بين غزة والقاهرة: تحديات التعليم المدرسي في زمن النزوح
رام الله - دنيا الوطن
تقرير: شروق ارحيم_غزة
لطالما شكّل التعليم لدى الشعب الفلسطيني، وتحديدًا في قطاع غزة، ركيزة أساسية للاستمرار والصمود في وجه الاحتلال والأزمات المتتالية. وبالرغم من الحرب الطاحنة التي مزّقت تفاصيل الحياة في غزة منذ أواخر 2023، بقيت العائلات متمسكة بخيار العلم كملاذ وحيد لضمان مستقبل أطفالها. ولدى من غادروا إلى مصر، بدا التعليم بمثابة فرصة للنجاة الذهنية، ونافذة لاستعادة الإحساس بالحياة. إلا أن الواقع لم يكن سهلًا، فكل بيت فيه طالب، وكل طالب خلفه حكاية من الصراع اليومي مع الغربة والمناهج الجديدة وتكاليف المعيشة.
منذ وصولها إلى مصر في 5 مايو 2024، وجدت آلاء أبو شرخ نفسها مسؤولة وحدها عن تعليم أبنائها الخمسة، في ظل غياب والدهم وظروف قاسية أثقلت كاهلها.
التحق أطفالها بمدارس أزهرية مصرية، بالتوازي مع متابعة التعليم الفلسطيني عبر المنصات الإلكترونية، وهو ما ولّد حالة من التشتت وازدواجية في المناهج، أضعفت قدرة الأطفال على الاستيعاب بعد عام كامل من التوقف بسبب الحرب.
تقول آلاء إن التحديات تبدأ من صعوبة التأقلم مع الثقافة التعليمية الجديدة، مرورًا بارتفاع تكاليف التعليم والمواصلات والكتب، وصولًا إلى الاعتماد الكبير على الدروس الخصوصية التي أصبحت عبئًا شبه مستحيل على ميزانية الأسرة. المدرسة بعيدة، والمواصلات مرهقة، والمستوى التعليمي كما تؤكد أقل من التعليم الذي اعتاد عليه أطفالها في غزة، حيث كانت الحصص الدراسية كافية دون الحاجة لتعزيز خارجي.
وبرغم أن أبناءها اجتازوا العام الدراسي بنجاح، إلا أن الطريق ما زال محفوفًا بالمصاعب. التعليم في مصر، كما تصفه، يعتمد بشكل مفرط على الدروس الخصوصية، ما يحوّل التحصيل العلمي إلى معركة مادية أكثر من كونه حقًا متاحًا، في حين أن التعليم في غزة رغم كل الظروف كان أكثر عدلًا وكفاءة. ومع ذلك، تبقى آلاء متمسكة بالأمل، وتسعى بما تستطيع لتأمين مستقبل أبنائها، حتى في ظل أصعب الظروف.
بعد شهور من النزوح والاضطراب، وجدت أسماء عمارة نفسها في القاهرة، تحاول إعادة أطفالها الأربعة إلى مقاعد الدراسة بعد انقطاع طويل. التحقت الأسرة بمصر في فبراير 2024، وسجّلت أبناءها في مدرسة أزهرية بعد عام من التعليم "أونلاين" الذي لم يُلبِّ الحد الأدنى من احتياجاتهم التعليمية. التحديات كانت كثيرة: غياب الأب، اختلاف المناهج، التشتت الذهني، وصعوبة التأقلم مع البيئة الجديدة. ومع كل ذلك، تقول أسماء إن أبناءها أتموا عامهم الدراسي بنجاح، رغم ضعف الاستيعاب في البداية وكثرة الضغط النفسي.
لم يكن التعليم وحده ما يُرهق هذه الأسرة، بل المصاريف اليومية التي تراكمت دون دخل ثابت، جعلت من كل مستلزم دراسي عبئًا ثقيلًا. لم تتمكن من توفير زي مدرسي أو اشتراك مواصلات آمن، فاضطرت للاعتماد على المواصلات العامة رغم المخاطر. ترى أسماء أن التعليم في مصر يفرض على الأهل تحمل كلفة الدروس الخصوصية، لأن الشرح داخل الصف لا يكفي، خلافًا لما اعتاده أطفالها في مدارس غزة. وبرغم كل التحديات، تتمسك بأمل بسيط: أن تكون السنة القادمة أقل قسوة، وأكثر استقرارًا لأطفالها.
تعيش لميس، الطالبة الغزّية ذات الـ16 عامًا، تجربة تعليمية معقدة منذ نزوحها إلى مصر، حيث تتابع دراستها الثانوية بنظام "أونلاين". رغم قرب المدرسة من مكان سكنها، فإنها تعتمد على الحصص الرقمية التي تصفها بغير الفعالة، بسبب الاكتظاظ في الصفوف الافتراضية، وضعف التفاعل، وغياب الشرح المفصّل. المواد العلمية تحديدًا باتت عقبة كبيرة، والمعلومة كما تقول لا تصل كما يجب، خاصة في ظل مشكلات تقنية متكررة، وانعدام المراعاة للفروق الفردية بين الطلاب.
تكاليف التعليم السنوية تصل إلى نحو 4000 جنيه، وهو مبلغ لا يُستهان به بالنسبة لأسرة تعيش على راتب محدود من السلطة الفلسطينية. وبرغم هذه التحديات، تحاول لميس تعويض نقص الفهم عبر متابعة الدروس على "يوتيوب"، لكنها تؤكد أن مستوى التعليم الذي تتلقاه الآن لا يُقارن بما اعتادت عليه في مدارس غزة. وتعتبر أن التعليم في مصر خصوصًا بنظامه الإلكتروني يُركّز على الكم لا الكيف، ويفتقر لشرح مباشر يراعي احتياجات الطلاب، ما يجعلها تتوق لعودة التعليم الوجاهي الحقيقي الذي عرفته في وطنها.
رغم الصعوبات التي تواجه العائلات الفلسطينية النازحة من غزة في مصر، يبقى التعليم بالنسبة لهم نافذة أمل. بين غربة المنهج وغلاء المصاريف وقلة الدعم، يتمسكون بحق أبنائهم في التعلم، مؤمنين بأن العلم سلاح الصمود. قصصهم تبرز أهمية توفير دعم مستمر كي لا يُحرم الجيل القادم من مستقبل أفضل.
تقرير: شروق ارحيم_غزة
لطالما شكّل التعليم لدى الشعب الفلسطيني، وتحديدًا في قطاع غزة، ركيزة أساسية للاستمرار والصمود في وجه الاحتلال والأزمات المتتالية. وبالرغم من الحرب الطاحنة التي مزّقت تفاصيل الحياة في غزة منذ أواخر 2023، بقيت العائلات متمسكة بخيار العلم كملاذ وحيد لضمان مستقبل أطفالها. ولدى من غادروا إلى مصر، بدا التعليم بمثابة فرصة للنجاة الذهنية، ونافذة لاستعادة الإحساس بالحياة. إلا أن الواقع لم يكن سهلًا، فكل بيت فيه طالب، وكل طالب خلفه حكاية من الصراع اليومي مع الغربة والمناهج الجديدة وتكاليف المعيشة.
منذ وصولها إلى مصر في 5 مايو 2024، وجدت آلاء أبو شرخ نفسها مسؤولة وحدها عن تعليم أبنائها الخمسة، في ظل غياب والدهم وظروف قاسية أثقلت كاهلها.
التحق أطفالها بمدارس أزهرية مصرية، بالتوازي مع متابعة التعليم الفلسطيني عبر المنصات الإلكترونية، وهو ما ولّد حالة من التشتت وازدواجية في المناهج، أضعفت قدرة الأطفال على الاستيعاب بعد عام كامل من التوقف بسبب الحرب.
تقول آلاء إن التحديات تبدأ من صعوبة التأقلم مع الثقافة التعليمية الجديدة، مرورًا بارتفاع تكاليف التعليم والمواصلات والكتب، وصولًا إلى الاعتماد الكبير على الدروس الخصوصية التي أصبحت عبئًا شبه مستحيل على ميزانية الأسرة. المدرسة بعيدة، والمواصلات مرهقة، والمستوى التعليمي كما تؤكد أقل من التعليم الذي اعتاد عليه أطفالها في غزة، حيث كانت الحصص الدراسية كافية دون الحاجة لتعزيز خارجي.
وبرغم أن أبناءها اجتازوا العام الدراسي بنجاح، إلا أن الطريق ما زال محفوفًا بالمصاعب. التعليم في مصر، كما تصفه، يعتمد بشكل مفرط على الدروس الخصوصية، ما يحوّل التحصيل العلمي إلى معركة مادية أكثر من كونه حقًا متاحًا، في حين أن التعليم في غزة رغم كل الظروف كان أكثر عدلًا وكفاءة. ومع ذلك، تبقى آلاء متمسكة بالأمل، وتسعى بما تستطيع لتأمين مستقبل أبنائها، حتى في ظل أصعب الظروف.
بعد شهور من النزوح والاضطراب، وجدت أسماء عمارة نفسها في القاهرة، تحاول إعادة أطفالها الأربعة إلى مقاعد الدراسة بعد انقطاع طويل. التحقت الأسرة بمصر في فبراير 2024، وسجّلت أبناءها في مدرسة أزهرية بعد عام من التعليم "أونلاين" الذي لم يُلبِّ الحد الأدنى من احتياجاتهم التعليمية. التحديات كانت كثيرة: غياب الأب، اختلاف المناهج، التشتت الذهني، وصعوبة التأقلم مع البيئة الجديدة. ومع كل ذلك، تقول أسماء إن أبناءها أتموا عامهم الدراسي بنجاح، رغم ضعف الاستيعاب في البداية وكثرة الضغط النفسي.
لم يكن التعليم وحده ما يُرهق هذه الأسرة، بل المصاريف اليومية التي تراكمت دون دخل ثابت، جعلت من كل مستلزم دراسي عبئًا ثقيلًا. لم تتمكن من توفير زي مدرسي أو اشتراك مواصلات آمن، فاضطرت للاعتماد على المواصلات العامة رغم المخاطر. ترى أسماء أن التعليم في مصر يفرض على الأهل تحمل كلفة الدروس الخصوصية، لأن الشرح داخل الصف لا يكفي، خلافًا لما اعتاده أطفالها في مدارس غزة. وبرغم كل التحديات، تتمسك بأمل بسيط: أن تكون السنة القادمة أقل قسوة، وأكثر استقرارًا لأطفالها.
تعيش لميس، الطالبة الغزّية ذات الـ16 عامًا، تجربة تعليمية معقدة منذ نزوحها إلى مصر، حيث تتابع دراستها الثانوية بنظام "أونلاين". رغم قرب المدرسة من مكان سكنها، فإنها تعتمد على الحصص الرقمية التي تصفها بغير الفعالة، بسبب الاكتظاظ في الصفوف الافتراضية، وضعف التفاعل، وغياب الشرح المفصّل. المواد العلمية تحديدًا باتت عقبة كبيرة، والمعلومة كما تقول لا تصل كما يجب، خاصة في ظل مشكلات تقنية متكررة، وانعدام المراعاة للفروق الفردية بين الطلاب.
تكاليف التعليم السنوية تصل إلى نحو 4000 جنيه، وهو مبلغ لا يُستهان به بالنسبة لأسرة تعيش على راتب محدود من السلطة الفلسطينية. وبرغم هذه التحديات، تحاول لميس تعويض نقص الفهم عبر متابعة الدروس على "يوتيوب"، لكنها تؤكد أن مستوى التعليم الذي تتلقاه الآن لا يُقارن بما اعتادت عليه في مدارس غزة. وتعتبر أن التعليم في مصر خصوصًا بنظامه الإلكتروني يُركّز على الكم لا الكيف، ويفتقر لشرح مباشر يراعي احتياجات الطلاب، ما يجعلها تتوق لعودة التعليم الوجاهي الحقيقي الذي عرفته في وطنها.
رغم الصعوبات التي تواجه العائلات الفلسطينية النازحة من غزة في مصر، يبقى التعليم بالنسبة لهم نافذة أمل. بين غربة المنهج وغلاء المصاريف وقلة الدعم، يتمسكون بحق أبنائهم في التعلم، مؤمنين بأن العلم سلاح الصمود. قصصهم تبرز أهمية توفير دعم مستمر كي لا يُحرم الجيل القادم من مستقبل أفضل.
