بين خطة ترامب وإرادة الفلسطينيين

بين خطة ترامب وإرادة الفلسطينيين
بين خطة ترامب وإرادة الفلسطينيين 

بقلم: جواد العقَّاد

أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي… لكن في حالتنا الفلسطينية، خصوصاً في غزة، فإن التأخر ثمنه دمٌ ومعاناةٌ وتدمير سياسي وإنساني يطال كل بيت وشارع وإنسان. طوال الحرب والهدن المؤقتة، كنت أقول بإصرار إن هذه الحرب لن تُحسم إلا بموقفٍ عربيٍ موحد وصلب، يعيد الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها، وفي مقدمتها السلطة الوطنية. 

ومع موافقة حماس على خطة ترامب التي لا تصبّ في مصلحة الفلسطينيين بالمجمل، بدأت ملامح هذا الموقف الأخلاقي والوطني الضروري بالظهور، ولو متأخرة. من خلال تصريحات بعض قيادات حماس، نلمس إدراكاً متأخراً جداً لأهمية الوحدة الوطنية ودور السلطة وحركة فتح، باعتبارهما العمود الفقري للمشروع الوطني الفلسطيني. هذا الإدراك المتأخر لا يجب أن يُقابل بالتشفي، بل بالبناء عليه، لأن غياب حماس عن المشهد لا يعني هزيمة الشعب أو انهيار القضية، بل ربما يشكل فرصة لإعادة تشكيل المسار.

لا يمكن النظر إلى الكلام عن تعيين توني بلير حاكماً مؤقتاً لغزة بمعزل عن دماء الفلسطينيين وآلامهم اليومية. فإن غزة، رغم الجراح، تبقى جزءاً أصيلاً من مشروع الدولة الفلسطينية، ولن يغير أي منصب أو خطة هذا الواقع الجوهري. 

الخطة الأميركية التي صاغتها إدارة ترامب تفرض واقعاً جديداً، لكنها ليست أكثر قسوة من الواقع القائم الذي أنهك الناس وأفقدهم الأمل.

القيادة الفلسطينية تراهن اليوم على موقف عربي داعم، وأرى أن هذه اللحظة تمثل فرصة تاريخية حقيقية أمام السلطة الوطنية لتتقدم وتملأ الفراغ السياسي والأمني فوراً، وتتولى إدارة المفاوضات والمشهد العام، مع تراجع دور حماس إلى حدوده الدنيا، بعيداً عن القرارات المنفردة غير المحسوبة.

المطلوب الآن ضمان بقاء الفلسطينيين على أرضهم، الشروع في إعادة الإعمار، وإعادة بناء الإنسان قبل الحجر. هذه اللحظة تضع حداً لمرحلة طويلة من الانقسام والمغامرة، وتنقل المسؤولية إلى الدول العربية والإسلامية وإلى السلطة الفلسطينية، التي تجد نفسها أمام امتحان وجودي: هل هي قادرة على حمل مسؤولياتها التاريخية والوطنية تجاه غزة؟

لا يهمني اسم بلير أو غيره، بقدر ما يهمني فلسطين، وشعبها، وحلمها بالدولة، ووقف وحش الموت الذي يلتهم حياتنا كل يوم. التأخر في الموقف مكلف، نعم، لكنه لا يزال قابلاً لأن يتحول إلى بداية جديدة، إذا ما ترافقت الإرادة الوطنية الصادقة مع موقف عربي جاد وموحد.

التعليقات