بين اجتهاد حماس.. وأطماع "إسرائيل الكبرى"

بين اجتهاد حماس.. وأطماع "إسرائيل الكبرى"
بين اجتهاد حماس.. وأطماع "إسرائيل الكبرى"

بقلم: حلمي أبو طه

في خضم التحديات والصراعات التي تواجه شعبنا، تبرز مسؤولية كل فلسطيني في قراءة الواقع بحكمة وبعيداً عن الانفعالات. ومن هنا نؤكد أن انتقادنا لحركة حماس ليس طعناً في إخوتنا ولا خصومة مع رجالها، فهم جزء من لحمنا ودمنا، وإنما هو رفض لنهج التفرد بالقرار الذي جلب على شعبنا نكبات متتالية وأحمالاً تفوق طاقته. نحن لا نُخوِّن المقاومة ولا نُشيطن تضحياتها، لكنها اجتهادات بشرية تصيب وتخطئ، ومن اجتهد ثم أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر، غير أن التمادي في الاجتهاد حين يكون ثمنه مستقبل شعبٍ بأكمله، يصبح مغامرةً تهدد السفينة بالخرق، وفي الحديث: "إن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً". لقد جاءت حرب السابع من أكتوبر لتكشف هشاشة الواقع الفلسطيني الداخلي، وكشفت عمق الانقسام. ولتعيد فتح شهية المشروع الصهيوني على إعادة إنتاج أطماعه التاريخية حول إسرائيل الكبرى. 

نحن اليوم نعيش مشهداً يؤكد ما ورد في القرآن عن علو بني إسرائيل، ومن ثم ما وصفه ﷺ من وهن الأمة. وقد شاء الله أن نكون في زمن الوهن وزمن العلو معاً، لكن الواجب يملي علينا التمييز بين اجتهادٍ مشروع يستبقي الأمل، وبين اندفاعٍ غير محسوب يغرق السفينة بمن فيها. وفي خضم هذا الواقع المثقل بالجراح، عاد إلى الواجهة مجدداً الحديث داخل الأروقة الإسرائيلية، الرسمية منها والشعبية، عن مشروع "إسرائيل الكبرى"، ذلك الوهم الذي اعتقد البعض أنه اندثر مع اتفاقيات السلام وموجات التطبيع. غير أن الحرب الأخيرة أعادت إحياءه، لا في جلسات مغلقة أو محافل حزبية فحسب، بل في لقاءات علنية وتصريحات مباشرة على شاشات الإعلام، ملوّحين بأن "الحدود الطبيعية" لدولتهم – كما يزعمون – تمتد من البحر إلى النهر، وربما إلى ما هو أبعد. 

هنا نستذكر ما قاله دافيد بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل: "حدود إسرائيل تُرسم حيث يقف جنودها"، في إشارة صريحة إلى أن القوة العسكرية هي القلم الذي يخطّ به الاحتلال جغرافيته. وكذلك ما صدحت به غولدا مائير: "هذه الأرض كلها لنا من النيل إلى الفرات، هكذا وعدنا الرب". إن استدعاء هذه الأقوال يكشف بوضوح أن ما يردده نتنياهو اليوم ليس انفعالاً سياسياً عابراً، بل حلقة متصلة في سلسلة عقيدة توسعية راسخة في وعي القيادات الإسرائيلية المتعاقبة. إن هذه التصريحات لا تعكس مجرد مواقف سياسية آنية، بل تكشف ذهنية استعمارية راسخة ترى في الدم الفلسطيني وقوداً دائماً لمشروعها. فالعدوان على غزة لم يكن رداً عسكرياً على هجوم السابع من أكتوبر بقدر ما كان فرصة ذهبية لإعادة تسويق "الحلم التوراتي" تحت مسميات براقة: الأمن القومي، إعادة الاحتلال، التفويض الدولي. 

إن أخطر ما في تصريحاتهم أنهم يراهنون على انقسامنا الداخلي وتفرد بعض القوى بقرارنا الوطني، ليقدّموا للعالم أن الفلسطينيين عاجزون عن إدارة أرضهم، وأن الحل الأمثل هو تكريس الاحتلال تحت شعار "الأمن الإقليمي". وهنا تلتقي أطماعهم مع صمت المجتمع الدولي بل وتواطؤ بعض الأنظمة العربية. من هنا، فالمعركة وصلت مرحلة سردية كاملة يريد القادة في اسرائيل فرضها على العالم: أن إسرائيل هي الدولة الأبدية في المنطقة، وأن الفلسطينيين مجرد تفصيل عابر في دفتر التاريخ. وفي مقابلة إعلامية مثيرة للجدل، خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتصريحات خطيرة حملت أبعاداً تتجاوز حدود فلسطين للمرة الأولى، فقد أشار في 12 أغسطس 2025، صراحة إلى أن ما يُسمى "خطة إسرائيل الكبرى" لا يقتصر على غزة وحدها، بل يمتد ليطال مصر والأردن. هذا التصريح كان كرد على السؤال الذي جاءه من مذيع قناة i24News، اليميني المتطرف شارون غال. حيث قدّم له تميمة إسرائيل الكبرى التي تحمل خريطة ما يسمى بـ"الأرض الموعودة" أو حدود "إسرائيل الكبرى". وسأله مباشرة: هل تؤمن بإسرائيل الكبرى؟ فجاء رد نتنياهو بلا مواربة: "نعم، نحن في مهمة تاريخية وروحية من أجل الوصول إلى تنفيذ إسرائيل الكبرى. سنأخذ غزة والضفة، وجزءاً من مصر والأردن، وهذه خطة عظيمة ستذكرها الأجيال القادمة بفخر لما بُذل من أجل دولتنا".

لسنا هنا أمام هذيان رجل دين متطرف، ولا أمام رؤية شخصية لقائد عسكري متقاعد، بل أمام إعلان مباشر من أعلى سلطة سياسية في إسرائيل، رئيس الوزراء نفسه، الذي يمسك بمفاصل القرار في الحرب والسلم. لذلك لا يجوز النظر إلى مثل هذه التصريحات بوصفها دعاية انتخابية أو خطابات داخلية للاستهلاك المحلي؛ بل يجب أن يُقرأ ما فيها كتهديد استراتيجي صريح لدول المنطقة، وككاشف لجوهر المشروع الصهيوني منذ نشأته. فمنذ أكثر من قرن، ظلّت فكرة "إسرائيل الكبرى" حاضرة في أدبيات الحركة الصهيونية كحلم يتجاوز حدود فلسطين التاريخية ليبتلع أراضي دول الجوار. وما كان يُتداول في الكتب والمنابر الدينية، خرج اليوم بوضوح على لسان أعلى شخصية سياسية في إسرائيل: رئيس وزرائها نفسه. ما يثير القلق أكثر أن نتنياهو قدّم مشروعه في إطار مهمة قومية وتاريخية وروحية، أي أنه لا يتحدث فقط عن مصلحة سياسية وقتية، بل عن رؤية عقائدية تسعى إلى إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط تحت راية "إسرائيل الكبرى". وهذا بحد ذاته يعكس خطورة الطرح، لأنه يضفي على الاحتلال بعداً دينياً يُحوّله إلى "رسالة مقدسة"، يسعى لتوريثها للأجيال القادمة. الأمر الذي يجعل التفاوض معه أو التهدئة مجرّد أوهام. 

منذ تأسيسها في 1948، تبنّت إسرائيل سياسة توسعية قائمة على مبدأ "خلق وقائع على الأرض"، بدءاً من احتلال أراضٍ عربية في 1967، وصولاً إلى محاولات ضم الضفة الغربية وتغيير هوية القدس. والآن، حين يتحدث نتنياهو عن التمدد نحو مصر والأردن، فهو يعيد إحياء الخطاب الصهيوني الكلاسيكي الذي لطالما اعتبر أن حدود إسرائيل الطبيعية "من النيل إلى الفرات". والمجتمع الدولي مطالب بأن يفهم أن إسرائيل ليست بصدد الدفاع عن حدود قائمة، بل تعمل على مشروع توسعي يمسّ سيادة دول مستقلة. إن تصريحات نتنياهو ليست مجرد كلمات عابرة في مقابلة تلفزيونية، بل هي خارطة طريق عدوانية إن لم تُواجه بالوعي والردع ستتحول إلى واقع مرّ تعيشه شعوب المنطقة. فلا يمكن قراءة تصريحات نتنياهو بمعزل عن حرب السابع من أكتوبر 2023 (طوفان الأقصى)، التي شكّلت نقطة انعطاف كبرى في الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي والإقليمي بأسره. وبدلًا من الاكتفاء بردع المقاومة داخل غزة، ذهب نتنياهو أبعد من ذلك؛ إذ أعاد إحياء حلم "إسرائيل الكبرى"، مستغلاً الحرب ليقدّم لشعبه "كرؤية خلاص" تتجاوز حدود فلسطين. هنا يصبح خطابه ليس مجرد رد على المقاومة الفلسطينية، بل مشروع توسعي يطال مجموعة من الدول العربية، في محاولة للهروب إلى الأمام عبر خلق تهديد إقليمي أوسع. 

ما جرى في السابع من أكتوبر أخرج إسرائيل من طورها التقليدي، وأعطى التيارات اليمينية المتطرفة في تل أبيب الذريعة لتسويق فكرة أن "الوجود الإسرائيلي مهدد"، وبالتالي تبرير مشاريع التوسع بوصفها ضرورة وجودية. وبكلمات أخرى، حماس قدّمت لإسرائيل "الصدمة" التي سمحت لنتنياهو أن يعود بخطاب "المهمة التاريخية"، رابطاً أمن إسرائيل بمشروع ابتلاع مزيد من الأراضي العربية. وما بين "الرسالة الروحية" و"الخطة العظيمة"، يظهر بوضوح أن الصراع لم يعد على غزة وحدها، بل على مستقبل المنطقة بأكملها. ويحاول نتنياهو إعادة تعريف دور إسرائيل في المنطقة باعتبارها قوة فوق القانون الدولي، تسعى لابتلاع أراضٍ جديدة بذريعة التاريخ والدين. إن مواجهة مثل هذه التصريحات لا تكون بالاستهانة أو الصمت، بل بتحويلها إلى جرس إنذار يذكّر الجميع أن المشروع الصهيوني لم يتوقف عند حدود فلسطين، وأن الخطر يتجاوزها ليطال قلب الأمن القومي العربي. فما يطرحه نتنياهو هو خارطة طريق عدوانية إن لم يواجَه عربياً ودولياً، فقد تتحول إلى واقع مفروض بالقوة. وحلم "إسرائيل الكبرى" قد ينتقل من الأدبيات الصهيونية القديمة إلى الميدان السياسي والعسكري المعاصر.

التعليقات