الخطة الإسرائيلية لإعادة احتلال غزة.. خمسة أهداف بغطاء دولي
الخطة الإسرائيلية لإعادة احتلال غزة.. خمسة أهداف بغطاء دولي
بقلم: حلمي أبو طه
من يتابع الخطاب الإسرائيلي بعد نحو سنتين من الحرب على غزة، يدرك أننا أمام خريطة طريق لخراب غزة أكثر منها خطة سياسية أو عسكرية قابلة للنقاش. خمسة أهداف كبرى تُساق للرأي العام الإسرائيلي وكأنها أوامر مقدسة، بينما الواقع على الأرض يقول: الأمر أخطر وأكبر من ذلك. حتى لو حاول نتنياهو وسارة تزيينه وكأنه مشهد انتصار وسط أنقاض ودمار غزة. وهذه الأهداف الخمسة تصب في هدف مركزي يتمثل في تدمير مقومات الحياة الأساسية، لتحويل غزة إلى بيئة غير صالحة للعيش، كما جرى في رفح وخان يونس، بما يدفع السكان قسراً نحو التهجير. فمع تصاعد الأحداث والتوترات على جبهة غزة، وتزايد مشاهد التجويع، وتدمير الحجر والشجر، وإهانة الكرامة الإنسانية، تُعلن إسرائيل خطتها الشاملة لإعادة احتلال القطاع بالكامل، مستندة إلى غطاء سياسي ودولي صريح يفتح لها الطريق.
ففي جلسة خاصة، أقرّ الكابينت الإسرائيلي خطة شاملة لإعادة احتلال كامل قطاع غزة، قدّمها بنيامين نتنياهو، وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه بصدد تنفيذها. الخطة تقوم على خمسة أهداف رئيسية حسب رؤية نتنياهو. والتي لا تهدف فقط إلى عمليات عسكرية مؤقتة، بل إلى إعادة تشكيل واقع غزة السياسي والأمني بطريقة تكسر المقاومة وتغيّر المشهد كاملاً. والتي تشمل: أولاً القضاء على المقاومة ونزع سلاحها، فالمحتل يتحدث عن تفكيك قدرات المقاومة كأنما سيجرّدها من البنادق في مشهد سينمائي مرتب. ثانياً: استعادة كافة الرهائن الإسرائيليين أحياءً وأمواتاً، فهي تمثل قضية داخلية ملتهبة بالنسبة للمواطن الاسرائيلي، وملف تفاوض معقّد، والعالم يعرف أن إسرائيل لا تستعيد أسراها ورهائنها إلا عبر صفقات تبادل. مما يعيد جزءاً من القوة للفصائل التي تزعم اسرائيل إسقاطها. ثالثاً: إعلان غزة منطقة منزوعة السلاح بالكامل، وهذا يعني تجريد غزة من السلاح. وهو في الحقيقة إعادة إنتاج لحلم قديم: قطاع منزوع السلاح تحت عين الاحتلال. رابعاً: فرض السيطرة الأمنية الكاملة على كل شبر من غزة، ما يعني عودة الاحتلال بوجهه الصريح، من المعابر حتى الأزقة. وهو ما قد يسوّقونه في الداخل الإسرائيلي كضرورة أمنية، لكن العالم الخارجي سيقرأها بعنوان أكبر: إعادة احتلال عنوة لأكثر من مليوني إنسان، وهو ما سيجعل تل أبيب في مواجهة مفتوحة مع القانون الدولي (وكم مرة دخلت إسرائيل هذا المأزق وخرجت بسلام؟). خامساً: تشكيل سلطة مدنية لا تنتمي لحماس أو للسلطة الفلسطينية. والسؤال البديهي: من هي هذه الإدارة التي ستقبل أن تكون حارساً مدنياً لمصالح جيش محتل وسط أنقاض؟ فتجارب العراق وأفغانستان تخبرنا أن هذا السيناريو غالباً ينتهي بفوضى، أو بعودة القوى التي حاولت إزاحتها، لكن ربما يراهن البعض في تل أبيب على ذاكرة قصيرة لدى العالم.
وهذه الأهداف تكشف أن ما يجري في غزة يتجاوز كونها حرباً عسكرية إلى كونها مشروعاً ممنهجاً لهندسة الفوضى وتفكيك المجتمع من الداخل. فالتجويع يُستخدم كأداة لتدمير القيم الجماعية وتمزيق العقد الاجتماعي، في محاولة لخلق انهيار ذاتي للبنية الاجتماعية والنفسية. هذه الفوضى ليست عفوية، بل نتيجة تخطيط استراتيجي يسعى لإعادة تشكيل غزة كمجتمع هشّ، يقبل بأي وصاية خارجية تُفرض عليه لاحقاً. ويتم ذلك عبر "استعمار ناعم" يتحكم في الغذاء والمساعدات، ويطرح الوصاية على القطاع كحل إنساني. وهكذا، تجد غزة نفسها أمام سيناريوهين لا ثالث لهما: الاستسلام لواقع الاحتلال أو الصمود المجتمعي. وهنا يصبح المطلوب وعياً جماعياً يعيد بناء النسيج الاجتماعي على أسس التكافل والكرامة، بما يحفظ إرادة البقاء وحق الفلسطينيين في أرضهم.
ومن هنا تسعى إسرائيل بكل قوة وجبروت على تحقيق هذه الأهداف من خلال عدة خطوات عملية بدأت بالفعل في المنطقة الممتدة شمال وادي غزة وصولاً للحدود الجنوبية لغلاف غزة. من خلال احتكار الجيش الإسرائيلي لعملية توزيع المساعدات عبر لنقاط محددة خارج حدود مدينة غزة والشمال. وبالتالي تديق الخناق على هذه المنطقة لإرغام المواطنين على النزوح قسراً، والتوجه جنوب الوادي. وفق مناطق محددة للحصول على المساعدات وهذه المرحلة تنتهي بتاريخ السابع من أكتوبر 2025. وهو ما يشير إلى استئصال كامل لأمل قيام دولة فلسطينية في المستقبل القريب، في ظل الضوء الأخضر من الإدارة الأمريكية، ودعم أو صمت أوروبي نافذ، رغم البيانات الشكلية عن "القلق" أو "التلويح بالاعتراف" بالدولة الفلسطينية، التي لا تتجاوز كونها محاولة لتهدئة الرأي العام. والدليل أن لا أحد في القارة العجوز قادر على إيقاف إسرائيل، وما تقوم به من إبادة.
الأدهى أن الدول العربية والإسلامية، وإن اختلفت لهجتها، لم تُشكّل موقفاً رادعاً، فلا يوجد موقف عربي أو إسلامي يمنع إسرائيل مما تقوم به، وتقول لها هناك خط أحمر. بل إن بعضها متورط في التحريض أو تقديم الغطاء لإسرائيل. والأسوأ أن الأهداف الخمسة المعلنة للخطة تتطابق مع ما ورد في "الوثيقة الأممية" التي وقّعت عليها العديد من الدول العربية، ورفضتها السلطة الفلسطينية، ما يعني أن التوافق الدولي والإقليمي على هذه الأهداف قائم، والضوء الأخضر متاح لإسرائيل للمضي قدماً في خطتها، التي تتضمن أيضاً مشروع تهجير منظم. وفي هذا السياق، بدأت ترتفع وتيرة الحديث عن قبول بعض الدول العربية والآسيوية والأفريقية استقبال مهاجرين من غزة، وفق آليات تُشرف عليها الإدارة الأمريكية.
في النهاية، القرار على المحك: فكلمة الفصل الان بين أقدام فريقين فلسطينيين: الأول المقاومة فهل ستبقي على سلاحها وتواصل المقاومة رغم الثمن، ام تسلم السلاح وتخرج من غزة ومن المشهد السياسي وسط تسفيق الاهالي احتراما وتقديرا لها. والفريق الثاني يتمثل في أهالي غزة: هل سيقبلون التهجير وترك أرض غزة؟ أم يتمسكون بالبقاء مهما كان الثمن في مواجهة محاولات التهجير؟ لذا نحن أمام معركة وجود، لا مجرد معركة حدود. فلا يوجد حل سحري أو فوري في ظل هذه التحديات، يشكلان السبيل الوحيد للمواجهة والنجاة. فهذه الأسئلة تحدد مستقبل القضية الفلسطينية في قطاع غزة، وتكشف عمق الأزمة التي تواجهها فلسطين اليوم. والتي تتطلب من كل قوى الحرية والعدالة في العالم موقفاً موحداً وصريحاً، يوقف هذا العدوان، ويُجبر إسرائيل على احترام الحقوق الإنسانية والقانون الدولي. لذا فالتضامن الحقيقي مع غزة لا يكون بالكلمات فقط، بل بمواقف تدعم حق الفلسطينيين في الحياة والكرامة على أرضهم. إن مستقبل غزة ليس معركة غزة وحدها، بل هو اختبار لضمائر الأحرار في كل مكان.
المقاومة وأهل غزة: هم أصحاب الأرض والقرار في مواجهة الاحتلال، لكنهم في مواجهة قوة عسكرية هائلة، وتداعيات إنسانية واقتصادية تجعل الخيارات محدودة وصعبة للغاية. في ظل السياسة الإقليمية والدولية، ومواقف الدول الكبرى، والضغوط الاقتصادية والإنسانية تلعب أدواراً حاسمة. وإسرائيل تدخل المرحلة الحالية في غزة بخمسة أهداف تبدو على الورق كخطة "حسم". هذه الأهداف التي توافقت على سردها كافة الصحف والتلفزة الإسرائيلية والعالمية. تبدو أشبه بخطاب استعراضي لجمهور الداخل، بنكهة "السلام الأمني"! أكثر من كونها خطة تنفيذية قابلة للقياس. فالمشكلة أن غزة جرّبت قبل وبتعرف اللعبة وكلا الطرفان يجيدان استحياءنا وازلالنا… فإسرائيل تريد أن تُنهي المعركة وهي تصرخ "لقد حققنا كل شيء"، بينما الواقع قد يفرض عليها الاعتراف لاحقاً بأنها لم تحقق إلا مزيداً من الدمار… فالتجربة تقول إن هذه الأهداف، إن تحقّق بعضها، فبثمن باهظ، سندفعه نحن أهالي غزة. وفي ظل هذه التحديات، يبقى التحذير الأساسي: أي تحقيق لإسرائيل لأي من أهدافها الخمسة يعني تدمير غزة بالكامل كما جرى في رفح وخان يونس. لذا، علينا بالتحلي بالمرونة في المفاوضات، وقادرين على القبول بما هو واقعي أو مقبول سياسياً، دون التفريط بالمبدأ الأساسي: حماية الإنسان ومساكنه والمنشآت التي تؤويه، والحفاظ على نسيج الحياة في القطاع، بعد تجربة النزوح وعيش الخيام صيفاً وشتاءً. التمسك بهذا المبدأ هو الضمان الحقيقي لاستمرار المجتمع الفلسطيني وتأجيل المعركة، ويضع المفاوض الفلسطيني في موقف يحمي الأرض والإنسان معاً. والأيام دول وفي ذلك نرى غزة أكثر صلابة، ومحتلاً أكثر تورطاً، وجولة جديدة تنتظر الجميع، سيكتب الله لنا فيها النصر والتمكين ويزل الله فيها بني صهيون.
بقلم: حلمي أبو طه
من يتابع الخطاب الإسرائيلي بعد نحو سنتين من الحرب على غزة، يدرك أننا أمام خريطة طريق لخراب غزة أكثر منها خطة سياسية أو عسكرية قابلة للنقاش. خمسة أهداف كبرى تُساق للرأي العام الإسرائيلي وكأنها أوامر مقدسة، بينما الواقع على الأرض يقول: الأمر أخطر وأكبر من ذلك. حتى لو حاول نتنياهو وسارة تزيينه وكأنه مشهد انتصار وسط أنقاض ودمار غزة. وهذه الأهداف الخمسة تصب في هدف مركزي يتمثل في تدمير مقومات الحياة الأساسية، لتحويل غزة إلى بيئة غير صالحة للعيش، كما جرى في رفح وخان يونس، بما يدفع السكان قسراً نحو التهجير. فمع تصاعد الأحداث والتوترات على جبهة غزة، وتزايد مشاهد التجويع، وتدمير الحجر والشجر، وإهانة الكرامة الإنسانية، تُعلن إسرائيل خطتها الشاملة لإعادة احتلال القطاع بالكامل، مستندة إلى غطاء سياسي ودولي صريح يفتح لها الطريق.
ففي جلسة خاصة، أقرّ الكابينت الإسرائيلي خطة شاملة لإعادة احتلال كامل قطاع غزة، قدّمها بنيامين نتنياهو، وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه بصدد تنفيذها. الخطة تقوم على خمسة أهداف رئيسية حسب رؤية نتنياهو. والتي لا تهدف فقط إلى عمليات عسكرية مؤقتة، بل إلى إعادة تشكيل واقع غزة السياسي والأمني بطريقة تكسر المقاومة وتغيّر المشهد كاملاً. والتي تشمل: أولاً القضاء على المقاومة ونزع سلاحها، فالمحتل يتحدث عن تفكيك قدرات المقاومة كأنما سيجرّدها من البنادق في مشهد سينمائي مرتب. ثانياً: استعادة كافة الرهائن الإسرائيليين أحياءً وأمواتاً، فهي تمثل قضية داخلية ملتهبة بالنسبة للمواطن الاسرائيلي، وملف تفاوض معقّد، والعالم يعرف أن إسرائيل لا تستعيد أسراها ورهائنها إلا عبر صفقات تبادل. مما يعيد جزءاً من القوة للفصائل التي تزعم اسرائيل إسقاطها. ثالثاً: إعلان غزة منطقة منزوعة السلاح بالكامل، وهذا يعني تجريد غزة من السلاح. وهو في الحقيقة إعادة إنتاج لحلم قديم: قطاع منزوع السلاح تحت عين الاحتلال. رابعاً: فرض السيطرة الأمنية الكاملة على كل شبر من غزة، ما يعني عودة الاحتلال بوجهه الصريح، من المعابر حتى الأزقة. وهو ما قد يسوّقونه في الداخل الإسرائيلي كضرورة أمنية، لكن العالم الخارجي سيقرأها بعنوان أكبر: إعادة احتلال عنوة لأكثر من مليوني إنسان، وهو ما سيجعل تل أبيب في مواجهة مفتوحة مع القانون الدولي (وكم مرة دخلت إسرائيل هذا المأزق وخرجت بسلام؟). خامساً: تشكيل سلطة مدنية لا تنتمي لحماس أو للسلطة الفلسطينية. والسؤال البديهي: من هي هذه الإدارة التي ستقبل أن تكون حارساً مدنياً لمصالح جيش محتل وسط أنقاض؟ فتجارب العراق وأفغانستان تخبرنا أن هذا السيناريو غالباً ينتهي بفوضى، أو بعودة القوى التي حاولت إزاحتها، لكن ربما يراهن البعض في تل أبيب على ذاكرة قصيرة لدى العالم.
وهذه الأهداف تكشف أن ما يجري في غزة يتجاوز كونها حرباً عسكرية إلى كونها مشروعاً ممنهجاً لهندسة الفوضى وتفكيك المجتمع من الداخل. فالتجويع يُستخدم كأداة لتدمير القيم الجماعية وتمزيق العقد الاجتماعي، في محاولة لخلق انهيار ذاتي للبنية الاجتماعية والنفسية. هذه الفوضى ليست عفوية، بل نتيجة تخطيط استراتيجي يسعى لإعادة تشكيل غزة كمجتمع هشّ، يقبل بأي وصاية خارجية تُفرض عليه لاحقاً. ويتم ذلك عبر "استعمار ناعم" يتحكم في الغذاء والمساعدات، ويطرح الوصاية على القطاع كحل إنساني. وهكذا، تجد غزة نفسها أمام سيناريوهين لا ثالث لهما: الاستسلام لواقع الاحتلال أو الصمود المجتمعي. وهنا يصبح المطلوب وعياً جماعياً يعيد بناء النسيج الاجتماعي على أسس التكافل والكرامة، بما يحفظ إرادة البقاء وحق الفلسطينيين في أرضهم.
ومن هنا تسعى إسرائيل بكل قوة وجبروت على تحقيق هذه الأهداف من خلال عدة خطوات عملية بدأت بالفعل في المنطقة الممتدة شمال وادي غزة وصولاً للحدود الجنوبية لغلاف غزة. من خلال احتكار الجيش الإسرائيلي لعملية توزيع المساعدات عبر لنقاط محددة خارج حدود مدينة غزة والشمال. وبالتالي تديق الخناق على هذه المنطقة لإرغام المواطنين على النزوح قسراً، والتوجه جنوب الوادي. وفق مناطق محددة للحصول على المساعدات وهذه المرحلة تنتهي بتاريخ السابع من أكتوبر 2025. وهو ما يشير إلى استئصال كامل لأمل قيام دولة فلسطينية في المستقبل القريب، في ظل الضوء الأخضر من الإدارة الأمريكية، ودعم أو صمت أوروبي نافذ، رغم البيانات الشكلية عن "القلق" أو "التلويح بالاعتراف" بالدولة الفلسطينية، التي لا تتجاوز كونها محاولة لتهدئة الرأي العام. والدليل أن لا أحد في القارة العجوز قادر على إيقاف إسرائيل، وما تقوم به من إبادة.
الأدهى أن الدول العربية والإسلامية، وإن اختلفت لهجتها، لم تُشكّل موقفاً رادعاً، فلا يوجد موقف عربي أو إسلامي يمنع إسرائيل مما تقوم به، وتقول لها هناك خط أحمر. بل إن بعضها متورط في التحريض أو تقديم الغطاء لإسرائيل. والأسوأ أن الأهداف الخمسة المعلنة للخطة تتطابق مع ما ورد في "الوثيقة الأممية" التي وقّعت عليها العديد من الدول العربية، ورفضتها السلطة الفلسطينية، ما يعني أن التوافق الدولي والإقليمي على هذه الأهداف قائم، والضوء الأخضر متاح لإسرائيل للمضي قدماً في خطتها، التي تتضمن أيضاً مشروع تهجير منظم. وفي هذا السياق، بدأت ترتفع وتيرة الحديث عن قبول بعض الدول العربية والآسيوية والأفريقية استقبال مهاجرين من غزة، وفق آليات تُشرف عليها الإدارة الأمريكية.
في النهاية، القرار على المحك: فكلمة الفصل الان بين أقدام فريقين فلسطينيين: الأول المقاومة فهل ستبقي على سلاحها وتواصل المقاومة رغم الثمن، ام تسلم السلاح وتخرج من غزة ومن المشهد السياسي وسط تسفيق الاهالي احتراما وتقديرا لها. والفريق الثاني يتمثل في أهالي غزة: هل سيقبلون التهجير وترك أرض غزة؟ أم يتمسكون بالبقاء مهما كان الثمن في مواجهة محاولات التهجير؟ لذا نحن أمام معركة وجود، لا مجرد معركة حدود. فلا يوجد حل سحري أو فوري في ظل هذه التحديات، يشكلان السبيل الوحيد للمواجهة والنجاة. فهذه الأسئلة تحدد مستقبل القضية الفلسطينية في قطاع غزة، وتكشف عمق الأزمة التي تواجهها فلسطين اليوم. والتي تتطلب من كل قوى الحرية والعدالة في العالم موقفاً موحداً وصريحاً، يوقف هذا العدوان، ويُجبر إسرائيل على احترام الحقوق الإنسانية والقانون الدولي. لذا فالتضامن الحقيقي مع غزة لا يكون بالكلمات فقط، بل بمواقف تدعم حق الفلسطينيين في الحياة والكرامة على أرضهم. إن مستقبل غزة ليس معركة غزة وحدها، بل هو اختبار لضمائر الأحرار في كل مكان.
المقاومة وأهل غزة: هم أصحاب الأرض والقرار في مواجهة الاحتلال، لكنهم في مواجهة قوة عسكرية هائلة، وتداعيات إنسانية واقتصادية تجعل الخيارات محدودة وصعبة للغاية. في ظل السياسة الإقليمية والدولية، ومواقف الدول الكبرى، والضغوط الاقتصادية والإنسانية تلعب أدواراً حاسمة. وإسرائيل تدخل المرحلة الحالية في غزة بخمسة أهداف تبدو على الورق كخطة "حسم". هذه الأهداف التي توافقت على سردها كافة الصحف والتلفزة الإسرائيلية والعالمية. تبدو أشبه بخطاب استعراضي لجمهور الداخل، بنكهة "السلام الأمني"! أكثر من كونها خطة تنفيذية قابلة للقياس. فالمشكلة أن غزة جرّبت قبل وبتعرف اللعبة وكلا الطرفان يجيدان استحياءنا وازلالنا… فإسرائيل تريد أن تُنهي المعركة وهي تصرخ "لقد حققنا كل شيء"، بينما الواقع قد يفرض عليها الاعتراف لاحقاً بأنها لم تحقق إلا مزيداً من الدمار… فالتجربة تقول إن هذه الأهداف، إن تحقّق بعضها، فبثمن باهظ، سندفعه نحن أهالي غزة. وفي ظل هذه التحديات، يبقى التحذير الأساسي: أي تحقيق لإسرائيل لأي من أهدافها الخمسة يعني تدمير غزة بالكامل كما جرى في رفح وخان يونس. لذا، علينا بالتحلي بالمرونة في المفاوضات، وقادرين على القبول بما هو واقعي أو مقبول سياسياً، دون التفريط بالمبدأ الأساسي: حماية الإنسان ومساكنه والمنشآت التي تؤويه، والحفاظ على نسيج الحياة في القطاع، بعد تجربة النزوح وعيش الخيام صيفاً وشتاءً. التمسك بهذا المبدأ هو الضمان الحقيقي لاستمرار المجتمع الفلسطيني وتأجيل المعركة، ويضع المفاوض الفلسطيني في موقف يحمي الأرض والإنسان معاً. والأيام دول وفي ذلك نرى غزة أكثر صلابة، ومحتلاً أكثر تورطاً، وجولة جديدة تنتظر الجميع، سيكتب الله لنا فيها النصر والتمكين ويزل الله فيها بني صهيون.

التعليقات