كفى استدعاءً للماضي.. آن أوان الخطاب الوطني

كفى استدعاءً للماضي.. آن أوان الخطاب الوطني
كفى استدعاءً للماضي.. آن أوان الخطاب الوطني 

بقلم: حلمي أبو طه

في ظل ما يعيشه الشعب الفلسطيني من نكبة مستمرة، وتحديات وجودية غير مسبوقة، بات من الضروري أن نعيد النظر في طبيعة النقاش والخطاب المتبادل بين أبناء الوطن الواحد. فمن المؤسف أن يتحول النقاش إلى مبارزات أخلاقية يوزّع فيها البعض صكوك الإيمان والجهاد والكرامة حسب الانتماء التنظيمي، وكأن المجاهد لا يُولد إلا في بيئة حزبية واحدة، وكأن الوطنية انحصرت في زاوية واحدة فقط. لقد سئمنا من أسلوب البعض الكثير في الزج الدائم بحركة فتح والسلطة الفلسطينية والضفة الغربية، في منشوراتهم وبما يكتبون وينشرون، حتى أضحى كل نقاش وكأنه الماضي. وكأننا نعيش في دائرة لا مخرج منها سوى جلد الذات أو تصفية الحسابات.

حين نطرح رأياً أو نعبر عن موقف تجاه حدث مفصلي – كعملية السابع من أكتوبر أو تداعياتها الكارثية على شعبنا – فإننا لا نفعل ذلك من باب العداء للمقاومة أو الإنكار للتضحيات، بل من باب الحرص والمسؤولية. لكننا نجد أنفسنا دائماً أمام ردود تتعمد التهرب من لب النقاش، وتفتح دفاتر الماضي، وشيطنة كل من لم يكن في صفّ "المجاهدين"، وتضع الضفة وأجهزتها الأمنية في قفص الاتهام الأبدي، وكأن الوطنية حكر على فصيل دون غيره. فلم يعد مقبولاً أن يُختزل النقاش الوطني في مقارنات سطحية بين "عقيدة المقاومة" و"عقيدة التنسيق الأمني"، أو بين "المجاهد الذي تربى على موائد الرحمن" و"الموظف الذي خدم تحت مظلة السلطة". الوطن ليس تنظيماً، ولا يمكن حصر الإخلاص له في لون حزبي أو سلوك فصائلي. لا أحد يملك حق توزيع شهادات الوطنية ولا احتكار تمثيل فلسطين.

إن الوفاء الحقيقي للوطن لا يقاس فقط بعدد الطلقات أو المواقف الإعلامية، بل يُقاس بحجم ما يحققه كل فعل من منفعة للناس، وبقدرته على حماية الأرواح، والحفاظ على وحدة الصف، ومنع التهجير والتدمير، وخلق الأمل في البقاء. نعم، قد نختلف في التقييم. نعم، نرى أن طوفان الأقصى، رغم ما حمل من رمزية، لم يكن قراراً حكيماً بالنظر إلى نتائجه. نعم، نرفض تسويق الوهم على أنه نصر. لكننا لا نطعن في نية من حمل البندقية دفاعاً عن الأرض، كما لا نقبل بطعن من يشكك فيمن خدم بصمت في ميادين السياسة، والتعليم، والإدارة، والمجتمع، والصحة. لقد آن الأوان أن يتحرر الخطاب الوطني من عقلية التشظي والاتهام، وأن ننطلق إلى مرحلة جديدة من المسؤولية الجماعية، التي تحترم التضحيات دون أن تبرر الأخطاء، وتقدّر الاجتهادات دون أن تُقدّسها، وتفتح باب المراجعة بدلاً من تسليح التاريخ ضد الحاضر. فالوطن أكبر من أي تنظيم، والدم الفلسطيني أغلى من أي سردية انتصار.

في كل مرة أحاول أن أدخل نقاشاً وطنياً جاداً، ينقلب الحوار سريعاً إلى ساحة اتهامات ودفاتر قديمة، وشيطنة لكل ما له علاقة بحركة فتح أو السلطة في رام الله. والأسوأ أن بعض من يتبنون هذا الأسلوب، يُنصّبون أنفسهم حراساً للوطنية، بينما لا يترددون في تخوين كل من يختلف معهم، بل ويستخدمون لغة هجومية لا تليق بقضية سامية كقضيتنا. حوار من نوع: "نحن أبناء موائد الرحمن، وأنتم تربّيتم تربية أخرى"، لا يُعبّر عن روح الجهاد، بل عن غرور مرضي وتفوق أخلاقي مزعوم، يتناقض مع جوهر التضحية التي لا تعرف إلا وجهة واحدة هي: فلسطين. ماذا يعني أن تقرأ منشورات تصف من ينتقد "طوفان الأقصى" بالخسّة واللاوطنية، فقط لأنه رأى أن ما جرى جلب الويلات. وكأن المطلوب هو التصفيق للدمار أو الصمت أمام الكارثة! هذا ليس حواراً بل فرض وصاية فكرية ومزاج حزبي لا يحتمل النقد.

مثل هذه اللغة أوصلتني إلى قناعة مؤلمة: لا مجال لنقاش ناضج مع من يرى في الاختلاف خيانة، وفي النقد استهدافاً، وفي الماضي ذريعةً لتبرير الحاضر مهما كان ثمنه. وإذا كان المجاهد يُطعَن من ظهره، فليُحدّد من الطاعن: هل هو من ينتقد الأداء أو من يزج بالشعب في المذبحة دون أفق ولا مسؤولية سياسية؟ الكتائب والمقاومون في الميدان يستحقون الاحترام والتقدير لتضحياتهم، ولكن لا يجوز تحويل تضحياتهم إلى أداة لتحقير الآخرين وتجريدهم من وطنيتهم. المقارنة المطلقة بين "مقاوم ملائكي" و"عنصر سلطة خائن" ليست فقط ظالمة، بل تختصر الشعب الفلسطيني إلى لون واحد، وتلغي نصفه الآخر عن الخارطة. الضفة الغربية قدّمت شهداء من الأجهزة الأمنية، كما في المخابرات والشرطة والوقائي، قتلهم الاحتلال على الحواجز أو في ساحات المواجهة. فهم ليسوا مجرد "حرّاس للاحتلال" كما يدعي الخطاب المتعجرف.

من المؤسف أن يُختزل النقاش الوطني في ثنائية حادّة: إما معنا أو ضدنا. فبعض الأصوات، تتعامل مع كل من يعبّر عن رأي مختلف باعتباره عميلاً أو مشبوهاً أو خائناً. وقد ظهرت هذه النزعة بوضوح في اتهام من يقول: - إن السابع من أكتوبر سبباً في دمار غزة – فقد تم تقزيم وجهة نظره بعبارة: "ستظل تائهاً لأنك ربطت نتيجة وسخة بسبب نظيف". مثل هذه العبارات تعكس أزمة في قبول الآخر، وتحمل طابعاً إقصائياً، وتفترض حتمية تفسير واحد للأحداث، وتُغلق باب الحوار الوطني الجاد، الذي يفترض أن يكون قائماً على التقييم الموضوعي للتجربة، لا على التقديس الأيديولوجي. ففي هذا السياق، لا يُطرح الرأي كوجهة نظر، بل يُمارَس حكم صريح بالإقصاء، بوصف المخالف بأنه "تائه"، أي ضال، فاقد للبوصلة، وربما خارج إطار الوطنية أو الرؤية السليمة. وهذه ليست مجرد اختلافات فكرية، بل إلغاء ضمني للآخر. 

المشكلة إذن ليست في الرأي، بل في طريقة التعبير عنه، التي تُحمّله أحكاماً ومواقف تتجاوز حدود الحوار. وقد كان من الأجدر – مثلاً – أن يقول: "أرى أن ما جرى في السابع من أكتوبر كان خطوة مشروعة ضمن مسار المقاومة"، لكن دون أن يسلب الآخرين حقهم في تبنّي قراءة مختلفة، ودون وصفهم بالتوهان، أو الجهل، أو العمالة. إن احترام الرأي المخالف ضرورة للخروج من دوامة التناحر والانقسام، وبداية لأي مشروع إنقاذ وطني حقيقي. فمن حق أي فلسطيني، بل من واجبه الوطني والأخلاقي، أن يُقيّم التجربة، ويسأل عن الجدوى والنتائج، دون أن يُصنّف أو يُخوّن. 

نحن اليوم أحوج ما نكون إلى مساحة حوار رحبة، تتسع لكل الآراء، وتُخرجنا من مأزق السردية الواحدة التي لا تُنتج وعياً، بل تُكرّس الاصطفاف والانقسام. أتمنى أن نواصل النقاش على قاعدة احترام الرأي والرأي الآخر، إيماناً بأننا – جميعاً – نحب هذا الوطن، وندفع أثماناً باهظة لأجله. فالاختلاف ليس خيانة، بل هو الشرارة الأولى في طريق الوعي.

التعليقات