نتنياهو.. الثعلب في ثياب الواعظين

نتنياهو.. الثعلب في ثياب الواعظين
نتنياهو.. الثعلب في ثياب الواعظين

بقلم: حلمي أبو طه

في خضم التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، وفي ظل استمرار الحصار، والحرب على غزة وتصاعد الانتهاكات بحق الفلسطينيين، يبرز خطاب الاحتلال كأداة لتشكيل الرأي العام الدولي وتبرير الممارسات الاستيطانية. حيث تحاول إسرائيل من خلال منصاتها الإعلامية ومواقفها السياسية إعادة تعريف الحقائق على الأرض، مستغلة منابر دولية لتصوير سياساتها كخيارات إنسانية، في في حين أن الواقع يشير إلى استمرار مشاريع التهجير، والاقتلاع، ونفي الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني. وفي ظل هذه اللحظة يظن فيها قادة الاحتلال وحلفاؤهم أن بوسعهم قلب الحقائق وتزييف المبادئ، يطل علينا بنيامين نتنياهو، في ثياب "المدافع عن الحرية"، متحدثاً عن حق الفلسطينيين في "الاختيار" بين البقاء أو الرحيل. وعن فتح معبر رفح كأنّه يمنّ على شعب محاصر. في حين أن اختياره الوحيد لنا هو النزوح والاقتلاع من الأرض. فبلغة براقة، يتحدث عن "الحق في الاختيار" وكأنه حامٍ للحريات، في حين أن جوهر خطابه لا يعكس سوى سياسة ممنهجة لشرعنة التهجير، ونفي حق تقرير المصير، وإعادة إنتاج النكبة بأدوات جديدة. 

تصريحات بنيامين نتنياهو التي جاءت يوم الخميس 4 سبتمبر 2025، ضمن مقابلة إعلامية – تمت على منصة "تلغرام" – نُقلت جزئياً عبر مجموعة من وسائل الإعلام العربية، بينها "القدس العربي". حديثه هذا يذكّرنا بمشهد بمرحلة الدراسة الابتدائية، وفي درس اللغة العربية: "برز الثعلب يوماً في ثياب الواعظين". فالثعلب، مهما تزيّن بالمواعظ، يبقى ثعلباً، ونتنياهو مهما تحدث عن "الحرية"، يبقى صاحب مشروع تهجير واقتلاع. حاول بنيامين نتنياهو أن يرسم ملامح رواية جديدة حول الشرق الأوسط، وغزة والفلسطينيين، لكن خلف الكلمات الملساء تكمن مقاصد أبعد بكثير من مجرد "الحق في الاختيار". فما يمكن استنتاجه من حديثه أنه ينسج خطاباً مركباً يربط بين ثلاثة محاور رئيسية، لكن الرابط بينها يكشف اتجاهاً سياسياً واحداً يخدم مشروعه: الحق في الاختيار، فتح معبر رفح، التصرف الأحادي وإعلان الدولة الفلسطينية. 

هذه المحاور الثلاثة، التي شكلت لقاءه، والتي دس فيها السم من حيث ابتزاز النظام المصري، وملوحاً بسيف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. حيث قال: < أستطيع أن أفتح لهم معبر رفح، لكن سيتم إغلاقه فوراً من مصر... هذا ليس طرداً جماعياً... هناك خطط مختلفة لإعادة إعمار غزة، لكن نصف السكان يريدون الخروج... فالحق في الخروج من غزة هو حق أساسي لكل فلسطيني. وهذا يتوافق مع رؤية ترامب والتي قال فيها: - ليكن لهم حق الاختيار - حق الإنسان في ان يختار أين يكون وفي مكان ما ومتى يخرج منه. ووفق هذا الفهم هذا مبدأ مهم. فهذا ليس طرداً جماعياً ولا هجرة ولا مخططاً بل نتيجة طبيعية وهناك من خرج منهم. وانه يجب على الأطراف المعنية احترام حق الفلسطينيين بالخروج واصفاً هذا الأمر بالحق الأساسي. وأضاف: "إذا اتخذوا خطوات أحادية الجانب [الفلسطينيين] بخصوص إعلان الدولة، سنقوم بخطوات أحادية الجانب أيضاً... لسنا هنا لطرد الفلسطينيين لكننا لن نمنحهم دولة>. 

بحديثه هذا يعيد نتنياهو إنتاج الوهم بعبارات براقة عن "الحق الإنساني"، بينما يطرح في الجوهر مشروعاً لتصفية غزة وتحويلها إلى أرض بلا شعب، تُدار كمنتجع على أنقاض المأساة الفلسطينية. هنا تتكشف الحقيقة العارية: خطاب "الحقوق" ليس إلا ستاراً دخانياً لمخططات التهجير وتكريس النكبة بأدوات جديدة. فمن حيث المحور الأول: فتح معبر رفح وخروج الفلسطينيين: ظاهر الكلام، يتحدث بلهجة "إنسانية"، يقول إنه مستعد لفتح المعبر لكن المشكلة في مصر. والباطن، يطرح فكرة الخروج الجماعي كخيار شرعي، فيحوّل النزوح (الذي هو نتيجة حرب وحصار) إلى "حق فردي" للفلسطيني، وكأنه ليس تهجيراً قسرياً بل خياراً طبيعياً. بهذا يُبرئ إسرائيل من تهمة "الطرد الجماعي" وتحميل الأطراف الإقليمية وخاصة مصر مسؤولية مأساة صنعتها سياسات الاحتلال. 

إن تناول نتنياهو معبر رفح في حديثه وكأنه منّة على شعب محاصر، فهذا المشهد يكشف رفض إسرائيل لفكرة "الإذعان" لأي طرف أياً كان. فهي لا تتصرف كقوة محاصرة تبحث عن مخرج، بل كقوة تدير الصراع كما تشاء. فالعقيدة الأمنية لديها قائمة على: "التفوق لا التوازن". كما تريد دوماً أن تُظهر أن ما تمنحه هو منّة سيادية، لا نتيجة مساومة، ضمن قرار أحادي ينبع من مركز قوة. الأخطر في حديثه أنه يجرّ مصر إلى قلب المشهد: فإذا خرج الفلسطينيون عبر رفح فالمسؤولية مصرية، وإذا بقي المعبر مغلقاً فالمسؤولية مصرية أيضاً. أي أنه يحاول دفع القاهرة لتحمل وزر تهجير الفلسطينيين أو اتهامها بمنع "حقهم في الحرية". هذا فخ سياسي بامتياز، يجعل مصر طرفاً مباشراً في مشروع تفريغ غزة من سكانها، وهو ما تدركه القاهرة جيداً، لذلك تتمسك برفض فتح المعبر أمام نزوح جماعي يهدد الأمن القومي المصري ويفرغ الأرض الفلسطينية من أهلها.

ويمضي نتنياهو في حديثه المضلل متحدثاً في المحور الثاني: على الحق المزعوم في الاختيار، والذي يستند إلى مبدأ "حرية الفرد"، حيث ربطه بحديث سابق لترامب الذي قال فيه: "حق الإنسان أن يختار أين يعيش ومتى يخرج". هذا ليس مجرد نقل بل توظيف أمريكي – إسرائيلي متكامل لإعادة تعريف التهجير كـ"حق إنساني" وليس كجريمة حرب. إن توظيف هذا المبدأ في سياق غزة لا يعني سوى تزوير الحقيقة: فحين يُحاصر شعب ويُقصف بلا هوادة، لا يكون "الخروج" اختياراً، بل استسلاماً للكارثة. وبهذا يقدّم نتنياهو وترامب ثنائياً خطيراً: إسرائيل تنفّذ، وأمريكا تمنح الغطاء الأخلاقي. هنا يحوّل نتنياهو الأزمة الإنسانية إلى خطاب ليبرالي يلقى صدى في الغرب: "نحن لا نطرد أحداً، نحن نحترم حقوقهم". وكأنه يفتح أمام الفلسطينيين باب الحرية: البقاء أو الرحيل. لكن الحقيقة أن خياره الوحيد هو النزوح القسري تحت الحصار والقوة العسكرية. وهنا يتكشف التناقض الفاضح بين خطاب "الحرية" وممارسة الاحتلال، في انتهاك واضح لاتفاقيات جنيف ولقرارات الأمم المتحدة التي تضمن حق الشعوب في تقرير مصيرها. 

ثم يختتم اللقاء بالمحور الثالث: بالحديث عن نية السلطة الفلسطينية إعلان الدولة من جديد ضمن جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة، وسط تأيد دولي واتساع رقعة الدول التي أعلنت انها ستعترف بالدولة الفلسطينية. حيث ينقلنا من البُعد الإنساني – الحقوقي المزعوم إلى البُعد السياسي: التصرف الأحادي وإعلان الدولة الفلسطينية، فقال "إذا الفلسطينيون أعلنوا دولتهم من طرف واحد، فإسرائيل سترد بخطوات أحادية أيضاً". (أي ضمّ أراضٍ، توسيع استيطان، رفض الدولة). هذا يعني ببساطة أن لا مكان لدولة فلسطينية لا بالتفاوض ولا بالقرار الأممي ولا بالفرض الذاتي. إسرائيل تريد أرضاً بلا سيادة فلسطينية، وشعباً يواجه خيارين كلاهما مر: التهجير تحت شعار "الحرية"، أو البقاء تحت الاحتلال بلا دولة.

بهذه الطريقة نتنياهو لا يتحدث عن ثلاثة موضوعات متفرقة. بل يبني رواية سياسية واحدة متكاملة: فهو يربط مسألة التهجير، ومسألة الدولة في خطاب واحد: الفلسطيني الذي يريد أن يغادر يُمنَح ما يسميه "حقاً إنسانياً"، والفلسطيني الذي يريد أن يعلن دولته "يُعاقَب" بخطوات أحادية إسرائيلية. النتيجة: كلا الخيارين (الخروج أو البقاء) يصبّ في صالح إسرائيل، لأن الخروج يفرّغ غزة من سكانها، والبقاء مع إعلان دولة يُقابَل بالرفض وفرض أمر واقع إسرائيلي. فهو بذلك ينسج رواية جديدة حول الشرق الأوسط، وغزة والفلسطينيين، مستخدماً خطاباً مموهاً يختبئ خلف كلمات ناعمة الملمس، مثل ذلك الثعلب، لكنها تحمل في جوهرها مقاصد سياسية خطيرة. ورغم محاولته إظهار هذه المحاور كخيارات إنسانية أو سياسية طبيعية، إلا أن الترابط بينها يكشف بوضوح عن اتجاه استراتيجي واحد: ترسيخ مشروعه الاستيطاني، عبر تحويل حق تقرير المصير من استحقاق قانوني إلى معادلة مفروضة تخدم مصالح الاحتلال. 

يحاول نتنياهو إعادة صياغة مفهوم الحق الإنساني، فيجعله أداة لشرعنة التهجير، في حين أن القانون الدولي يؤكد أن حق الإنسان في اختيار مكان العيش لا ينفصل عن حريته في التمسك بأرضه وعدم اقتلاعه منها قسراً. وهنا يكمن جوهر التضليل: فهو ينفي الطرد الجماعي لفظاً، لكنه يبرره فعلاً، باعتباره نتيجة "طبيعية". ولم يكتفِ بذلك، بل ذهب أبعد حين قال: لسنا هنا لطرد الفلسطينيين لكننا لن نمنحهم دولة". وهو تصريح يجسّد التناقض الاستراتيجي لخطابه: الاعتراف بحقنا في "الخروج"، مقابل إنكار حقنا في الدولة. أي أنه يمنحنا حرية مغادرة أرضنا، لكنه يصادر حقنا في السيادة عليها، وهو بذلك ينسف جوهر القرارات الدولية التي أكدت حق الشعب الفلسطيني غير القابل للتصرف في إقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني.

حديث نتنياهو ليس ثلاث قضايا منفصلة، بل حبكة واحدة: تبرير التهجير، نفي الدولة الفلسطينية، وحرية الاختيار، وحقوق الإنسان. كل هذا ليس سوى قناع لسياسة قديمة هدفها واحد: إضعاف القضية الفلسطينية وتفكيك عناصرها البشرية والسياسية في آن واحد. وبذلك نحن أمام مسرحية رديئة الإخراج: ثعلب يتقمص دور الواعظ، يحاضر عن الحرية بينما يمارس التهجير، ويتحدث عن الحقوق وهو أول من ينتهكها. يهاجم حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم. ولكنها تبقى رواية مكشوفة: فالاحتلال يريد أن يطرد الضحية، ثم يقنع العالم أن الضحية خرجت باختيارها الحر. وهذه الرواية لا يجب أن تمرّ. فعلى المجتمع الدولي، والأمم المتحدة تحديداً، أن يرفضوا هذا التلاعب بالمفاهيم: فالتهجير يبقى جريمة حتى لو سُمّي "حرية"، وإنكار الدولة يبقى عدواناً حتى ولو وصفته إسرائيل ب"إجراءات أحادية". فالقضية ليست "حق الاختيار" كما يدّعي نتنياهو، بل حق الشعب الفلسطيني في البقاء على أرضه، والعيش بكرامة، وإقامة دولته المستقلة.

التعليقات