإدارة في الوطن العربي والشرق الأوسط، قال ساخراً: “الورقة الزرقاء صارت في غزة أقوى من جواز السفر الدبلوماسي… بتفتحلك كل الأبواب”.
لم تقف التحولات عند حدود الأسعار والاحتكار، بل امتدت إلى النقود نفسها… فالمشهد الأكثر إيلاماً وسخريةً يظهر عند التعامل مع النقود: تدخل السوق، تعطي البائع ورقة نقدية، فيرفعها فوق رأسه نحو الشمس وكأنه يفحص بردية فرعونية! يمررها لمساعديه واحداً تلو الآخر، وكل واحد يدقق فيها وكأنه خبير تزوير في البنك المركزي. وفي النهاية، قد يرفضها بابتسامة باهتة أو بوجه عابس ويقول لك: “جيبلي زرقا” — أي فئة 200 شيكل. وإذا حالفك الحظ وكانت الورقة “نظيفة”، تصطدم بجدار آخر اسمه “الفكة، فلو كانت الورقة من فئة كبيرة، فالبائع سيرد بثقة: “ما في فكة”. وهكذا تجد نفسك مضطراً لشراء حاجات لم تكن تخطط لها فقط لتتخلّص من ورقة نقدية لا يريد أحد صرفها. مما دفع صديقي الأستاذ الدكتور "رائد" أستاذ القانون الدستوري، يعلق ساخراً: “زمان كنا نشتري ببساطة، اليوم لازم تحمل معك محفظة، وعدسة مكبرة، وشنطة فكة… وإلا بتتعذب”.
مع هذه المعاناة اليومية في التعامل مع النقود، اكتشفت الأسواق تحديات أكثر تعقيداً… لا يكفي أن تحمل نقوداً، بل يجب أن تكون مقبولة تجارياً أيضاً. ففئة العشرة شواكل أُلغيت عملياً من التداول بحجة وجود مزيف منها. بينما تعاني باقي الفئات الورقية من المعاملة القاسية بسبب اهترائها وكثرة الثقوب والتمزقات. هذه الأزمة النقدية اليومية ليست تفصيلاً بسيطاً، بل تعكس عمق الأزمة المالية وانكماش السيولة، وتحول الأسواق إلى بيئات نقدية غير مستقرة، حيث تتحكم الورقة الزرقاء (فئة 200 شيكل) في المشهد الاقتصادي، وأحياناً في مزاج البائعين أيضاً! الأمر لم يقتصر على صغار التجار، بل شارك الكثير من كبار التجار في ممارسات غير قانونية، مثل رفض التعامل مع النقود الورقية البالية رغم صدور تعليمات واضحة من سلطة النقد بوجوب قبولها واستبدالها لاحقاً، فضلاً عن التحكم في الأسعار وفق الشائعات والنزعات اللحظية، ما أفسح المجال أمام المضاربين للسيطرة على مفاصل السوق. وتضرر المواطن البسيط.
لم تقتصر التداعيات الاقتصادية على النقود الورقية والأسعار، بل امتدت لتشمل أساليب جديدة في التمويل والمعاملات… ففي ظل الفوضى الأمنية الناتجة عن الحرب، ازدهرت تجارة الربا، ولكن بمصطلح تم تجميله، بعد أن زين لهم الشيطان أعمالهم وسموه "العمولة"، حيث وصلت النسبة الى 50% لتتقاسم أموال الناس. والعجيب أن المرابي رغم تقاسمه المال يجبر صاحب المال على أخذ بعض المال المهترئ كشرط أساسي لتنفيذ الصفقة والا فعليك البحث عن مرابي أخر، قد تكون شروطه أصعب فتعود أدراجك للأول وأنت مكسور الخاطر وهو أكثر جلافة. وفي ذات السياق ظهرت تجارة "التطبيق" حيث يتم الشراء عن طريق تحويل الثمن لحساب البائع بنكياً بسعر أغلى قد يصل الى 25%. فيبيع المشتري هنا بإحدى طريقين: تطبيق بربح متفق عليه يغطي الثمن، أو البيع كاش ولكن أرخص مما هو معروض بالسوق 5% ويكون بذلك قد خسر عما أشترى، ولكن يقوم ببيع هذه الأموال المسيلة للمرابين بمربح متفق عليه يكون قد غطى فيه خسارته وهذه العملية سميت في عالم التجارة الجديد "التكيش". وغالباً ما تتم هذه العملية مع ذات التاجر الأول.
وبينما تحاول بعض الفئات البقاء على قيد الحياة اقتصادياً، بدأ آخرون يسلكون طرق القوة والعنف لتعويض الفراغ الأمني والاجتماعي. برزت ظاهرة مقلقة: البلطجة والزعرنة، حيث يحمل رجال بالغون وشباب وحتى مراهقون السكاكين أو السلاح الناري، والمؤسف أن يُنظر إلى الواحد منهم باعتباره “زلمة” أو “حامي المخيم”. وهنا تكمن الخطورة الكبرى. في أن هذه الظاهرة سرعان ما تطورت وأنتجت عصابات وقطاع طرق يتقاسمون الشوارع والأحياء، ويمتهنون سرقة المساعدات والتجارة بها. هذه الظاهرة ليست مجرد “طيش”، بل تعبير عن فراغ أمني واجتماعي كبير، وعن فوضى منظمة، وعن جيل نشأ في ظل الانفجار لا الاستقرار، يرون أن القوة وحدها تحميهم. والخطر الأكبر أن هذه السلوكيات بدأت تتحول من حالات فردية إلى “مهنة” انتهجتها بعص العائلات، حتى أصبحت البلطجة واللصوصية جزءاً من الواقع في بعض المناطق وحارات غزة، ومناطق النزوح.
مع تفشي ظاهرة القوة والعنف، لم تقتصر الانتهاكات على الشوارع فقط، بل امتدت لتشمل المال العام والمؤسسات… فحدث ولا حرج عن انتشار سرقة المال العام وممتلكات البيوت المهجّرة والمقصوفة، واتساع دائرة المؤيدين والمشجعين لهذا السلوك، بدءاً من داخل الأسرة وصولاً إلى شرائح متعددة من المجتمع، في ظل غياب الردع وضعف المنظومة القانونية. كما سيطرت حوادث سرقة المساعدات وظهرت شبكات منظمة تتلاعب بتوزيعها. في الوقت الذي انتشرت فيه ظاهرة التسوّل في الأسواق والشوارع بشكل غير مسبوق، وتحولت في كثير من الحالات إلى مهنة قائمة بذاتها تحت مبرر “الظروف الصعبة”، بل وامتد الأمر إلى التسوّل الإلكتروني عبر المنصات الرقمية، وظهور مبادرات خيرية يكتنفها كثير من شبهات الفساد والاحتيال. ترافقها خيانة الأمانة المالية، وامتناع البعض عن سداد الديون تحت ذريعة أن “الحرب جبت ما قبلها”، إلى جانب خيانة الأمانة العملية والعلمية في المدارس ومراكز الإيواء والمؤسسات الصحية، بحجة أن الظرف الاستثنائي يبرر التقصير.
ما بين الجد والهزر: الغزّي لا ينكسر، فرغم كل ذلك، لا يفقد روحه. فوسط كل هذا الضيق، لا تزال النكتة حاضرة، والضحكة تخرج من بين الركام. يضحك لا لأنه لا يشعر، بل لأنه يعرف أن البكاء وحده لا يطعم خبزاً، ولن يعيد ما دمره الاحتلال. ووسط هذه الروح، ندرك أن غزة تتشكل يومياً على مفترق التحدي والصمود…ما نعيشه في غزة اليوم ليس عابراً. إنها لحظة تاريخية تتشكل فيها ملامح جديدة للمجتمع. بعض هذه الملامح يعكس عبقرية الصمود، وبعضها ينذر بتحديات مستقبلية حقيقية. ومن واجبنا ألا نعتبر هذه المشاهد مجرد طرائف، بل أن نوثقها، نفهمها، ونناقشها بجدية ومسؤولية. فالحرب لا تغيّر الخرائط فقط، بل تغيّر الناس، عاداتهم، لغتهم، وحتى طرق تنقلهم وابتساماتهم. وغزة، رغم الألم، لا تزال تعلّمنا يومياً أن الإنسان يمكن أن ينهض من بين الركام… ويضحك وهو يركب كارة بدل سيارة.
ووسط هذه السلسلة من الفوضى والانتهاكات، يظل المجتمع الغزي في قلب معركة أكبر. رغم هذه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والفوضى الأمنية، وكل ما شهده الشارع والأسواق من سرقات وبلطجة وانتهاكات، لم يستسلم الغزيون. بل بدأوا بابتكار حلول من قلب الأزمة، محاولين الحفاظ على حياتهم اليومية رغم الصعاب. هذه المشاهد القليل من الكثير، التي لم يتسع المجال لذكرها، ليست منفصلة عن بعضها. إنها حلقات في سلسلة واحدة اسمها “التكيّف القاسي”. عندما يغيب الوقود، تظهر الكارة، عندما تغيب الوظائف تظهر السرقة. عندما يغيب القانون الصارم، يظهر الزعران. وعندما تختنق الأسواق، يظهر تاجر الأزمة. المجتمع لا يستسلم، بل يخترع حلولاً من قلب الأزمة، لكن هذه الحلول المؤقتة قد تحمل معها تشوهات طويلة المدى إن لم تُضبط. فالعربة التي تحل مكان السيارة اليوم، قد تصبح غداً رمزاً للركود، والزعرنة التي تظهر كـمواقف فردية قد تتحول إلى عرف اجتماعي إن لم تواجه بحزم وتربية.

التعليقات