دستور فلسطين: خطوة عباس والرؤية المستقبلية

دستور فلسطين: خطوة عباس والرؤية المستقبلية
دستور فلسطين: خطوة عباس والرؤية المستقبلية

بقلم/ حلمي أبو طه

بين دفاتر التاريخ ووثائق الشرعية، وبين صرخات غزة ومراوغات الاحتلال، تتجدد اليوم الخطوة الفلسطينية الكبرى نحو تأكيد وجود الدولة الفلسطينية القائمة. حيث تتجدد الجهود الفلسطينية نحو صياغة دستور دولة فلسطين، بعد أن أصدر الرئيس محمود عباس مرسوماً بتشكيل لجنة لصياغة الدستور، بتاريخ 18 أغسطس 2025. تضم اللجنة 17 عضواً من كفاءات قانونية وسياسية.  القرار أثار جدلاً قانونياً وسياسياً: حيث يراه المؤيدون خطوة استراتيجية لتعزيز الاعتراف الدولي بفلسطين، فيما يشكك المعارضون في توقيت القرار ودوافعه. أما الفصائل الفلسطينية فقد رحبت بالمشاركة، مشددة على ضرورة تمثيل شامل يعكس كامل طيف الشعب الفلسطيني، سياسياً واجتماعياً، لضمان شرعية وفاعلية الدستور المستقبلي. ويطرح هذا القرار عدة تساؤلات قانونية وسياسية مهمة تشغل كل مواطن ومراقب: ألا يوجد دستور لفلسطين حالياً؟ هل نحتاج أصلاً إلى دستور؟ هل نحن بصدد صياغة دستور أم مسودة دستور؟ ما الفرق بين الدستور والمسودة؟ هل سنكون أمام دستور مؤقت أم دستور دائم؟ هذه التساؤلات وغيرها: سنحاول الإجابة عليها ضمن هذا المقال، لتوضيح الرؤية القانونية والسياسية لهذه الخطوة الفلسطينية التاريخية. ولإبراز إرادة الشعب الفلسطيني في صياغة مستقبله ووضع أسس الدولة الفلسطينية القوية والمستقلة.

يأتي القرار ضمن تعزيز الشرعية الوطنية والقانونية قبل الانتخابات العامة وقطع الطريق أمام محاولات إسرائيلية لفرض سيادتها على الضفة الغربية، وتهجير أهل غزة بعد تدميرها، والاستعداد لمؤتمر السلام الدولي. وقد تبدو هذه الخطوة قانونية بحتة، لكنها في واقعها رسالة سياسية واستراتيجية للعالم وإسرائيل على حد سواء: فلسطين موجودة، والدولة قائمة وحقها ثابت، رغم الاحتلال والتحديات الإسرائيلية. وبحسب وكالة الأنباء الرسمية وفا فالهدف هو جعل هذه اللجنة مرجعية قانونية “تواكب وثيقة إعلان الاستقلال (1988) ومبادئ القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ومواثيق حقوق الإنسان والاتفاقات الدولية”. كما تتضمن الخطوة إطلاق منصة إلكترونية لاستقبال التوصيات والمقترحات من فئات الشعب الفلسطيني داخل البلاد وخارجها.

الواقع أن فلسطين لا تملك دستوراُ بالمعنى الكامل المتعارف عليه، بل لديها القانون الأساسي الفلسطيني الذي صدر أول مرة في 2002 وصُدِّق عليه في 2003. وهو بمثابة دستور مؤقت للسلطة الوطنية في بعض أحكامه، ويغطي جوانب محدودة دون أن يكون شاملاً لكل مسائل الدولة، مثل العلاقة بين السلطات، وضمان الحقوق الدستورية الشاملة، وتنظيم الانتخابات بصورة مستقلة. لذلك، تأتي رغبة الرئيس في صياغة دستور يأتي لتوفير: قاعدة دستورية واضحة وشاملة. حل الثغرات الدستورية الموجودة في القانون الأساسي. ضمان استقرار سياسي وقانوني طويل الأمد. 

ما يُناقش في هذه المرحلة هو مسودة دستور، وليس الدستور النهائي. والسبب: المسودة هي مرحلة أولية يتم فيها جمع الأفكار والاقتراحات وصياغتها بشكل قانوني. والهدف من المسودة هو فتح المجال للنقاش المجتمعي والسياسي قبل اعتمادها نهائياً. كما إن اعتماد الدستور النهائي يتطلب عادة موافقة البرلمان أو استفتاء شعبي، وهو ما يأتي بعد الانتهاء من المسودة. لذلك "المسودة" هنا إشارة إلى أن النص غير نهائي، بانتظار لحظة سياسية جامعة (أو ربما صفقة تاريخية). فالدستور الدائم: يُفترض أن يكون الوثيقة العليا التي ترسم شكل الدولة الفلسطينية بعد التحرر والاستقلال، من حيث تحديد النظام السياسي، الحقوق، والفصل بين السلطات. اما الدستور المؤقت: يستخدم عادة في المراحل الانتقالية، عندما لا تكون معالم الدولة أو حدودها أو مؤسساتها قد اكتملت بعد (كما هو حال الفلسطينيين اليوم). فالفارق الجوهري: الدائم يحمل استقراراً والتزاماً طويل الأمد، ويعبر عن هوية الدولة وشكلها السياسي. ويمثل المرجعية القانونية الأسمى التي لا يمكن لأي قانون أن يخالفها. أما المؤقت فهو أداة لإدارة المرحلة إلى أن تتهيأ الظروف النهائية.

إن مشروع صياغة مسودة الدستور من الناحية العملية: قد تُعتبر "تحضيراً للمستقبل" ورمزاً للسيادة المأمولة، بل أداة ضغط سياسي تقول: لدينا دولة نجهز لها إطارها القانوني حتى قبل أن تكتمل جغرافياً. وللحقيقة هذه المبادرة ليست جديدة في سياق التاريخ الوطني الفلسطيني، بل تمثل امتداداً لجهود بدأها الأب المؤسس، الرئيس الراحل ياسر عرفات، سنة 1999 عندما أصدر قراراً بتشكيل لجنة لصياغة دستور فلسطين برئاسة الراحل نبيل شعث، وذلك في إطار محاولة وضع قاعدة دستورية شاملة للسلطة الفلسطينية بعد اتفاقيات أوسلو. وقد أسهمت هذه اللجنة، في إعداد النسخة الثالثة من الدستور الفلسطيني المقترح، والتي عرضت على المجلس المركزي 2003 في غزة. ولكن تلك المبادرة لم تكتمل ولم يُصدر دستور نهائي، وظل القانون الأساسي هو المرجعية القانونية العملية. لذا، يأتي توجه الرئيس محمود عباس لصياغة دستور بهدف استكمال المسار الدستوري وتعزيز الأطر القانونية بشكل دائم وواضح. 




إن السبب في فكرة صياغة دستور جديد تأتي من الرغبة في إرساء مرجعية قانونية لدولة فلسطين، وليس فقط لسلطة الحكم الذاتي. أي الانتقال من "نظام حكم انتقالي" إلى "نظام دولة ذات سيادة". حيث يمثل مشروع هذا الدستور خطوة مهمة من الناحية القانونية، في ترسيخ دولة فلسطينية قائمة ومعترف بها دولياً، وإن كانت تحت الاحتلال، بما يتوافق مع وثيقة إعلان الاستقلال 1988 وقرارات الأمم المتحدة. ويعد أيضاً إطاراً لضمان حماية الحقوق الفردية والجماعية، وتنظيم مؤسسات الدولة، بما يشمل المجلس التشريعي، السلطة التنفيذية، القضاء المستقل، والسلطات المحلية، مع وضع آليات واضحة للرقابة والمساءلة. وإدارياً، يشكل الدستور فرصة لوضع أسس حكم رشيد في المستقبل، عبر تحديد صلاحيات السلطات وتوزيعها بشكل متوازن، وإرساء قواعد شفافة للإدارة المالية، الموارد، والتخطيط التنموي، ما يساهم في بناء دولة قابلة للاستمرار بمجرد تحريرها من الاحتلال.

اليوم، تأتي خطوة الرئيس عباس في سياق الأحداث الراهنة، حيث تصريحات نتنياهو حول إسرائيل الكبرى وخطط التوسع الإسرائيلي، إضافة إلى الدمار الهائل في غزة، كل هذا يوضح أن الرهان على خيار "حل الدولتين" أصبح محل رفض إسرائيلي عملي. فإسرائيل لا تعترف بوجود الدولة الفلسطينية القائمة، ولا تلتزم بأي جدول زمني لتحقيق السلام العادل، ما يجعل من الضروري تبني دستور يؤكد الدولة القائمة تحت الاحتلال كحق طبيعي وتاريخي وقانوني، ويؤطر السيادة الوطنية بشكل رسمي. إن إعادة إحياء مشروع الدستور، وربطه بالحدث الراهن، لا يمثل فقط خطوة قانونية، بل هو إجراء سياسي واستراتيجي يحمي الحقوق الفلسطينية ويؤكد للعالم أن الدولة قائمة ومعترف بها دولياً منذ إعلان الاستقلال في الجزائر 1988 وعضويتها المراقبة في الأمم المتحدة 2012، لكنها تنتظر رفع الاحتلال عنها.

كما تؤكد خطوة الرئيس نحو بناء مشروع الدستور خطة مباركة اتجاه استشراف المستقبل في ظل التحديات التي تعصف بمصير القضية الفلسطينية. فمن حيث الانقسام الفلسطيني: لا يزال بين الضفة الغربية وقطاع غزة يمثل عقبة كبرى أمام تنفيذ أي دستور فعلياً، لذلك فإن صياغة الدستور يجب أن تشمل آليات ضمان التمثيل الشامل لكل الفصائل الفلسطينية لتوفير قاعدة وطنية مشتركة. كما أن الوضع في الداخل والخارج: يتطلب ضبط، فالفلسطينيون في الشتات يشكلون عنصراً حيوياً في دعم المشروع الوطني، ويجب أن تكون لهم آليات مشاركة قانونية وسياسية ضمن الدستور، سواء عبر منصات إلكترونية أو ممثلين رسميين، لضمان الشمولية وتعزيز الشرعية الدولية. ومن حيث التهديدات الإسرائيلية والتغيرات الإقليمية: تأتي تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" وسياسات التوسع في الضفة وغزة، بالإضافة إلى عدم اعتراف إسرائيل بخيار الدولتين، تجعل من الضروري أن يكون الدستور بمثابة خط الدفاع القانوني والسياسي للفلسطينيين، وأداة حماية وطنية وقانونية تعكس حق الفلسطينيين في دولتهم القائمة، حتى قبل التحرير الكامل. وفي إطار الشرعية الدولية: فالدستور يمكن أن يكون مرجعاً قانونياً أمام المجتمع الدولي لتعزيز الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية، وتأكيد أن الدولة موجودة وحقها ثابت، بغض النظر عن الاحتلال والسياسات الإسرائيلية التعسفية. وتحتاج إلى تحرير فعلي.

بهذا المعنى، يمكن اعتبار خطوة الرئيس محمود عباس اليوم امتداداً لجهود إخوانه المؤسسين، ومواصلة للمسار التاريخي نحو دولة فلسطينية مستقلة وموحدة، في مواجهة للتحديات الإسرائيلية والمراوغات السياسية الدولية، ومؤشراً على إرادة الفلسطينيين في تجسيد دولتهم رغم الاحتلال والتهديدات. فهي ليست مجرد مسألة تشريعية، بل خيار استراتيجي شامل، لترسيخ الدولة الفلسطينية القائمة تحت الاحتلال على الصعيد القانوني والإداري. وتوفير إطار موحد لكل الفلسطينيين في الداخل والمهجر. فالدستور سيكون أداة وطنية وقانونية وسياسية وادارية لتأمين حقوق الفلسطينيين، وتحضير الأرضية لدولة فلسطينية حقيقية قابلة للحياة بعد رفع الاحتلال، مؤطرة بالسيادة والعدالة وحقوق الإنسان، مع الحفاظ على وحدة الأرض والشعب الفلسطيني. حتى في ظل الاحتلال والانقسام. وفي النهاية، فإن خطوة الرئيس عباس ليست مجرد صوغ كلمات على ورق، بل إعلان إرادة شعب، وتصعيد الحق الفلسطيني نحو الدولة القائمة والمستقلة. إنها رسالة لكل فلسطيني: وطنك موجود، حقوقك محفوظة، ومستقبلك يستحق أن يُكتب بالدستور والقانون والسيادة، رغم الاحتلال، رغم التحديات، رغم كل محاولات الطمس والتأجيل.

التعليقات