في ظل الحرب.. حشرة اليعسوب "الهليوكابتر" غير الضارة تغزو كافة مناحي قطاع غزة

في ظل الحرب.. حشرة اليعسوب "الهليوكابتر" غير الضارة تغزو كافة مناحي قطاع غزة
في ظل الحرب.. حشرة اليعسوب "الهليوكابتر" غير الضارة تغزو كافة مناحي قطاع غزة 

بقلم: أ.د. عبد الفتاح نظمي عبد ربه - أستاذ العلوم البيئية بالجامعة الإسلامية بغزة

اندلعت الحرب الإسرائيلية الحالية بعد السابع من أكتوبر 2023 وأكلت الأخضر واليابس في كافة مناحي وأرجاء قطاع غزة. وصفت محافل عالمية وإقليمية ومحلية عدة هذه الحرب بأنها حرب إبادة جماعية وتطهير عرقي (Genocide and Ethnic Cleansing)، لما تميزت به من تدمير شامل لكافة مقومات الحياة البشرية، نتج عن هذه الحرب الضروس التي قلما شهد العالم لها مثيلا عن استشهاد وفقد وموت غير مباشر لحوالي مائة ألف فلسطيني من سكان قطاع غزة، وإصابة ما يقرب من 130 ألفا، ونزوح متكرر لأكثر من 2 مليون فلسطيني. يضاف إلى ذلك حرب التجويع (Starvation War) لكافة شرائح المجتمع الفلسطيني ولاسيما الرضع (Infants) والأطفال (Children) والحوامل (Pregnant Women) وكبار السن (Elderly) وأصحاب الأمراض المزمنة (Chronic Diseases). تدمرت البنى التحتية وقصفت الكثير من البيوت والمباني والأبراج والمؤسسات والمستشفيات والمدارس ومضخات وشبكات التوزيع لمحطات المعالجة للمياه العادمة (Wastewater Treatment Plants) وآبار ومضخات وشبكات توزيع المياه، كما دمرت الطرقات والمتنزهات ومحطات توليد الكهرباء وألواح الطاقة التي تعلو أسقف المنشآت والمباني. تراكمت النفايات بمختلف أنواعها في أرجاء قطاع غزة وانبعث الروائح الكريهة والغازات الملوثة للهواء ترعرعت نتيجة لذلك الآفات البيئية (Environmental pests) من قوارض تعايشية (Commensal Rodents) وكلاب ضالة (Stray Dogs) وقطط مشردة (Stray Cats) وثعابين سامة وغير سامة (Poisonous and Non-poisonous Snakes) والعقارب (Scropions) والعناكب (Spiders) وحشرات متنوعة وخطيرة يقف على رأسها البعوض (Mosquitoes) والذباب (Flies) والصراصير (Cockroaches) والدبابير (Wasps) وغيرها. 

تعددت أماكن النزوح (Displacement Sites) للغزيين في كافة محافظات قطاع غزة، وعاش النازحون (Displaced People) ظروفا قاسية يندر أن يوجد لها مثيل حول العالم وفي القرن الحادي والعشرين. عاش أهل غزة فقرا وتجويعا وتعطيشا وحصارا في ظل عيشهم في خيام بالية (Worn Tents) انتشرت على ساحل البحر الأبيض المتوسط وفي المؤسسات الحكومية وغير الحكومية وفي المتنزهات والطرقات والمباني المقصوفة. لا يجد النازحون ما يسدون به رمفهم ورمق أطفالهم فلجأوا إلى أكل أشياء لم يحلموا بأكلها من قبل مثل الدولفينات (Dolphins) والسلاحف البحرية (Sea Turtles) وأسماك الشمس المحيطية (Ocean Sunfish) والقروش (Sharks) وبلح البحر (Sea Mussels) والقواقع البحرية (Sea Snails) والنباتات العشبية (Herbal Plants) وأعلاف البهائم والحيوانات (Animal and Livestock Feed). انتشرت المجاري (Sewage) في كافة أنحاء قطاع غزة ولاسيما في مواقع النزوح وانتشرت الأمراض ذات المنشأ المائي (Waterborne Diseases) والحشرات المائية الضارة وغير الضارة (Harmful and Harmless Aquatic Insects)، ولعل أكثر ما لفت انتباه النازحين والغزيين في كل مكان هو الانتشار الكثيف والواسع لحشرة اليعسوب (Dragonfly) التي في بعض الأحيان تقتحم وتغزو الخيام والبيوت ولم يخف بعض الناس خوفهم منها بسبب حجمها وطريقة طيرانها. في الواقع، اليعسوب من الحشرات الكبيرة نسبيا التي ترى حول الاجسام المائية المختلفة بما فيها قنوات وأماكن تجمع المياه التي تتواجد بكثرة حول وبين خيام النازحين والبيوت السكنية. فما هو اليعسوب؟

اليَعسُوب (الجمع منه يَعاسِيب) أو حشرة التنين أو الرعاش (Dragonfly)، هو حشرة تتواجد بشكل مستمر في المناطق التي تكثر فيها البرك والمستنقعات والبحيرات والأراضي الرطبة وجداول المياه والمسطحات المائية الأخرى لأن الطور اليرقي (Larval Stage) لحشرة اليعسوب يعد طورا مائيا ويتغذى على بعض الأحياء المائية (Aquatic Biota). يتكاثر وينتشر البيعسوب في الأجسام المائية المختلفة بشكل كبير في فصل الصيف. يُطلق على اليعسوب أحيانًا اسم الهليوكابتر (Helicopter) نظرًا لطيرانه الشبيه بطائرة الهليوكابتر أو المروحية، إذ يشتق هذا الاسم من حركة أجنحته الأربعة المستقلة، التي تشبه شفرات المروحية. في الواقع، اعتبرت حشرة اليعسوب مصدر إلهام لتصميم المروحيات (طائرات الهليوكابتر) ذات السرعة الفائقة في الطيران، والقدرات العالية في المناورة. ينتمي اليعسوب إلى رتبة الرعاشات أو المسننات (Odonata) ضمن طائفة الحشرات (Insecta). تتميز حشرة اليعسوب بوجود عيون كبيرة وضخمة ومركبة (تحتوي على ما يصل إلى 30,000 عدسة صغيرة) متعددة الأوجه تشغل معظم الرأس مما يجعل مجال الرؤية يقترب من 360 درجة، وزوجين من الأجنحة الشفافة القوية، وجسم ممدود، كما أنها من أسرع الحشرات في العالم إذ تبلغ سرعتها أكثر من 90 كيلومترا في الساعة. يعتبر اليعسوب سيد الهواء (Master of Air) بجناحيه الشفافين ورشاقته الفريدة، وكواحد من أكثر الكائنات إثارة للدهشة إذ يمكنه الطيران للخلف، مما يمنحه قدرة فائقة على المناورة. يعيش اليعسوب معظم حياته تحت الماء في صورة يرقة قبل أن يتحول إلى ذلك المخلوق الرشيق. اليعسوب من الحشرات المفترسة الهامة (Important Predatory Insects) ويأكل البعوض والحشرات الصغيرة الأخرى مثل الذباب والنحل والنمل والدبور ونادرًا جدًا ما يأكل الفراشات. في الواقع، تصل نسبة نجاح اليعسوب في اصطياد الفريسة إلى 95%، مما يجعله أحد أكثر الصيادين كفاءة في عالم الحشرات. تتعرض حشرة اليعسوب للافتراس (Predation) من قبل الطيور والسحالي والضفادع والعناكب والأسماك والحشرات المائية بما فيها حشرات اليعسوب الكبيرة الأخرى.

حشرة اليعسوب ليست ضارة على الإنسان، فكثيرا ما تقترب من البشر، إلا أنها لا تعض أو تلدغ. بالعكس، قد تكون حشرات اليعسوب مفيدة لأنها تتغذى كثيرا على الآفات المزعجة (Annoying Pests) مثل يرقات البعوض والبعوض والذباب والدبابير وغيرها، مما يجعله صديقا للإنسان في مكافحة الآفات (Pest Control). قد تكون حشرة اليعسوب مزعجة للإنسان في بعض الأوقات وخاصةً عندما تتواجد بأعداد كبيرة. وفقًا للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN)، لا تُعتبر اليعسوبات مهددة عالميًا. ومع ذلك، تواجه بعض الأنواع تهديدات بسبب تدمير موائلها وتلوث المياه. لذلك، تُعدّ الجهود المبذولة للحفاظ على نظافة البيئات المائية أمرًا بالغ الأهمية لضمان استمرار وجود هذه الحشرات المهمة في النظم البيئية (Ecosystems). يواجه اليعسوب على نطاق عالمي تهديدات عديدة لبقائها تتضمن:

1. تلوث المياه (Water Pollution) إذ لا يمكنه البقاء على قيد الحياة في البيئات المائية الملوثة بالمواد الكيميائية أو النفايات الصناعية.

2. تدمير الموائل الطبيعية (Natural Habitats) مثل تحويل الأراضي الرطبة (Wetlands) والبرك إلى مناطق زراعية أو حضرية.

3. تغير المناخ (Climate Change)  إذ يؤثر تغير المناخ على توازن النظم البيئية المائية (Balance of Aquatic Ecosystems)، مما قد يؤدي إلى انقراض بعض أنواع اليعسوب غير القادرة على التكيف مع التغيرات.

4. استخدام المبيدات الكيميائية (Chemical Pesticides) إذ يؤدي استخدامها في الزراعة إلى قتل اليعسوب بشكل مباشر أو تقليل أعداد فرائسه، مما يؤثر على بقائه.

5. الأنواع الغازية (Invasive Species) إذ يمكن للأنواع المائية الغازية كالأسماك المفترسة أن تهدد بقاء اليعسوب في مرحلة اليرقات (Larval Stages).

6. الصيد الجائر (Overhunting) إذ يتم في بعض المناطق اصطياد اليعسوب لأغراض تجارية أو ترفيهية مما يؤثر على أعدادها في الطبيعة.

ختاما، يوجد حول العالم نحو 6 آلاف نوع من حشرة اليعسوب، التي تتميز بجمال ألوانها وتعيش على ضفاف البحيرات والأنهار التي تتميز برونقها ونظافة مياهها. من ناحية الأهمية البيئية، يتميز اليعسوب بقدرته وسرعته في مكافحة الحشرات الضارة كالبعوض والذباب  مما يساعد في تقليل أعدادها والحد من انتشار الأمراض. يلعب اليعسوب أيضا دورا في السلاسل والشبكات الغذائية (Food Chain and Webs) والحفاظ على التنوع البيولوجي (Biodiversity Conservation) من خلال دوره كصياد وفريسة في نفس الوقت. يعتبر اليعسوب مؤشرا لصحة البيئة (Indicator of Environmental Health) إذ يُعتبر دليلا على نقاء المياه (Water Purity)، حيث لا يستطيع العيش في البيئات الملوثة (Polluted Environments). مع أن اليعسوب قد يبدو مخيفًا للبعض، إلا أنه ليس حشرة تلدغ البشر. فهو يفتقر إلى آلة اللسع كتلك الموجودة في النحل أو الدبابير، ويستخدم فكيه فقط لاصطياد فرائسه من الحشرات الصغيرة. بناء على ذلك، اليعسوب مسالم بطبيعته ولا يُظهر سلوكًا عدوانيًا تجاه البشر. لذلك، فإن الخوف منه غير مبرر؛ بل يمكن اعتباره مفيدًا للبيئة وصديقا للإنسان، كما أنه يُعدّ رمزا للرشاقة والخفة والحرية.


التعليقات