أزمة الناطقين باسم حماس: الصورة ما بين الخطاب والواقع

أزمة الناطقين باسم حماس: الصورة ما بين الخطاب والواقع
أزمة الناطقين باسم حماس: الصورة ما بين الخطاب والواقع

بقلم/ حلمي أبوطه

الدكتور أحمد يوسف شخصية وطنية أعتز بمعرفتها؛ فهو مفكر رصين وصاحب رؤية متقدة، وحاضر دائم في جلسات صالون حلمي الثقافي التي تحمل الطابع السياسي والفكري. ويشغل الدكتور أحمد يوسف منصب رئيس "بيت الحكمة" معهد حل النزاعات والحكم في غزة، وهو منتدى فكري يهتم بفتح مسارات للحوار، ودعم جهود المصالحة الفلسطينية، وتنظيم المؤتمرات والوفود واللقاءات التي تسعى لتعزيز التواصل السياسي والفكري داخلياً وخارجياً. ينتمي الدكتور أحمد يوسف إلى مدرسة تؤمن بأن "الحوار يولّد النور، وأن النقد هو البوصلة للخروج من النفق". وفي هذا الإطار، كتب على صفحته في "فيسبوك" تغريدة لافتة قال فيها: "للأسف لم توفق حركة حماس في اختيار الكثير من الناطقين باسمها، رغم الكفاءات العلمية لديها". ولعلني أجد نفسي متفقاً معه في هذه الرؤية، كما هو الحال في معظم آرائه التي طالما لامست جوهر الحقيقة وكشفت ما يُسكت عنه داخل أروقة حركة حماس. ومن هنا، يأتي هذا المقال ليضع النقاط على الحروف، في محاولة لتشخيص الخلل ومقاربة الصورة بين الخطاب والواقع.

إن الإخفاق الإعلامي الجزئي لحركة حماس لم يكن وليد الصدفة، بل هو انعكاس مباشر لخلل بنيوي في آليات الاختيار وتوظيف الكفاءات. ففلسطين لم تعانِ يوماً من قلة العقول ولا من ندرة الطاقات، بل تزخر بصفوةٍ من الكفاءات العلمية والخبرات القادرة على حمل الرسالة بلسانٍ مبين وإقناعٍ مؤثر. فالمشكلة ليست في عدد الناطقين ولا في ضعف تدريبهم فحسب، بل في تبنّي نهج فكري بات منعزلاً عن الواقع الفلسطيني. فالفشل يبدأ من اعتماد رؤية حزبية ضيقة لا تمت بصلة إلى روح الشريعة الإسلامية التي جاءت رحمة وعدلاً، بل ارتبط بأشخاص قادوا الحركة بمنطق الأنا وتكريس الرؤية الفصائلية. وهنا تكمن المعضلة: فحماس تصرّ على إدارة شؤون الناس وإدارة الصراع مع الاحتلال وكأنها في فراغ، متجاوزة أوجاع المجتمع وتعقيدات السياسة. هذا الانعزال جعل خطابها الإعلامي عاجزاً عن تقديم صورة مقنعة، لأبناء فلسطين عامة، وأهل غزة خاصة.

لقد أفرزت حماس ناطقين لم ينجحوا في كسب ثقة المواطنين، ناهيك عن المتعاطفين. فهؤلاء لم يرتقوا إلى مستوى التوقعات الشعبية والوطنية، ما جعل الخطاب الإعلامي ــ الذي يفترض أن يكون جسراً بين حماس والجمهور، تحوّل في كثير من الأحيان إلى عبء على صورة هذا الكيان، مما يجعل حضورها أمام الرأي العام باهتاً ومتأرجحاً. الأمر الذي لم يهزّ واجهتها الإعلامية فحسب، بل انعكس سلباً على جوهرها التنظيمي والفكري. حيث باتت تواجه اتهامات تُضعف مصداقيتها، وتمنح المجتمع الدولي مادة دسمة للطعن في مشروعها ومقاومتها. وحماس، رغم امتلاكها الكفاءات البشرية، لم تستطع أن تجعل فكرتها قابلة للحياة اليومية، ولا خطابها الإعلامي قادراً على ترجمة هذه الفكرة إلى ثقة وشراكة شعبية. فالإعلام ليس ترفاً جانبياً ولا زينة شكلية، بل هو جزء أصيل من المعركة ذاتها. وعندما يعجز الناطقون عن تمثيل الحركة وتمرير رسالتها بصدق وقوة، فإن الخلل يتجاوز مجرد "قصور إعلامي" ليصبح تهديداً استراتيجياً لمكانتها في وجدان الناس. 

على امتداد أكثر من سبعة عشر سنة، سخّرت حماس معظم طاقات القطاع في تشييد شبكة أنفاق متشعبة وبناء ترسانة عسكرية استنزفت ما تبقّى من مقدرات الشعب وموارده المحدودة. غير أنّ هذه الاستراتيجية، على أهميتها في حسابات الردع، أغفلت سيناريو الحرب الطويلة وما تتطلبه من مقومات صمود ممتدة على المستويات الإنسانية والاقتصادية والإدارية. فجاء الفشل واضحاً في إدارة الأزمة والصراع، سواء على صعيد الجبهة الداخلية وما تتطلبه من دعم لوجستي وعدالة في التوزيع، أو في القدرة على توحيد الخطاب الإعلامي وتجديد أدواته، إذ ظل الخطاب على الوتيرة ذاتها، بلا تطوير أو تكيّف مع المتغيرات. وما ضاعف من هذا الفشل الإعلامي أن بعض القنوات تبنّت خطاب الحركة وروّجت له لا عن قناعة، بل بقصد دفعها إلى فخ الهزيمة؛ إذ ساعدت على توجيه القيادة نحو الطريق الخطأ، وأوهمتها بأنها على صواب وزيّنت لها أفعالها. وهكذا تحوّل الفكر المنعزل عن الواقع إلى حجر عثرة في طريق أي مشروع، وأصبح الخطاب الذي لا يلامس نبض الناس عبئاً على المصداقية. وعندما يفشل المشروع الفكري في تحويل رؤيته إلى واقع ملموس، فإن كلماته تغدو مجرد شعارات جوفاء، ورموزه صوراً بلا وزن ولا أثر معنوي.

ما نراه اليوم من تفكك في المجتمع الغزي، وتراجع في منظومة القيم والمعاملات اليومية، ليس مجرد مظاهر عابرة، بل دليل صارخ على فشل حماس في إدارة غزة طوال 17 سنة. فالإدارة ليست مجرد تولّي مواقع، ولا امتلاك قوة عسكرية أو شعبية، بل هي قدرة على توظيف الفكر والمشروع في خدمة الناس والواقع. لقد أثبتت تجربة غزة أن الانفصال عن الواقع ليس مجرد خطأ تكتيكي، بل إخفاق استراتيجي يعمّق الشرخ الاجتماعي ويضعف نسيج الثقة بين الحاكم والمحكوم. ليس الأمر مقتصراً على الإدارة السياسية أو الاقتصادية فقط، بل يشمل القيم والسلوكيات والمعاملات اليومية. فالفساد والمحسوبية، والتقاعس في تلبية احتياجات الناس الأساسية، كلها انعكاسات مباشرة على فشل الفكر وتوظيفه السيء. وتؤكد أن الخلل لم يكن في الإمكانيات، بل في الفكر ذاته وفي طريقة توظيفه.

ما يزيد الطين بِلّة أن بعض التصريحات الصادرة عن الناطقين باسم حماس، بل وحتى عن بعض قادتها، أساءت مباشرة إلى المجتمع الفلسطيني. تصريحات لا تعكس وعياً بحساسية المرحلة، ولا تقديراً لمعاناة الناس، فبدت وكأنها انفصال عن الواقع أكثر من كونها تعبيراً عن هموم الشارع وصوته. وهنا تكمن الخطورة؛ لأن أي كلمة غير محسوبة قد تُحرق ما تبنيه تضحيات الميدان. والأهم أن الإعلام لم يعد مكمّلاً للمعركة، بل صار جبهة قتال مستقلة؛ فالكلمة تُوازي الرصاصة، والصورة قد تكون أشد وقعاً من القصف. ومن هنا، فإن أي ضعف أو تخبط في الخطاب الإعلامي يعني خسارة مساحات واسعة من الوعي الشعبي والعالمي، وهو ما لا يقل خطورة عن خسارة موقع عسكري في الميدان. ولعل المقارنة تكشف بوضوح: كثير من الحركات الثورية عبر التاريخ أدركت مبكراً أن معركتها الإعلامية لا تقل أهمية عن معاركها العسكرية. فخصصت ناطقين مدرّبين بعناية، اختارت كلماتهم كما تختار مواقعها على الجبهة. أما حين يغيب هذا الوعي، تصبح الحركة أسيرة ارتجال بعض الأصوات التي تُربك الناس أكثر مما توحدهم.

ومن هنا، فإن الدعوة لا تُوجَّه إلى حماس وحدها، بل إلى جميع الحركات والأحزاب الفلسطينية: انتبهوا جيداً إلى لغة خطابكم الإعلامي، وانتبهوا أكثر إلى صورة من يتحدث باسمكم. فلا يليق أن يتصدر المشهد متحدثون ببدانة فاقعة، بطونهم تسبق كلماتهم، أمام عدسات الإعلام، فيما يغرق أهل غزة في الجوع والحصار. فالمشهد البصري وحده كافٍ لتقويض المصداقية قبل أن يُسمع المضمون. لقد آن لكل فصيل فلسطيني أن يُدرك أن الرأي العام لم يعد يُدار بالشعارات وحدها، بل بقدرة ناطقين مدرّبين، أذكياء، يفهمون نبض الشارع كما يجيدون لغة الإعلام. وأي تقصير في هذا الباب لن يُغتفر، لأنه يضرب أهم رصيد تملكه الحركة: ثقة الناس بها. فالفكر الذي لا يراجع نفسه ولا يتجدد سرعان ما يتحول إلى عبء، والخطاب الذي ينغلق على ذاته لا يخدم مشروع مقاومة بل يضعفه ويضعف كل من ينتمي إليه. 

الدرس الكبير الذي وصلنا إليه هو أن أي حركة أو فصيل فلسطيني، مهما امتلك قوة وسجلاً نضالياً، لن يستطيع الاستمرار إذا ظل فكره منعزلاً عن الحياة اليومية للناس، وإذا ظل خطابه الإعلامي عاجزاً عن التعبير عن وجعهم وأملهم. ومن لا يُحسن توظيف الفكر وتكييفه مع الواقع، سيجد نفسه عاجزاً حتى عن إدارة المجتمع الذي من المفترض أن يخدمه، مهما امتلك من أدوات أو تاريخ نضالي. غزة اليوم مثال حي: مجتمع ممزق، قيم متآكلة، وثقة مفقودة بين الناس وقادتهم. كل هذا يؤكد أن الفكر وحده، دون إدارة رشيدة وتوظيف ذكي للموارد والخطاب، لا يكفي لتحقيق المشروع المقاوم. فالحقيقة القاسية هي أن فشل حماس في إدارة غزة ليس مجرد إخفاق تكتيكي، بل انعكاس مباشر لعجز الفكر عن خدمة الواقع، وضعف الخطاب عن كسب الثقة الشعبية. لقد أثبتت التجربة أن جوهر هذا الفشل في الأساس في فكرها وعزلته عن واقع الناس، فهو ما أفرز خطاباً مرتبكاً وناطقين عاجزين، وأدخل الحركة في مواجهة مفتوحة مع جمهورها قبل أن تكون مع عدوها. والدرس واضح لكل الفصائل الفلسطينية: الخطاب الواقعي والممارسة الحقيقية هما معيار القوة الحقيقية، وفشلهما يعني سقوط الصورة قبل سقوط المشروع.

التعليقات