بين الرفض والموت: غزة على مفترق طرق

بين الرفض والموت: غزة على مفترق طرق
بين الرفض والموت: غزة على مفترق طرق

بقلم: حلمي أبو طه

منذ اندلاع الحرب الأخيرة على غزة، تتسابق الأطراف الدولية لتقديم تصوراتها حول شكل التسوية الممكنة ومستقبل القطاع بعد توقف القتال. وفي هذا السياق، جاء الاقتراح الأمريكي الأخير الذي قدّمه الرئيس دونالد ترامب، ليشكل أخطر هذه المبادرات وأكثرها إثارة للجدل، لوقف الحرب وإدارة مرحلة ما بعد الصراع في غزة، والذي جاء في صورة خطة متشعبة من عشرات البنود، يضع حركة حماس، والكل الفلسطيني أمام مفترق طرق مصيري وحاد. فإما القبول بشروط مؤلمة تقضي بنزع السلاح وتسليم رهائن وإعادة هيكلة إدارة القطاع تحت إشراف دولي، وإما الرفض ومواجهة فصل جديد من التدمير والقتل الذي قد يطال المدنيين والبنى التحتية على حد سواء. إن وضوح هذه الخطة وتحديد البيت الأبيض لموعد الرد، يعكسان حالة من الإلحاح المفروض وازدواجية الخيارات التي لا تتيح هامشاً واسعاً للمناورة أمام الفلسطينيين. وهنا تبرز المعضلة الكبرى: كيف يمكن التعامل مع خطة تحمل في طياتها كل هذا الضغط، دون الوقوع في فخ الاستسلام أو الانجرار إلى مزيد من الدماء؟

وهكذا يتضح أن المقترح لا يقتصر على وقف الحرب فحسب، بل يمس جوهر المشروع الوطني الفلسطيني، ويفتح الباب أمام أسئلة أكثر إلحاحاً حول البدائل الممكنة. فسياسياً ومؤسسياً، يحمل المقترح الأمريكي منطقاً عملياً صعباً، يجافي فكرة الدولة الفلسطينية، ويهمش الدور التقليدي للسلطة الفلسطينية في غزة، ويحوّل ملف الإدارة إلى مسارات فنية وانتقالية تحت إشراف دولي وإقليمي. غير أن هذا التهميش ليس عرضاً ثانوياً: في حال تطبيقه، فإنه يقوّض إمكانية استمرار مشروع الدولة الفلسطينية بصيغته المعروفة ويضع أمام شعبنا واقعاً جديداً تُدار فيه الحقوق الوطنية بإطار مؤقت أو تقني يفتقد للشرعية الشعبية والسيادة الحقيقية. وهذا يجعل إقامة دولة ذات سيادة قابلة للقياس أمراً بعيداً إن لم يكن مستحيلاً في المدى القريب. ولنكن صرحاء فإن المقترح جاء عملياً للقضاء على مشروع الدولتين. في وقت تتزايد فيه أعداد الدول التي اعترفت بالدولة الفلسطينية، ويصعد فيه التعاطف الشعبي الدولي مع أهالي غزة. فقد طرحت المبادرة في ذروة الضجيج الدولي والإقليمي حول ممارسات إسرائيل في الحرب، لكنها في الوقت ذاته أعادت تموضع الدور الأمريكي وجعلت من ترامب اللاعب المركزي الذي يعيد ترتيب الطاولة. ويقايض المصالح ويصوغ المشهد الإقليمي بما يخدم رؤيته وتحالفاته. وفي المقابل يتعزز موقع نتنياهو مؤقتاً كملك متوّج للدولة العبرية. في انسجام شبه تام مع توجهات حكومته التي سارعت للترحيب بالخطة أو على الأقل أبدت استعداداً لدعمها. 

من زاوية استراتيجية أوسع، يتضمن المقترح الأمريكي عناصر تُحوّله عملياً إلى انتصار مؤقت للرؤية الإسرائيلية بشأن شكل الحكم في غزة، إذ يواصل تهميش الدور التقليدي للسلطة الفلسطينية، ويدفع باتجاه ترتيبات انتقالية وإدارة تقنية للقطاع تحت رقابة أمنية مشددة. ما يطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل مشروع الدولة الفلسطينية وحدود الشرعية السياسية، ومصير الحقوق الوطنية برمتها. وعلى مستوى اللاعبين الإقليميين والدوليين. وبمنطق المنافع والمصالح، بدا لافتاً أن مجموعة من الدول والزعماء رحّبوا بالاقتراح. أو اعتبروا أنه قد يمنح فرصة لوقف العنف وفتح مسارات إعادة الإعمار، خاصة تلك الدول التي أعلنت اعترافها بالدولة الفلسطينية قبل أيام قليلة من الإعلان عن الاقتراح. رغبةً في إنهاء آلة الحرب وفتح ملف الإعمار، إلا أنه ينطوي على فخ واضح لحركة حماس وباقي قوى المقاومة، ومن قبلهم السلطة الوطنية: فرفض المقترح سيُستغل لتصويرهم كعقبة أمام السلام ولتبرير إجراءات تُعرّيها أمام الرأي العالمي، بينما القبول يقود إلى تفكيك قدرتها السياسية والعسكرية على الساحة الفلسطينية. وبذلك فإن ثنائية المكسب والخسارة هنا لا تخص حماس وحدها، بل تمثل امتحاناً حاسماً لمستقبل المشروع الوطني الفلسطيني بأسره. ومن هنا، يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف يمكن للفلسطينيين أن يوازنوا بين متطلبات الصمود وضغوط المجتمع الدولي دون خسارة جوهر القضية؟

هكذا تبدو معادلة الخيارات أقرب إلى فخٍّ محكم يضيق هامش المناورة أمام الفلسطينيين، ويفرض عليهم البحث عن بدائل تتجاوز ثنائية الرفض أو القبول. فترحّيب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بمقترح ترامب واعتباره مساراً محتملاً لاحتواء الأزمة داخلياً ودولياً — هو موقف يمكن أن يخدم حساباته السياسية الآنية لكنه يثير شكوكاً حول مدى التزام حكومته بمضمون الخطة على المدى البعيد. فخلف هذا الترحيب تكمن معادلة مدروسة. فالمناخ الدولي والإقليمي المؤيد للمقترح يجعل من رفض حماس فرصة ثمينة لإسرائيل والولايات المتحدة لتصوير الحركة كعقبة أمام السلام، وهو السيناريو الذي يراهن عليه نتنياهو ويتمناه، بما يتيح له تبرير أي تصعيد عسكري جديد أو فرض عزلة سياسية متجددة على الفلسطينيين. ومع ذلك القبول ليس نهاية المطاف، بل بداية مرحلة معقدة تتطلب تضافر الجهود الوطنية والمجتمعية، إلى جانب شراكة فعلية من الفاعلين العرب والدوليين، قبل البدء بمرحلة التنفيذ لصياغة جدول زمني واضح يفضي إلى استعادة الحقوق الفلسطينية. أما الاكتفاء بدور المراقب أو الشاهد الدولي، فلن يكون سوى تمهيد لاتفاق هش قابل للانهيار عند أول اختبار سياسي جاد. وبذلك يصبح القبول المر أداة لإعادة التوازن، لكنه يضع الفلسطينيين أمام تحدٍ جديد: كيفية تحويل هذا الخيار التكتيكي إلى قاعدة لاستعادة حقوقهم السياسية والاستراتيجية. 

في ضوء المعادلات الدقيقة التي فرضها المقترح الأمريكي والفخاخ السياسية المحتملة، يصبح الخيار الفلسطيني أكثر تعقيداً، حيث يواجه مزيجاً من الضغوط الدولية والإسرائيلية وتهديدات الانزلاق إلى مزيد من العنف. ومن هنا لماذا أرى أن القبول المرّ قد يكون أقلّ كلفة؟ الاعتبار الأول إنساني: إذ يضمن وقفاً فورياً للقتال محافظاً على حياة مليونين ونصف من المدنيين، ويوقف المزيد من الدمار والخراب. هذا مبرر أخلاقي وسياسي لا يمكن تجاهله. الاعتبار الثاني استراتيجي: فالرفض المتوقع قد يُستغل لتشديد الحصار والعمليات العسكرية، وفرض ترتيبات تنفيذية تُقصي الفاعلية السياسية الفلسطينية، مع ما يترتب عن ذلك من آثار على المجتمع، بما في ذلك الحفاظ على النسل المستقبلي، بواقع نحو 70 ألف مولود سنوياً. الاعتبار الثالث تاريخي: فالتجارب السابقة تُظهر أن التواجد على طاولة التفاوض أحياناً يتيح فرصاً لإعادة ترتيب أوراق القوة بطرق قد لا تتخيلها ساحات القتال، شرط أن يُدار القبول بحرفية سياسية تحفظ الحد الأدنى من الحقوق. 

والتاريخ يعلمنا درساً قاسياً عن مفارقات السلام: كما أظهرت أحداث ما بعد اتفاق أوسلو، فالانقسامات داخل الرأي العام الإسرائيلي شهدنا كيف أن معارضة بعض الأطراف لخطة أوسلو أدت في نهاية المطاف إلى اغتيال إسحاق رابين 1995، وهو تذكير مهم لنا بأن أي موافقة فلسطينية، رغم مرارتها، قد تفجر الصراعات داخل إسرائيل نفسها وتصبح جزءاً من الديناميات السياسية الداخلية. ومن هذا المنطلق، فإن القبول كخيار تكتيكي دفاعي رغم أنه مرير يمثل استراتيجية دفاعية يمكن أن يحفظ حياة الناس ويكسب الوقت لإعادة ترتيب المشهد السياسي الفلسطيني بشكل أقلّ تكلفة. أما الرفض، فيمنح إسرائيل والإدارة الأمريكية ما يرغبان فيه: ذريعة لتصعيد العنف وتسويق سردية أن من يعترض على «الفرصة» هم المسؤولون عن استمرار الحرب.

في هذا السياق، يجدر التوضيح أن وجود "حاكم" لغزة وفق الخطة الأمريكية يعني إدارة مؤقتة وتقنية للقطاع تحت إشراف دولي وإقليمي، وليست حكومة منتخبة بالمعنى التقليدي. هذا الحاكم يصبح الفاعل الرئيسي في إدارة الشؤون اليومية، بينما يبقى الرئيس الفلسطيني ودوره الرمزي محدود التأثير على الأرض. عملياً، يؤدي هذا إلى تهميش السلطة الفلسطينية التقليدية في غزة وإضعاف قدرتها على اتخاذ القرارات الإدارية والسياسية والأمنية. ورغم أن الخطة لا تعلن رسمياً نهاية الدولة الفلسطينية، إلا أنها لم تشير إلى مستقبل قيامها رسمياً، ما يخلق واقعاً جديداً يقترب من فصل غزة عن هيكل الدولة الفلسطينية المتعارف عليه. من هذا المنطلق، يجب أن تتعامل حركة حماس وكل القوى الوطنية مع هذه المرحلة ببراغماتية وواقعية استراتيجية. القبول المرّ اليوم، رغم مرارته، ليس استسلاماً للمشروع الوطني، بل تكتيك دفاعي يحمي المدنيين، يحفظ البنية التحتية، ويمنع إسرائيل والإدارة الأمريكية من استغلال أي رفض لتصوير الحركة كعقبة أمام وقف المأساة. وعلى الصعيد الداخلي، وكل المتعاطفين والمؤازرين للمقاومة فلن يلومها أحد على هذا القبول اليوم، بل سيظل احترام الموقف قائماً، وسنتجاوز عما سلف.

القبول المرّ، إذن، هو خيار استراتيجي دفاعي يحافظ على ما يمكن حفظه من المشروع الوطني الفلسطيني، ويمنح فرصة لإعادة ترتيب المشهد السياسي بشكل أكثر تحكماً وأقل تكلفة. كل يوم تأجيل أو رفض يعني الانحدار أكثر بسقف الطموحات الفلسطينية، ويجعل أي فرصة مستقبلية أقل جدوى وأقل قدرة على حماية الحقوق. فكل يوم يمضي دون اتخاذ قرار يزيد من احتمالية أن يصبح أي عرض لاحق أقل من السابق، وقد تنحصر المفاوضات في ملفات رمزية لا تعكس جوهر الحقوق الفلسطينية، مثل إدخال الأندومي. وهذا ما أعلن عنه أحد الأطباء العسكريين بالجيش الإسرائيلي لأحد موظفي مستشفى ناصر في ذات مرة اقتحمت فيه المستشفى. بينما الحقوق الأساسية السياسية والاستراتيجية تتآكل تدريجياً. لذلك، لا ينبغي النظر إلى القبول اليوم على أنه تنازل، بل كخطوة حاسمة لتثبيت قاعدة وطنية وسياسية تحمي الشعب الفلسطيني، وتفتح المجال لاحقاً لإعادة استعادة الحقوق بصورة أكثر أماناً وفعالية. وهكذا، تتحول الثنائية القاسية بين الرفض أو القبول إلى اختبار استراتيجي حقيقي، يختبر قدرة الفلسطينيين على إدارة الأزمة بحكمة، والحفاظ على مشروعهم الوطني في أوقات حرجة من التاريخ.

التعليقات