قرار انتخابات المجلس الوطني.. وجدل المضمون
قرار انتخابات المجلس الوطني.. وجدل المضمون
بقلم: حلمي أبو طه
في خطوة مفصلية، أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس قراراً يدعو إلى إجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني قبل نهاية العام الجاري. ورغم تلك الأهمية، لا أراه يحظى بمتابعة واسعة من الشارع الفلسطيني، إلا أنه يثير إشكاليات تستوجب الوقوف عندها بمسؤولية، بعيداً عن الانفعال السياسي أو التحيز الفصائلي. فالحديث هنا يتجاوز المسألة الإجرائية إلى عمق الأسس التي تقوم عليها الشرعية السياسية والدستورية في السياق الفلسطيني المعقد.
تُعد منظمة التحرير الفلسطينية، وفق النظام الأساسي المعتمد منذ 1968 وتعديلاته، الكيان التمثيلي الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. والمجلس الوطني الفلسطيني هو الهيئة التشريعية العليا داخل هذه المنظمة، وهو الذي يضع سياسة المنظمة ومخططاتها وبرامجها. بينما اللجنة التنفيذية هي الجهة التنفيذية المنبثقة عنه، ويرأسها الرئيس محمود عباس. ويمنح النظام الأساسي لمنظمة التحرير لرئيس اللجنة التنفيذية سلطة الدعوة لانعقاد المجلس الوطني أو اتخاذ قرارات تنظيمية بشأنه، بما في ذلك التحضير للانتخابات، شريطة أن يتم ذلك باسم اللجنة التنفيذية. ولا توجد جهة رقابية أعلى داخل هيكل منظمة التحرير لمراجعة هذه القرارات، ما يمنح مرونة واسعة في إدارة المؤسسة في ظل غياب انعقاد منتظم للمجلس الوطني نفسه. وعليه، فمن المنظور القانوني والإداري، فإن القرار يحمل مشروعية داخل إطار منظمة التحرير طالما تم باسم هيئتها التنفيذية، ويستند إلى الصلاحيات المنصوص عليها في النظام الأساسي.
رغم الشكل القانوني الظاهري، إلا أن القرار ربما يثير جملة من التحديات القانونية، والإشكالات داخل المجلس وخارجه. بداعي أن المجلس الوطني الحالي، واللجنة التنفيذية المنبثقة عنه، كلاهما منتهي الولاية منذ سنوات طويلة، ولم يُجدَّد تفويضهما من خلال انتخابات حقيقية أو توافق وطني جامع. فهم يرون أن هذا الفراغ يضعف الأساس التمثيلي لأي قرار يصدر عنهما، حتى لو استند شكلياً إلى النظام الأساسي. ويجعله عرضة للطعون السياسية والأخلاقية، خاصة في ظل غياب المحاسبة والرقابة المؤسسية. ويطرح تساؤلات حول أهليّة الجهة المقرِّرة. ورغم أن هذا الطرح له وجاهته وله أنصاره، إلا أن نص المادة السادسة من النظام الأساس للمجلس الوطني وضمن الفقرة الأولى والثانية عالجت تعذر إجراء الانتخابات، وحالات شغور مقعد أو أكثر وملئ المقاعد الشاغرة. ورغم ذلك لم يمهل تحالف القوى الفلسطينية (بما يشمل حماس والجهاد والجبهة الشعبية) الرئيس عباس طويلاً حتى أصدر بياناً عاجلاً (21 تموز/يوليو 2025) يرفض القرار ويصفه بالقرار الأحادي، ويطالب بإعادة بناء المجلس الوطني عبر حوار شامل وثوابت وطنية. مع أن الرفض لن يوقف الانتخابات بالقوة، لكنه سيجعلها جوفاء، ويعمّق الانقسام بدل معالجته.
ومن ثم يظهر تحدي غياب المرجعية الدستورية الموحدة لتنظم الانتخابات، حيث يرى البعض عدم وجود دستور فلسطيني دائم أو قانون موحد ينظم إجراءات انتخابات المجلس الوطني بشكل واضح، حيث تعتمد العملية على أنظمة ولوائح داخلية أُقرت في ظروف سياسية استثنائية. متغافلين نص المادة الثانية من النظام والتي أعطت الحق لمنظمة التحرير الفلسطينية في مباشرة مسؤولياتها وفق مبادئ الميثاق الوطني وأحكام النظام الأساسي، استناداً إليهما وإلى ما يصدر عنهما من لوائح وأحكام وقرارات. وبالتالي توجد شرعية قانونية ودستورية لكافة القرارات الصادرة عن المجلس الوطني واللجنة التنفيذية.
كما أن العلاقة بين السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، رغم ارتباط الشخصيات والقيادات، تبقى مثار جدل، وغير مضبوطة في نصوص دستورية دقيقة، ما يخلق تشابكاً قانونياً وغموض في الصلاحيات يحتاج إلى تفكيك منهجي. كما أن البعض يرى القرار أحادي تم دون توافق وطني، وأي قرار مصيري يتعلق بإعادة بناء مؤسسة بحجم المجلس الوطني الفلسطيني يجب أن ينبع من حوار وطني شامل، خصوصاً أن قوى فلسطينية رئيسية مثل حركتي حماس والجهاد الإسلامي لا تزالان خارج إطار المنظمة، وبالتالي فإن اتخاذ قرارات من جانب واحد – ولو بدا قانونياً شكلياً – يُضعف الشرعية السياسية وقد يعمّق الانقسام الداخلي.
من أبرز التحديات التي تواجه القرار المفهوم المتكامل للشرعية: ففي علوم القانون الدستوري، الشرعية لا تُقاس فقط بالامتثال للنصوص، بل بمقدار تمثيل الإرادة الشعبية وتحقيق التوازن بين الشكل والمضمون. والقرارات التي تُتخذ في غياب قاعدة انتخابية حقيقية، وضمن مؤسسات شبه منتهية الولاية، تبقى رهينة "الشرعية الشكلية" ولا تؤسس بالضرورة لـ "شرعية سياسية" مستدامة. ومن منظور القانون الإداري، فإن قرارات السلطات الإدارية – حتى لو استندت إلى صلاحياتها النظامية – وكانت قانونية شكلاً قد تكون معيبة. إذا صدرت في ظل انعدام المشروعية الإجرائية، أو إذا أُخذت دون احترام لمبدأ المشاركة العامة، ما يجعل القرار يفتقر لركيزة "القرار العام الرشيد". الذي يُعد حجر الزاوية في اتخاذ القرار.
إن المجلس الوطني الفلسطيني لا يُمثّل فقط مؤسسة تشريعية في إطار منظمة التحرير، بل يُجسّد الذاكرة الوطنية الجامعة والإطار الذي يُفترض أن تُصاغ فيه الرؤية الفلسطينية المستقبلية. ومع غيابه لسنوات، وانكماش دوره إلى حدود رمزية، باتت الحاجة ملحّة ليس فقط لتجديد عضويته، بل لإعادة تعريف دوره ووظيفته، في ظل التحولات الإقليمية والداخلية. فإذا كانت الانتخابات وسيلة لإعادة تشكيل الجسم التمثيلي، فإن الهدف الأعمق يجب أن يكون إعادة الاعتبار لوظيفة المجلس الوطني كمحورٍ لوحدة القرار السياسي الفلسطيني، وساحةٍ للحوار بين جميع مكونات الشعب الفلسطيني، داخل الوطن والشتات. وأي اختزال للعملية في بعدها الإجرائي، دون مراجعة دور المجلس ومكانته، سيؤدي إلى إعادة إنتاج أزمة التمثيل بدل حلّها. أما إذا استُخدم القرار كبوابة لانفتاح سياسي شامل، وكمقدمة لإصلاح منظمة التحرير، فإنه سيكون خطوة نوعية في مسار استعادة الحياة السياسية الفلسطينية من حالة الجمود والانقسام.
وفي إطار الحديث عن قرار الرئيس هذا يبقى السؤال الدقيق جداً، وهو في صلب الإشكاليات الواقعية التي تُواجه أي قرار بإجراء انتخابات للمجلس الوطني أو حتى التشريعي/الرئاسي. هل ستسمح إسرائيل بإجراء الانتخابات؟ وهل يمكن إجراء انتخابات في الضفة والقدس وفي قطاع غزة؟ الإجابة تتعلق بـثلاثة مستويات: الضفة الغربية: إسرائيل قد تتغاضى عن الانتخابات هناك، بشرط ألا تُشارك فيها حماس أو قوى تصفها بـ"الإرهابية". حدث سابقاً في انتخابات 2006، ثم ندمت إسرائيل على سماحها بمشاركة حماس. أما عن القدس فإسرائيل ترفض تماماً إجراء أي انتخابات فلسطينية في القدس، وتمنع الدعاية والتصويت هناك حتى الكترونياً. وهذا كان أحد أسباب تأجيل الانتخابات الأخيرة عام 2021. وقطاع غزة: إسرائيل لا تتدخل مباشرة، لكنها قد تعرقل الانتخابات لوجستياً (حظر مواد انتخابية، منع تنقل مراقبين، قطع الاتصالات، منع التنسيق عبر المعابر). ومن حيث السيطرة الجغرافية والإدارية، فغزة خاضعة فعلياً لسيطرة حركة حماس منذ عام 2007. وأي انتخابات داخل غزة تحتاج إلى موافقة وتنسيق مع حماس، من حيث: فتح مراكز الاقتراع. ضمان الأمن. تمكين لجنة الانتخابات من العمل بحرية. بالتالي: بدون توافق سياسي بين السلطة الفلسطينية وحماس، من شبه المستحيل إجراء انتخابات نزيهة وشاملة في غزة.
رغم أن القرار يستند ظاهرياً إلى صلاحيات النظام الأساسي لمنظمة التحرير، إلا أنه يعاني من عيوب جوهرية تتعلق بـ: ضعف التمثيل. غياب التوافق الوطني. افتقار المرجعية الدستورية الموحدة. صعوبة التنفيذ الواقعي. وبالتالي، فإن القرار شرعي شكلياً، لكنه معرض لطعون في مشروعيته القانونية والسياسية والوظيفية. لذا أرى أن قرار الرئيس لإجراء انتخابات المجلس الوطني يبدو أقرب إلى خطوة سياسية رمزية منه إلى خطة تنفيذية حقيقية. ففاعليته مرهونة بثلاثة شروط: موافقة إسرائيل (وهي شبه مستحيلة حالياً)، توافق وطني شامل (غائب حتى اللحظة)، إرادة فلسطينية حقيقية بتجديد الشرعيات وليست فقط إعادة تدويرها. فالدعوة رغم ما تحمله من مضامين سياسية هامة، تصطدم بجدار هذه الشروط. وبالتالي، تصبح الدعوة أقرب إلى إعلان نوايا سياسي يُراد به تجديد مشروعية القيادة أمام المجتمع الدولي، لا خطة قابلة للتنفيذ.
يضع الرئيس بهذه الدعوة الكرة في ملعب كافة الفصائل، بما فيها: (تحالف القوى الفلسطينية)، ويظهر نفسه كمن يسعى لتجديد الشرعيات وإنهاء الانقسام، وبالتالي يُبرّئ نفسه من جمود النظام السياسي. والعمل على تعزيز الشرعية أمام التحولات الإقليمية: في ظل التغيرات الإقليمية (صفقات محتملة، مساعٍ لتسويات)، كما يريد الرئيس أن يظهر بأن المنظمة لا تزال الممثل الشرعي، ويتمسك بإعادة تفعيل مؤسساتها. ومن هنا فعلياً: القرار لن يُفضي إلى انتخابات شاملة طالما لم يتم التوافق الوطني المسبق ولم تُحلّ عقدة القدس وغزة. ومن الناحية الرمزية والسياسية: فالقرار قد يُستخدم كورقة ضغط أو لإعادة تحريك الملف الفلسطيني دولياً، لكنه سيبقى بلا نتائج عملية ما لم يُترجم إلى تفاهم وطني شامل.
بقلم: حلمي أبو طه
في خطوة مفصلية، أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس قراراً يدعو إلى إجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني قبل نهاية العام الجاري. ورغم تلك الأهمية، لا أراه يحظى بمتابعة واسعة من الشارع الفلسطيني، إلا أنه يثير إشكاليات تستوجب الوقوف عندها بمسؤولية، بعيداً عن الانفعال السياسي أو التحيز الفصائلي. فالحديث هنا يتجاوز المسألة الإجرائية إلى عمق الأسس التي تقوم عليها الشرعية السياسية والدستورية في السياق الفلسطيني المعقد.
تُعد منظمة التحرير الفلسطينية، وفق النظام الأساسي المعتمد منذ 1968 وتعديلاته، الكيان التمثيلي الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. والمجلس الوطني الفلسطيني هو الهيئة التشريعية العليا داخل هذه المنظمة، وهو الذي يضع سياسة المنظمة ومخططاتها وبرامجها. بينما اللجنة التنفيذية هي الجهة التنفيذية المنبثقة عنه، ويرأسها الرئيس محمود عباس. ويمنح النظام الأساسي لمنظمة التحرير لرئيس اللجنة التنفيذية سلطة الدعوة لانعقاد المجلس الوطني أو اتخاذ قرارات تنظيمية بشأنه، بما في ذلك التحضير للانتخابات، شريطة أن يتم ذلك باسم اللجنة التنفيذية. ولا توجد جهة رقابية أعلى داخل هيكل منظمة التحرير لمراجعة هذه القرارات، ما يمنح مرونة واسعة في إدارة المؤسسة في ظل غياب انعقاد منتظم للمجلس الوطني نفسه. وعليه، فمن المنظور القانوني والإداري، فإن القرار يحمل مشروعية داخل إطار منظمة التحرير طالما تم باسم هيئتها التنفيذية، ويستند إلى الصلاحيات المنصوص عليها في النظام الأساسي.
رغم الشكل القانوني الظاهري، إلا أن القرار ربما يثير جملة من التحديات القانونية، والإشكالات داخل المجلس وخارجه. بداعي أن المجلس الوطني الحالي، واللجنة التنفيذية المنبثقة عنه، كلاهما منتهي الولاية منذ سنوات طويلة، ولم يُجدَّد تفويضهما من خلال انتخابات حقيقية أو توافق وطني جامع. فهم يرون أن هذا الفراغ يضعف الأساس التمثيلي لأي قرار يصدر عنهما، حتى لو استند شكلياً إلى النظام الأساسي. ويجعله عرضة للطعون السياسية والأخلاقية، خاصة في ظل غياب المحاسبة والرقابة المؤسسية. ويطرح تساؤلات حول أهليّة الجهة المقرِّرة. ورغم أن هذا الطرح له وجاهته وله أنصاره، إلا أن نص المادة السادسة من النظام الأساس للمجلس الوطني وضمن الفقرة الأولى والثانية عالجت تعذر إجراء الانتخابات، وحالات شغور مقعد أو أكثر وملئ المقاعد الشاغرة. ورغم ذلك لم يمهل تحالف القوى الفلسطينية (بما يشمل حماس والجهاد والجبهة الشعبية) الرئيس عباس طويلاً حتى أصدر بياناً عاجلاً (21 تموز/يوليو 2025) يرفض القرار ويصفه بالقرار الأحادي، ويطالب بإعادة بناء المجلس الوطني عبر حوار شامل وثوابت وطنية. مع أن الرفض لن يوقف الانتخابات بالقوة، لكنه سيجعلها جوفاء، ويعمّق الانقسام بدل معالجته.
ومن ثم يظهر تحدي غياب المرجعية الدستورية الموحدة لتنظم الانتخابات، حيث يرى البعض عدم وجود دستور فلسطيني دائم أو قانون موحد ينظم إجراءات انتخابات المجلس الوطني بشكل واضح، حيث تعتمد العملية على أنظمة ولوائح داخلية أُقرت في ظروف سياسية استثنائية. متغافلين نص المادة الثانية من النظام والتي أعطت الحق لمنظمة التحرير الفلسطينية في مباشرة مسؤولياتها وفق مبادئ الميثاق الوطني وأحكام النظام الأساسي، استناداً إليهما وإلى ما يصدر عنهما من لوائح وأحكام وقرارات. وبالتالي توجد شرعية قانونية ودستورية لكافة القرارات الصادرة عن المجلس الوطني واللجنة التنفيذية.
كما أن العلاقة بين السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، رغم ارتباط الشخصيات والقيادات، تبقى مثار جدل، وغير مضبوطة في نصوص دستورية دقيقة، ما يخلق تشابكاً قانونياً وغموض في الصلاحيات يحتاج إلى تفكيك منهجي. كما أن البعض يرى القرار أحادي تم دون توافق وطني، وأي قرار مصيري يتعلق بإعادة بناء مؤسسة بحجم المجلس الوطني الفلسطيني يجب أن ينبع من حوار وطني شامل، خصوصاً أن قوى فلسطينية رئيسية مثل حركتي حماس والجهاد الإسلامي لا تزالان خارج إطار المنظمة، وبالتالي فإن اتخاذ قرارات من جانب واحد – ولو بدا قانونياً شكلياً – يُضعف الشرعية السياسية وقد يعمّق الانقسام الداخلي.
من أبرز التحديات التي تواجه القرار المفهوم المتكامل للشرعية: ففي علوم القانون الدستوري، الشرعية لا تُقاس فقط بالامتثال للنصوص، بل بمقدار تمثيل الإرادة الشعبية وتحقيق التوازن بين الشكل والمضمون. والقرارات التي تُتخذ في غياب قاعدة انتخابية حقيقية، وضمن مؤسسات شبه منتهية الولاية، تبقى رهينة "الشرعية الشكلية" ولا تؤسس بالضرورة لـ "شرعية سياسية" مستدامة. ومن منظور القانون الإداري، فإن قرارات السلطات الإدارية – حتى لو استندت إلى صلاحياتها النظامية – وكانت قانونية شكلاً قد تكون معيبة. إذا صدرت في ظل انعدام المشروعية الإجرائية، أو إذا أُخذت دون احترام لمبدأ المشاركة العامة، ما يجعل القرار يفتقر لركيزة "القرار العام الرشيد". الذي يُعد حجر الزاوية في اتخاذ القرار.
إن المجلس الوطني الفلسطيني لا يُمثّل فقط مؤسسة تشريعية في إطار منظمة التحرير، بل يُجسّد الذاكرة الوطنية الجامعة والإطار الذي يُفترض أن تُصاغ فيه الرؤية الفلسطينية المستقبلية. ومع غيابه لسنوات، وانكماش دوره إلى حدود رمزية، باتت الحاجة ملحّة ليس فقط لتجديد عضويته، بل لإعادة تعريف دوره ووظيفته، في ظل التحولات الإقليمية والداخلية. فإذا كانت الانتخابات وسيلة لإعادة تشكيل الجسم التمثيلي، فإن الهدف الأعمق يجب أن يكون إعادة الاعتبار لوظيفة المجلس الوطني كمحورٍ لوحدة القرار السياسي الفلسطيني، وساحةٍ للحوار بين جميع مكونات الشعب الفلسطيني، داخل الوطن والشتات. وأي اختزال للعملية في بعدها الإجرائي، دون مراجعة دور المجلس ومكانته، سيؤدي إلى إعادة إنتاج أزمة التمثيل بدل حلّها. أما إذا استُخدم القرار كبوابة لانفتاح سياسي شامل، وكمقدمة لإصلاح منظمة التحرير، فإنه سيكون خطوة نوعية في مسار استعادة الحياة السياسية الفلسطينية من حالة الجمود والانقسام.
وفي إطار الحديث عن قرار الرئيس هذا يبقى السؤال الدقيق جداً، وهو في صلب الإشكاليات الواقعية التي تُواجه أي قرار بإجراء انتخابات للمجلس الوطني أو حتى التشريعي/الرئاسي. هل ستسمح إسرائيل بإجراء الانتخابات؟ وهل يمكن إجراء انتخابات في الضفة والقدس وفي قطاع غزة؟ الإجابة تتعلق بـثلاثة مستويات: الضفة الغربية: إسرائيل قد تتغاضى عن الانتخابات هناك، بشرط ألا تُشارك فيها حماس أو قوى تصفها بـ"الإرهابية". حدث سابقاً في انتخابات 2006، ثم ندمت إسرائيل على سماحها بمشاركة حماس. أما عن القدس فإسرائيل ترفض تماماً إجراء أي انتخابات فلسطينية في القدس، وتمنع الدعاية والتصويت هناك حتى الكترونياً. وهذا كان أحد أسباب تأجيل الانتخابات الأخيرة عام 2021. وقطاع غزة: إسرائيل لا تتدخل مباشرة، لكنها قد تعرقل الانتخابات لوجستياً (حظر مواد انتخابية، منع تنقل مراقبين، قطع الاتصالات، منع التنسيق عبر المعابر). ومن حيث السيطرة الجغرافية والإدارية، فغزة خاضعة فعلياً لسيطرة حركة حماس منذ عام 2007. وأي انتخابات داخل غزة تحتاج إلى موافقة وتنسيق مع حماس، من حيث: فتح مراكز الاقتراع. ضمان الأمن. تمكين لجنة الانتخابات من العمل بحرية. بالتالي: بدون توافق سياسي بين السلطة الفلسطينية وحماس، من شبه المستحيل إجراء انتخابات نزيهة وشاملة في غزة.
رغم أن القرار يستند ظاهرياً إلى صلاحيات النظام الأساسي لمنظمة التحرير، إلا أنه يعاني من عيوب جوهرية تتعلق بـ: ضعف التمثيل. غياب التوافق الوطني. افتقار المرجعية الدستورية الموحدة. صعوبة التنفيذ الواقعي. وبالتالي، فإن القرار شرعي شكلياً، لكنه معرض لطعون في مشروعيته القانونية والسياسية والوظيفية. لذا أرى أن قرار الرئيس لإجراء انتخابات المجلس الوطني يبدو أقرب إلى خطوة سياسية رمزية منه إلى خطة تنفيذية حقيقية. ففاعليته مرهونة بثلاثة شروط: موافقة إسرائيل (وهي شبه مستحيلة حالياً)، توافق وطني شامل (غائب حتى اللحظة)، إرادة فلسطينية حقيقية بتجديد الشرعيات وليست فقط إعادة تدويرها. فالدعوة رغم ما تحمله من مضامين سياسية هامة، تصطدم بجدار هذه الشروط. وبالتالي، تصبح الدعوة أقرب إلى إعلان نوايا سياسي يُراد به تجديد مشروعية القيادة أمام المجتمع الدولي، لا خطة قابلة للتنفيذ.
يضع الرئيس بهذه الدعوة الكرة في ملعب كافة الفصائل، بما فيها: (تحالف القوى الفلسطينية)، ويظهر نفسه كمن يسعى لتجديد الشرعيات وإنهاء الانقسام، وبالتالي يُبرّئ نفسه من جمود النظام السياسي. والعمل على تعزيز الشرعية أمام التحولات الإقليمية: في ظل التغيرات الإقليمية (صفقات محتملة، مساعٍ لتسويات)، كما يريد الرئيس أن يظهر بأن المنظمة لا تزال الممثل الشرعي، ويتمسك بإعادة تفعيل مؤسساتها. ومن هنا فعلياً: القرار لن يُفضي إلى انتخابات شاملة طالما لم يتم التوافق الوطني المسبق ولم تُحلّ عقدة القدس وغزة. ومن الناحية الرمزية والسياسية: فالقرار قد يُستخدم كورقة ضغط أو لإعادة تحريك الملف الفلسطيني دولياً، لكنه سيبقى بلا نتائج عملية ما لم يُترجم إلى تفاهم وطني شامل.

التعليقات