ليس دفاعاً عن فتح.. بل رفضاً للتبسيط وتبرئة الفاعلين
ليس دفاعاً عن فتح.. بل رفضاً للتبسيط وتبرئة الفاعلين
بقلم: حلمي أبو طه
ما كتبه د. خضر محجز تحت عنوان: "حركة فتح الغائبة عن صنع الحدث؟" هو في ظاهره وجع، وفي جوهره انحراف عن البوصلة الوطنية، حين يختزل المشهد المعقّد في تحميل طرف واحد وزر غياب الكل، وكأن التاريخ والميدان والسياسة باتوا يروَون بجملة واحدة. إن اختزال الكارثة الوطنية الكبرى في تقصير "فتح" وحدها، فيه تبرئة ضمنية لمن مارس الإقصاء بالسلاح، وسحب الشرعية بالقوة، وحوّل غزة إلى ساحة مغلقة أمام التعددية الوطنية. هذا كله فيه شيء من التبسيط لمعادلة أكثر تعقيداً. أقدّر الألم الصادق الذي ينساب من كلمات الدكتور خضر محجز، وأتفهم حرقته على وطن يُستنزف، وناس تُذبح، وساحة وطنية تتآكل. فتح لم تكن غائبة عن الساحة بإرادتها فقط، بل أُقصيت بقوة السلاح والسيطرة، وسُحبت منها الأرضية التنظيمية في غزة. وترافق مع منع أي نفَس سياسي مستقل، أو بنية تنظيمية منافسة. من السهل توجيه اللوم، لكن من الإنصاف أن نضع الأمور في سياقها المركب: سياق الانقسام، والقمع، والمصادرة، وغياب البيئة الوطنية الجامعة.
لسنا في معرض التبرئة، بل في مقام التفكيك العميق، فاللحظة الفلسطينية تحتاج إلى مساءلة الجميع، دون أن نغفل من استخدم البندقية لإقصاء الآخر، ومن صادر القرار، ومن اعتقل الفكرة قبل أن تنضج. ليست "فتح" فوق النقد، ولا ينبغي لها أن تكون كذلك، فهي حركة شعبية لها تاريخها وأخطاؤها، لكن ما ينبغي التنبه له أن نقدها لا يجوز أن يتحول إلى تبرئة ضمنية لغيرها، ممن ساهموا فعلاً في إقصائها، وتقويض المشروع الوطني برمته. ما نحن فيه اليوم ليس مجرد نتيجة لخطأ فصيل، بل حصيلة تراكُم من السياسات، والتناقضات، والانقسامات، التي فتّتت الجبهة الداخلية، وفتحت الباب واسعاً أمام تغوّل الاحتلال واستفراد غزة والضفة والقدس كلٌ على حدة. ومن المؤلم تحميل طرف واحد كامل أوزار اللحظة الكارثية. إن الانقسام الفلسطيني لم يكن مجرد خلاف سياسي، بل كان انقلاباً فعلياً على المشروع الوطني، وفتح كانت أول ضحاياه في غزة، حين أُقصيت لا سياسياً فقط، بل ميدانياً، وعلى مرأى من الجميع.
نعم، فتح ليست بريئة من كل شيء، ولا يجب أن تُرفع فوق النقد أو المساءلة. لكن الخطورة أن يتحول النقد إلى تسطيح، وتتحول الكتابة الوطنية إلى ذبح سياسي من طرف واحد، بينما الفاعل الحقيقي يبتسم في الخلفية. القول إن تغييب فتح قرار سياسي أو تواطؤ أو عجز أو جبن، هو تبنٍّ لرواية خادعة تُريح الفاعل الحقيقي وتُحمّل المفعول به كامل المسؤولية. فتح لم تغب بإرادتها، وعندما حاولت العودة، وتمد يدها لاستعادة الحد الأدنى من الوحدة، كان هناك من يضع كل الألغام في طريقها، ثم يُسائلها: لماذا لا تصل؟ في هذا المشهد المقلوب، تبدو الضحية متهمة، ويُغض الطرف عن الأخر الذي استفرد بالميدان، ومن حوّل الشراكة الوطنية إلى معادلة صفرية لا تقبل الآخر إلا خاضعاً أو غائباً.
منذ انقلاب 2007، فتح خارج المشهد التنظيمي في غزة، ليس لأنها "جبنت" أو "تواطأت"، بل لأنها مُنعت بالقوة. سُحقت بنيتها التنظيمية، أُغلقت مقارها ومؤسساتها، وطورد كوادرها ورموزها، بل قُتل بعضهم. وأمام هذا الواقع، يأتي البعض ليتساءل: لماذا أنتم غائبون؟ هذا التساؤل العبثي يشبه أن تقطع عن شخص أنفاسه ثم تعاتبه على قلة الكلام. فما يفعله الاحتلال اليوم في غزة من فرض واقع إداري ووظيفي هو نتيجة فراغ خلقه الانقسام، وليس فقط "غياب فتح". بل هو استثمار في الفراغ الذي خلقه الانقسام، وهو فراغ لم تخلقه فتح وحدها، بل خلقته كل الأطراف التي جعلت من الحكم غاية لا وسيلة، ومن المقاومة واجهة لا مضموناً. الانقسام لم يُقصِ "فتح" فقط، بل ضرب المشروع الوطني في عمقه، وأدخلنا جميعاً في مأزق الشرعية والوظيفة والدور. اللوم على فتح وحدها، وكأنها الجهة الوحيدة المؤهلة لإنقاذ ما يحدث، يتجاهل حقيقة أن النظام الفلسطيني كله — سلطة ومقاومة — مأزوم. لا يوجد طرف يملك شرعية مطلقة اليوم، بل كلنا مطالبون بإعادة قراءة الدور والوظيفة.
نعم، بعض خطاب فتح كان باهتاً، والمبادرات لم تكن بمستوى اللحظة. لكن لنسأل بصراحة: هل كانت فتح ستحظى بفرصة لتكون في قلب المشهد لو أرادت؟ وهل كان يُسمح لها بالتحرك بحرية؟ هل فُتحت لها المساجد والساحات والمخيمات كما فُتحت لمَن هم في موقع السيطرة؟ هل من الإنصاف أن نحاسبها وكأنها سلطة فعل وهي ممنوعة من الفعل؟ وإذا كانت هناك أصوات داخل فتح انساقت خلف مواقف باردة أو مترددة، فالصواب ليس بتعميم الأحكام، وبتعميم الإدانة، بل بدعوة صريحة لفتح باب المراجعة لا المزايدة. فالحركة التي كانت عماد المشروع الوطني لا تحتاج إلى من يبرر لها، بل إلى من يساعدها على استعادة دورها، بعيداً عن كليشيهات التخوين أو التغني بالماضي.
نعم في حركة فتح لا ندعي العصمة. لكننا لم تخطئ وحدنا. فقد أخطأ الجميع. أخطأ من سلّم غزة للاحتلال باسم "التمكين"، ومن فاوض بلا فائدة، ومن حوّل المقاومة إلى سلطة بلا بوصلة. أما أن نحمّل فتح وزر الفراغ الحالي، ثم نُبرّئ من صنع الانقسام، ورفض المصالحة، وأقصى الآخر، واحتكر الدم والقرار والراية، فهذه سقطة سياسية وفكرية لا تليق بمثقف بحجم الدكتور خضر محجز، الذي لطالما كان ضميراً للناس، لا سيفاً يُشهر في وجه الضحية. وفيما يخص من يقول من أبناء فتح "مش أنتم بدكم حماس؟" نعم، هذا خطاب معيب، لكنه أيضاً رد فعل بشري على سنوات من التخوين والإقصاء والتشهير. لكنه لا يختصر فتح، ولا يمثل "فتح" كحركة وطنية، تماماً كما لا تختصر أخطاء بعض فصائل المقاومة مشروعها بأكمله. الشعب الفلسطيني لم يختر أن يُعاقب، ولم يفوض أحداً ليذبحه جماعياً باسم خيارات لا يملكها، لكن هناك من اختار أن يختطف قراره باسم المقاومة. وهناك من احتكر الموت، وحوّل الخسارة إلى انتصار خطابي، وجعل من النكبة مادة إعلامية لا سياسية. في لحظة مفصلية كهذه، كان من المفترض أن تخرج فتح بكل طاقتها الوطنية والتنظيمية. نعم، لكنها ممنوعة من الفعل. محاصرة. تُعاقَب مرتين: مرة من الاحتلال، ومرة من شركاء الوطن. ثم تساءلوا بدهشة: لماذا لا تتحرك؟ والأخطر من كل هذا: أن نواصل تعويم المسؤولية تحت عناوين "كلنا مخطئون"، ثم نوجه السكاكين لفتح وحدها. كأنها الهدف الأسهل أو العنوان الأضعف. هذا ليس نقداً، بل انحياز ضمني للسائد، وخدمة مجانية لمَن يسعى لتثبيت الواقع بدل تغييره.
في الختام، ليس من العدل أن نُحمّل الصامت مسؤولية، ونتجاهل مَن يُمسك بالمكبرات ويصرخ. وليس من الحكمة أن نُحمّل الغائب المسؤولية، ونغض الطرف عن المُسيطر الذي يمسك بكل مفاتيح الفعل. نعم، لحركة "فتح" عثراتها، ولكن تغييبها عن المشهد الوطني لم يكن نتيجة فشل، بل نتيجة فعل قسري، جريمة سياسية وليست خياراً تنظيمياً. وعودتها اليوم ليست منّة من أحد، بل ضرورة وطنية ملحّة. فالتاريخ لا يرحم من تخلى، لكنه أيضاً لا يرحم من تواطأ على تهميش رافعة وطنية ظنّاً منه أنه قادر على حمل القضية وحده. في النهاية، لن تُحاسب فتح وحدها، بل سيُحاسَب الجميع: من حكم وغاب، ومن ناكف ولم يقدّم، ومن صمت في وقت كان الصراخ فيه شهادة. والأهم: سيُحاسَب – قبل الجميع – من مزّق الساحة الوطنية ومنع تشكل قيادة جامعة تليق بحجم الدم المسفوك، والوطن المستباح. ومن الإنصاف أن يكون النقد أداة للبناء، لا وسيلة للتشفي أو التفكيك. ومن الوطنية الصادقة أن نُحمّل المسؤوليات بعدالة، لا انتقائية، وأن ننتصر للكل الفلسطيني، لا أن نعيد إنتاج الإقصاء بثوب فكري أو بلغة تحريضية مغلفة بالألم.
بقلم: حلمي أبو طه
ما كتبه د. خضر محجز تحت عنوان: "حركة فتح الغائبة عن صنع الحدث؟" هو في ظاهره وجع، وفي جوهره انحراف عن البوصلة الوطنية، حين يختزل المشهد المعقّد في تحميل طرف واحد وزر غياب الكل، وكأن التاريخ والميدان والسياسة باتوا يروَون بجملة واحدة. إن اختزال الكارثة الوطنية الكبرى في تقصير "فتح" وحدها، فيه تبرئة ضمنية لمن مارس الإقصاء بالسلاح، وسحب الشرعية بالقوة، وحوّل غزة إلى ساحة مغلقة أمام التعددية الوطنية. هذا كله فيه شيء من التبسيط لمعادلة أكثر تعقيداً. أقدّر الألم الصادق الذي ينساب من كلمات الدكتور خضر محجز، وأتفهم حرقته على وطن يُستنزف، وناس تُذبح، وساحة وطنية تتآكل. فتح لم تكن غائبة عن الساحة بإرادتها فقط، بل أُقصيت بقوة السلاح والسيطرة، وسُحبت منها الأرضية التنظيمية في غزة. وترافق مع منع أي نفَس سياسي مستقل، أو بنية تنظيمية منافسة. من السهل توجيه اللوم، لكن من الإنصاف أن نضع الأمور في سياقها المركب: سياق الانقسام، والقمع، والمصادرة، وغياب البيئة الوطنية الجامعة.
لسنا في معرض التبرئة، بل في مقام التفكيك العميق، فاللحظة الفلسطينية تحتاج إلى مساءلة الجميع، دون أن نغفل من استخدم البندقية لإقصاء الآخر، ومن صادر القرار، ومن اعتقل الفكرة قبل أن تنضج. ليست "فتح" فوق النقد، ولا ينبغي لها أن تكون كذلك، فهي حركة شعبية لها تاريخها وأخطاؤها، لكن ما ينبغي التنبه له أن نقدها لا يجوز أن يتحول إلى تبرئة ضمنية لغيرها، ممن ساهموا فعلاً في إقصائها، وتقويض المشروع الوطني برمته. ما نحن فيه اليوم ليس مجرد نتيجة لخطأ فصيل، بل حصيلة تراكُم من السياسات، والتناقضات، والانقسامات، التي فتّتت الجبهة الداخلية، وفتحت الباب واسعاً أمام تغوّل الاحتلال واستفراد غزة والضفة والقدس كلٌ على حدة. ومن المؤلم تحميل طرف واحد كامل أوزار اللحظة الكارثية. إن الانقسام الفلسطيني لم يكن مجرد خلاف سياسي، بل كان انقلاباً فعلياً على المشروع الوطني، وفتح كانت أول ضحاياه في غزة، حين أُقصيت لا سياسياً فقط، بل ميدانياً، وعلى مرأى من الجميع.
نعم، فتح ليست بريئة من كل شيء، ولا يجب أن تُرفع فوق النقد أو المساءلة. لكن الخطورة أن يتحول النقد إلى تسطيح، وتتحول الكتابة الوطنية إلى ذبح سياسي من طرف واحد، بينما الفاعل الحقيقي يبتسم في الخلفية. القول إن تغييب فتح قرار سياسي أو تواطؤ أو عجز أو جبن، هو تبنٍّ لرواية خادعة تُريح الفاعل الحقيقي وتُحمّل المفعول به كامل المسؤولية. فتح لم تغب بإرادتها، وعندما حاولت العودة، وتمد يدها لاستعادة الحد الأدنى من الوحدة، كان هناك من يضع كل الألغام في طريقها، ثم يُسائلها: لماذا لا تصل؟ في هذا المشهد المقلوب، تبدو الضحية متهمة، ويُغض الطرف عن الأخر الذي استفرد بالميدان، ومن حوّل الشراكة الوطنية إلى معادلة صفرية لا تقبل الآخر إلا خاضعاً أو غائباً.
منذ انقلاب 2007، فتح خارج المشهد التنظيمي في غزة، ليس لأنها "جبنت" أو "تواطأت"، بل لأنها مُنعت بالقوة. سُحقت بنيتها التنظيمية، أُغلقت مقارها ومؤسساتها، وطورد كوادرها ورموزها، بل قُتل بعضهم. وأمام هذا الواقع، يأتي البعض ليتساءل: لماذا أنتم غائبون؟ هذا التساؤل العبثي يشبه أن تقطع عن شخص أنفاسه ثم تعاتبه على قلة الكلام. فما يفعله الاحتلال اليوم في غزة من فرض واقع إداري ووظيفي هو نتيجة فراغ خلقه الانقسام، وليس فقط "غياب فتح". بل هو استثمار في الفراغ الذي خلقه الانقسام، وهو فراغ لم تخلقه فتح وحدها، بل خلقته كل الأطراف التي جعلت من الحكم غاية لا وسيلة، ومن المقاومة واجهة لا مضموناً. الانقسام لم يُقصِ "فتح" فقط، بل ضرب المشروع الوطني في عمقه، وأدخلنا جميعاً في مأزق الشرعية والوظيفة والدور. اللوم على فتح وحدها، وكأنها الجهة الوحيدة المؤهلة لإنقاذ ما يحدث، يتجاهل حقيقة أن النظام الفلسطيني كله — سلطة ومقاومة — مأزوم. لا يوجد طرف يملك شرعية مطلقة اليوم، بل كلنا مطالبون بإعادة قراءة الدور والوظيفة.
نعم، بعض خطاب فتح كان باهتاً، والمبادرات لم تكن بمستوى اللحظة. لكن لنسأل بصراحة: هل كانت فتح ستحظى بفرصة لتكون في قلب المشهد لو أرادت؟ وهل كان يُسمح لها بالتحرك بحرية؟ هل فُتحت لها المساجد والساحات والمخيمات كما فُتحت لمَن هم في موقع السيطرة؟ هل من الإنصاف أن نحاسبها وكأنها سلطة فعل وهي ممنوعة من الفعل؟ وإذا كانت هناك أصوات داخل فتح انساقت خلف مواقف باردة أو مترددة، فالصواب ليس بتعميم الأحكام، وبتعميم الإدانة، بل بدعوة صريحة لفتح باب المراجعة لا المزايدة. فالحركة التي كانت عماد المشروع الوطني لا تحتاج إلى من يبرر لها، بل إلى من يساعدها على استعادة دورها، بعيداً عن كليشيهات التخوين أو التغني بالماضي.
نعم في حركة فتح لا ندعي العصمة. لكننا لم تخطئ وحدنا. فقد أخطأ الجميع. أخطأ من سلّم غزة للاحتلال باسم "التمكين"، ومن فاوض بلا فائدة، ومن حوّل المقاومة إلى سلطة بلا بوصلة. أما أن نحمّل فتح وزر الفراغ الحالي، ثم نُبرّئ من صنع الانقسام، ورفض المصالحة، وأقصى الآخر، واحتكر الدم والقرار والراية، فهذه سقطة سياسية وفكرية لا تليق بمثقف بحجم الدكتور خضر محجز، الذي لطالما كان ضميراً للناس، لا سيفاً يُشهر في وجه الضحية. وفيما يخص من يقول من أبناء فتح "مش أنتم بدكم حماس؟" نعم، هذا خطاب معيب، لكنه أيضاً رد فعل بشري على سنوات من التخوين والإقصاء والتشهير. لكنه لا يختصر فتح، ولا يمثل "فتح" كحركة وطنية، تماماً كما لا تختصر أخطاء بعض فصائل المقاومة مشروعها بأكمله. الشعب الفلسطيني لم يختر أن يُعاقب، ولم يفوض أحداً ليذبحه جماعياً باسم خيارات لا يملكها، لكن هناك من اختار أن يختطف قراره باسم المقاومة. وهناك من احتكر الموت، وحوّل الخسارة إلى انتصار خطابي، وجعل من النكبة مادة إعلامية لا سياسية. في لحظة مفصلية كهذه، كان من المفترض أن تخرج فتح بكل طاقتها الوطنية والتنظيمية. نعم، لكنها ممنوعة من الفعل. محاصرة. تُعاقَب مرتين: مرة من الاحتلال، ومرة من شركاء الوطن. ثم تساءلوا بدهشة: لماذا لا تتحرك؟ والأخطر من كل هذا: أن نواصل تعويم المسؤولية تحت عناوين "كلنا مخطئون"، ثم نوجه السكاكين لفتح وحدها. كأنها الهدف الأسهل أو العنوان الأضعف. هذا ليس نقداً، بل انحياز ضمني للسائد، وخدمة مجانية لمَن يسعى لتثبيت الواقع بدل تغييره.
في الختام، ليس من العدل أن نُحمّل الصامت مسؤولية، ونتجاهل مَن يُمسك بالمكبرات ويصرخ. وليس من الحكمة أن نُحمّل الغائب المسؤولية، ونغض الطرف عن المُسيطر الذي يمسك بكل مفاتيح الفعل. نعم، لحركة "فتح" عثراتها، ولكن تغييبها عن المشهد الوطني لم يكن نتيجة فشل، بل نتيجة فعل قسري، جريمة سياسية وليست خياراً تنظيمياً. وعودتها اليوم ليست منّة من أحد، بل ضرورة وطنية ملحّة. فالتاريخ لا يرحم من تخلى، لكنه أيضاً لا يرحم من تواطأ على تهميش رافعة وطنية ظنّاً منه أنه قادر على حمل القضية وحده. في النهاية، لن تُحاسب فتح وحدها، بل سيُحاسَب الجميع: من حكم وغاب، ومن ناكف ولم يقدّم، ومن صمت في وقت كان الصراخ فيه شهادة. والأهم: سيُحاسَب – قبل الجميع – من مزّق الساحة الوطنية ومنع تشكل قيادة جامعة تليق بحجم الدم المسفوك، والوطن المستباح. ومن الإنصاف أن يكون النقد أداة للبناء، لا وسيلة للتشفي أو التفكيك. ومن الوطنية الصادقة أن نُحمّل المسؤوليات بعدالة، لا انتقائية، وأن ننتصر للكل الفلسطيني، لا أن نعيد إنتاج الإقصاء بثوب فكري أو بلغة تحريضية مغلفة بالألم.

التعليقات