من تفكيك حماس إلى إلغاء الكيانية.. نتنياهو يرسم ملامح المرحلة

من تفكيك حماس إلى إلغاء الكيانية.. نتنياهو يرسم ملامح المرحلة
من تفكيك حماس إلى إلغاء الكيانية.. نتنياهو يرسم ملامح المرحلة 

بقلم: جواد العقَّاد | كاتب سياسي 

خطاب نتنياهو الأخير لا يحمل جديداً في مضمونه، لكنه يكرّس بوضوح استراتيجية الاحتلال للمرحلة القادمة، مستنداً إلى ما يعتبره "تحوّلاً تاريخيّاً" بعد السابع من أكتوبر. خمسة أهداف يطرحها كمدخل لإنهاء الحرب: نزع سلاح حماس، الإفراج عن الأسرى، تفكيك الحركة بالكامل، إنشاء محيط أمني يعيد هندسة حدود غزة، ثم فرض نظام حكم جديد لا يكون إسرائيليّاً صراحة، لكنه أيضاً لا يحمل أي صفة سيادية فلسطينية.

اللافت في الخطاب أن نتنياهو لا يكتفي بإسقاط حماس سياسياً وعسكرياً، ويتجاوز ذلك نحو نزع الشرعية عن كل الكيانية الوطنية الفلسطينية. فهجومه المباشر على السلطة الوطنية، ورفضه الصريح لها كجهة شرعية أو شريك سياسي، تعبير عن مسار متكامل يراد فرضه بالقوة: لا دولة، لا سلطة، ولا حتى منظمة تحرير. كل ما هو سياسي فلسطيني خارج عن المنظور الإسرائيلي للحل.

يرى نتنياهو أن السلطة تسعى لتقويض "السيادة الإسرائيلية" من بوابة القانون الدولي، وتُعد الأجيال لضرب "أمن إسرائيل" مستقبلاً. وهنا يتحول الصراع من مواجهة مع تنظيم مسلح إلى صراع مع المشروع الوطني برمّته، أي أن ما هو مستهدف ليس سلاح حماس فقط، بل أدوات التعبير الفلسطيني وموقعه في الإقليم والعالم.

يحاول نتنياهو تحميل حماس وحدها مسؤولية الحرب، ويتهمها بتعطيل كل مبادرات وقف إطلاق النار، متجاهلاً أن الاحتلال هو من يغلق الأفق السياسي، ويمنع أي صيغة شراكة وطنية، ويرفض تمكين منظمة التحرير، رغم أنها الجهة المعترف بها دولياً، والسلطة القائمة على التمثيل السياسي والدبلوماسي في معظم دول العالم.

الاحتلال يلوّح باجتياح غزة واحتلال مناطقها تباعاً، لا كهدف في ذاته، وإنما كوسيلة لفرض هذا الواقع الأمني والسياسي الجديد. وهنا يصبح التلويح بالسيطرة على مدينة غزة ومخيمات الوسط وغيرها من المناطق أكثر من أداة ضغط تفاوضي، قد يتحول إلى واقع دائم إذا لم تتغير قواعد الاشتباك السياسي.

الحرب مستمرة، والخطاب الإسرائيلي يزداد حدة، فيما يظهر نتنياهو كمن يقدّم نفسه للعالم بأنه ما زال يمسك بخيوط اللعبة، وأن لا نهاية لهذه الجولة دون فرض حلٍ على مقاس الرؤية الأمنية الإسرائيلية. في المقابل، يبدو الموقف الدولي – رغم اتساع التضامن الشعبي – عاجزاً عن تقديم إجابة حقيقية أو مبادرة قادرة على إيقاف الكارثة.

المدخل لأي حل واقعي لا يمر فقط من بوابة التفاهمات الإنسانية أو المبادرات الإغاثية، بقدر ما يبدأ بإعادة الاعتبار للتمثيل الفلسطيني السياسي، من خلال منظمة التحرير، وتحمّلها مسؤولية الإشراف على غزة ضمن توافق وطني شامل ودعم عربي ودولي فعّال.. لا يمكن تجاوز هذه اللحظة دون استعادة الشراكة الوطنية، وإلا فإن مشروع الاحتلال في فرض وقائع جديدة سيستمر ويتجذّر. فالسابع من أكتوبر مفصل سياسي يعيد تشكيل القضية من جديد. ومعالم المرحلة ما بعد أكتوبر تُكتب الآن، لا على طاولة المفاوضات، بل على الأرض، ومن لم يكن حاضراً فيها بمشروع وطني واضح سيكون خارج الحسابات.

التعليقات