غزة.. الوجوه الثلاثة: "مجدٌ.. وجعٌ.. تشويهٌ"
غزة.. الوجوه الثلاثة: "مجدٌ، وجعٌ، تشويهٌ"
بقلم/ حلمي أبو طه
في زمنٍ عزّ فيه الصدق وكثر فيه الادّعاء، تظل غزة استثناءً لا يشبه أحداً. فغزة ليست قالباً واحداً يمكن احتواؤه في سردية جاهزة أو صورة نمطية. ليست كتلة واحدة كما يتوهم البعض، إنها مزيج مرير من المجد والخذلان، من الإيمان والانتهاك، من الصبر والاستغلال. فيها من الوجوه ما يُشرفنا ويرفع قدرها، وفيها ما يُحزن العين ويحرج الضمير. وفيها ما يُشوّه المشهد العام وما يُدمي القلب، ويثقل اللسان. فهي ليست وجهاً واحداً كما يتوهم البعض... فغزة مدينة متعددة الوجوه إنها مدينة الوجوه الثلاثة. وجه يشبه النبوة في صدقه وصموده، ووجه يتلوّى من الوجع والخذلان، ووجه شوهته السياسة وساهم في تعميقه الطمع والجهل والتجرد من القيم. هكذا هي غزة... لا تُختزل، لا تُختطف في خطاب، ولا تُصادر في شعار. غزة باقية، كما هي... مدينة الوجوه الثلاثة.
في غزة وجه ينضح بالمجد والبطولة، يعيدنا إلى زمن النبوة، وجوه طاهرة، صادقة، نقيّة. حيث الرجال لا يساومون، والمجاهدون يصدقون الله ما عاهدوه عليه، فتنبض بهم الأرض إيماناً، وتجلّت فيهم تضحيات فاقت ما تدربت عليه جيوش بأكملها لعقود. هذا هو وجه غزة الذي نحفظه عن ظهر قلب، ونتلوه بفخر على كل من أراد أن يعرف من نحن. فشهدنا فيهم مشاهد تفوق الوصف، رجالٌ بأجسادهم النحيلة وقفوا أمام أعتى الجيوش المدججة بالسلاح، فزلزلوا الأرض تحت أقدامهم. منهم من ترجل وهو يبتسم ساجداً، ومنهم من عاد بجراحه أشد عزيمة من الأصحاء. وفي هذا الوجه نجد من يُتقن فن الكلمة كما يُتقن المجاهد استخدام سلاحه. كتّاب، أدباء، مفكرون، يدافعون عن غزة بالكلمة النبيلة، وإعلاميون، صحفيون، مصوّرون، يتقدمون الصفوف بسلاح الصورة والكلمة، يسجلون الحقيقة في زمن التزوير، ويصرخون بالوعي وسط طوفان التشويه. وفيه جيشٌ آخر من الأطباء والمسعفين، طواقم طبية نذرت نفسها للحياة في زمن الموت. وعمالٌ، ومزارعون، ومهنيون، جميعهم حملوا همّ الوطن، وواجهوا الحصار والتجويع والكذب، كلٌّ بما هيّأه الله له. فأرهبوا عدوهم بأفعالهم أكثر مما أرهبوه بالرصاص. هؤلاء هم مجد غزة المتجدد، وصوتها العالي حين يُراد لها الخفوت. وجهٌ لا يبهت، ولا يتكرر، ولا يموت.
في غزة وجه مغلوب على أمره، ووجعٌ لا يُطاق. وجه الناس الذين لم يحملوا سلاحاً، ولم يسرقوا رغيفاً، ولم يصعدوا على أكتاف الموتى. هؤلاء هم الغالبية الصامتة... أهل غزة الشرفاء، الذين لم تلوّث الحرب قلوبهم، ولم تُبدل الأزمات جلودهم. هم من طحنهم الحصار، وأكلت الحرب أحلامهم. الذين يدفعون ثمن كل شيء، في كل يوم، دون أن يملكوا قراراً أو حماية. شعبٌ أعزل يئن بين سندان الحصار ومطرقة الحاجة، يركض خلف فتات العيش والدواء، يقبض على كرامته كمن يقبض على الجمر. هو وجه أمهات فقدن أبناءهن، وأطفال ولدوا على هدير الطائرات لا يعرفون للأمن طعماً، ولا للطفولة شكلاً. وجه المسنّ الذي فقد بيته، والشاب الذي لا يجد باباً للمستقبل. هو وجه المحاصَرين الجائعين، المُنهكين نفسياً وجسدياً، الذين يعيشون بين نار الحرب وسندان الحياة اليومية. هم الواقفون في طوابير الخبز، وطوابير العلاج، وطوابير الهمّ، المنتظرون عند معابر الخروج بلا يقين. هؤلاء لا يطلبون أكثر من "يومٍ عادي" بلا قصف، بلا موت، بلا انتظار وإذلال على أبواب المستشفيات والتكيات، وينتظرون بشغف المعابر تفتح لهم. هم الشهداء الأحياء، الذين لم يمت أحدهم في قصف، لكنه يموت كل يومٍ بصمتٍ لا يسمعه أحد. لأنهم لا يصرخون، ولا يرفعون الصوت، لكنهم الوجه الأصدق لجرح غزة العميق.
في غزة – بكل أسف – كما في كل مدن التاريخ، ثمة الوجه المؤلم، جرحٌ مفتوح في خاصرة الرواية، وجهٌ لا يمثل إلا نفسه، ولا يُدينه التاريخ فحسب، بل يُدين أيضاً كل من صمت عنه أو برّره أو سكت عن فساده. وجه مشوَّه لا يُشبه غزة ولا يليق بها، طفيليات تسلّقت على دماء الشهداء، لا ترى في الحرب سوى فرصاً للمنفعة، تُشوّه المشهد وتُربك البوصلة. فئةٍ امتهنت المتاجرة بالدم، وركبت موجة الشهداء لتعتلي منصات القرار والمال. هؤلاء لا يحاربون العدو، بل يحاربون كل من يفضح فسادهم. يتحدثون باسم غزة، لكنهم لم يعرفوا منها إلا بوابات المكاسب وصفقات النفوذ. يحجبون وجهها الحقيقي، ويشوّهون وعي الناس، حتى باتت الأصوات الصادقة تُحاصر، والأيادي النظيفة تُهمّش، فيما يتصدر المشهد من لا خلاق له ولا ضمير. فغزة اليوم تعاني ليس فقط من القصف والحصار، بل من هذا التشويه المقصود، ومن تكميم أفواه الشرفاء باسم "المصلحة" و"الوحدة" و"الانضباط". وفي هذا الوجه أولئك الذين حوّلوا الحرب إلى تجارة، والمعاناة إلى سوق سوداء. فئة امتهنت "البلطجة الاقتصادية"، احتكرت المساعدات، وتاجرَت بالجوع. هو وجه اللصوص، وتجار الدم، أصحاب المعابر السرية، وأصحاب كروشٍ انتفخت بينما الناس تبحث عن دواء، أو حفنة طحين. هؤلاء لم يطلقوا رصاصة في وجه العدو، لكنهم يطلقون النار كل يوم على ظهر غزة.
يمارسون العنف على الفقراء، يكمّمون أفواه الأقوياء، شياطين يشيطنون كل من يكشفهم. إنهم وجه القذارة والتشويه، وجه المرابين الذين يسرقون رواتب الموظفين، وقوت الفقراء الذين ينتظرون تحويلات أبنائهم من الخارج، لتُخصم منها عمولات تصل إلى نصف الحوالة، وكأنهم يُعاقبون لأنهم ما زالوا أحياء. في هذا الوجه ترى الطابور الخامس يتحرك بيننا، بأسماء فلسطينية، بلكنة وبألسنة وطنية، لكن بأنياب صهيونية، أكثر فتكاً من الاحتلال. فهم أخطر على غزة، لأنهم يضربون من الداخل، ويختبئون خلف الراية الحزبية، والعشائرية. ويزايدون على المقاومة وهم أبعد ما يكونون عنها. إنهم سرطان الداخل، ووصمة الغدر، ووجه غزة الذي لا نريد أن نراه... لكن لا بد أن نكشفه.
لا يمكن أن تُختصر غزة في بيان، ولا تُفسَّر بالكامل في مقال، فهي المدينة التي تسكن التناقضات لكنها لا تتنازل. تُولد من تحت الركام، وتُقاتل من تحت الحصار. فغزة لا تحتاج تلميعاً... هي من تُلمّع مَن يقترب منها بصدق. ولا تحتاج من يتحدث باسمها... فهي تنطق عن نفسها بجراحها ودمها ودموع أمهاتها، وبصبر رجالها. فلتكن كلمتنا واضحة لا تحتمل التأويل: لن نساوي بين مَن ضحّى بروحه، ومَن تاجر بالدم. لن نصمت عن الظلم وإن جاء بزي الوطنية. ولن نخذل غزة، لا بسكوتنا ولا بتجميل ما يُشوّه وجهها الأصيل. ولنُميّز بين من قدّم روحه فداءً للحق، ومن قدّم نفسه في مزاد المصالح. فأخطر ما تواجهه غزة اليوم ليس العدو وحده، بل خيانة بعض أبنائها، وصمت الشرفاء عن الانحراف، وازدواجية المعايير. فغزة تعرف أبناءها، تعرف من صدق فاحتضنته، ومن خان فلفظته، تعرف من حملها بدمه، ومن باعها بكيس دقيق. فهي لا تُباع، ولا تُشترى... لكنها تُعطيك وجهك الحقيقي... فإما أن تخرج منها شهيداً أو شريفاً، وإما أن تخرج منها عارِ الوجه، مكسور الروح، مهما رفعت صوتك بالشعارات. ففي غزة... الدم لا يكذب، والناس لا تنسى. وستبقى رغم كل شيء، تظل غزة التي نحب... فيها من المجد ما يرفع الرأس عالياً، ومن الوجع ما يُدمي القلب بصمت، ومن التشويه ما يُشبه الطعنة في الظهر. فنعم، لغزة وجوهٌ ثلاثة... وجه ناصع من البطولة والصمود، ووجه مثقل بالجراح والخذلان، ووجه مشوه بفعل من تاجروا بها أو ادعوا حبها. هذه الوجوه ستبقى حاضرة فيها، لكننا لن نرى إلا وجهها الذي يُشبه قلوبنا البيضاء. فالأرض – كما التاريخ - تلفظ خبثها وغثاءها، وتحتضن الطيبين، أولئك الذين يزرعون الحياة وسط الركام. وستبقى غزة رغم كل شيء مدينتنا التي لا نخجل من حبها. فمن وجوه الناس تبدأ الحكاية، ومنها تكتب النهايات.

بقلم/ حلمي أبو طه
في زمنٍ عزّ فيه الصدق وكثر فيه الادّعاء، تظل غزة استثناءً لا يشبه أحداً. فغزة ليست قالباً واحداً يمكن احتواؤه في سردية جاهزة أو صورة نمطية. ليست كتلة واحدة كما يتوهم البعض، إنها مزيج مرير من المجد والخذلان، من الإيمان والانتهاك، من الصبر والاستغلال. فيها من الوجوه ما يُشرفنا ويرفع قدرها، وفيها ما يُحزن العين ويحرج الضمير. وفيها ما يُشوّه المشهد العام وما يُدمي القلب، ويثقل اللسان. فهي ليست وجهاً واحداً كما يتوهم البعض... فغزة مدينة متعددة الوجوه إنها مدينة الوجوه الثلاثة. وجه يشبه النبوة في صدقه وصموده، ووجه يتلوّى من الوجع والخذلان، ووجه شوهته السياسة وساهم في تعميقه الطمع والجهل والتجرد من القيم. هكذا هي غزة... لا تُختزل، لا تُختطف في خطاب، ولا تُصادر في شعار. غزة باقية، كما هي... مدينة الوجوه الثلاثة.
في غزة وجه ينضح بالمجد والبطولة، يعيدنا إلى زمن النبوة، وجوه طاهرة، صادقة، نقيّة. حيث الرجال لا يساومون، والمجاهدون يصدقون الله ما عاهدوه عليه، فتنبض بهم الأرض إيماناً، وتجلّت فيهم تضحيات فاقت ما تدربت عليه جيوش بأكملها لعقود. هذا هو وجه غزة الذي نحفظه عن ظهر قلب، ونتلوه بفخر على كل من أراد أن يعرف من نحن. فشهدنا فيهم مشاهد تفوق الوصف، رجالٌ بأجسادهم النحيلة وقفوا أمام أعتى الجيوش المدججة بالسلاح، فزلزلوا الأرض تحت أقدامهم. منهم من ترجل وهو يبتسم ساجداً، ومنهم من عاد بجراحه أشد عزيمة من الأصحاء. وفي هذا الوجه نجد من يُتقن فن الكلمة كما يُتقن المجاهد استخدام سلاحه. كتّاب، أدباء، مفكرون، يدافعون عن غزة بالكلمة النبيلة، وإعلاميون، صحفيون، مصوّرون، يتقدمون الصفوف بسلاح الصورة والكلمة، يسجلون الحقيقة في زمن التزوير، ويصرخون بالوعي وسط طوفان التشويه. وفيه جيشٌ آخر من الأطباء والمسعفين، طواقم طبية نذرت نفسها للحياة في زمن الموت. وعمالٌ، ومزارعون، ومهنيون، جميعهم حملوا همّ الوطن، وواجهوا الحصار والتجويع والكذب، كلٌّ بما هيّأه الله له. فأرهبوا عدوهم بأفعالهم أكثر مما أرهبوه بالرصاص. هؤلاء هم مجد غزة المتجدد، وصوتها العالي حين يُراد لها الخفوت. وجهٌ لا يبهت، ولا يتكرر، ولا يموت.
في غزة وجه مغلوب على أمره، ووجعٌ لا يُطاق. وجه الناس الذين لم يحملوا سلاحاً، ولم يسرقوا رغيفاً، ولم يصعدوا على أكتاف الموتى. هؤلاء هم الغالبية الصامتة... أهل غزة الشرفاء، الذين لم تلوّث الحرب قلوبهم، ولم تُبدل الأزمات جلودهم. هم من طحنهم الحصار، وأكلت الحرب أحلامهم. الذين يدفعون ثمن كل شيء، في كل يوم، دون أن يملكوا قراراً أو حماية. شعبٌ أعزل يئن بين سندان الحصار ومطرقة الحاجة، يركض خلف فتات العيش والدواء، يقبض على كرامته كمن يقبض على الجمر. هو وجه أمهات فقدن أبناءهن، وأطفال ولدوا على هدير الطائرات لا يعرفون للأمن طعماً، ولا للطفولة شكلاً. وجه المسنّ الذي فقد بيته، والشاب الذي لا يجد باباً للمستقبل. هو وجه المحاصَرين الجائعين، المُنهكين نفسياً وجسدياً، الذين يعيشون بين نار الحرب وسندان الحياة اليومية. هم الواقفون في طوابير الخبز، وطوابير العلاج، وطوابير الهمّ، المنتظرون عند معابر الخروج بلا يقين. هؤلاء لا يطلبون أكثر من "يومٍ عادي" بلا قصف، بلا موت، بلا انتظار وإذلال على أبواب المستشفيات والتكيات، وينتظرون بشغف المعابر تفتح لهم. هم الشهداء الأحياء، الذين لم يمت أحدهم في قصف، لكنه يموت كل يومٍ بصمتٍ لا يسمعه أحد. لأنهم لا يصرخون، ولا يرفعون الصوت، لكنهم الوجه الأصدق لجرح غزة العميق.
في غزة – بكل أسف – كما في كل مدن التاريخ، ثمة الوجه المؤلم، جرحٌ مفتوح في خاصرة الرواية، وجهٌ لا يمثل إلا نفسه، ولا يُدينه التاريخ فحسب، بل يُدين أيضاً كل من صمت عنه أو برّره أو سكت عن فساده. وجه مشوَّه لا يُشبه غزة ولا يليق بها، طفيليات تسلّقت على دماء الشهداء، لا ترى في الحرب سوى فرصاً للمنفعة، تُشوّه المشهد وتُربك البوصلة. فئةٍ امتهنت المتاجرة بالدم، وركبت موجة الشهداء لتعتلي منصات القرار والمال. هؤلاء لا يحاربون العدو، بل يحاربون كل من يفضح فسادهم. يتحدثون باسم غزة، لكنهم لم يعرفوا منها إلا بوابات المكاسب وصفقات النفوذ. يحجبون وجهها الحقيقي، ويشوّهون وعي الناس، حتى باتت الأصوات الصادقة تُحاصر، والأيادي النظيفة تُهمّش، فيما يتصدر المشهد من لا خلاق له ولا ضمير. فغزة اليوم تعاني ليس فقط من القصف والحصار، بل من هذا التشويه المقصود، ومن تكميم أفواه الشرفاء باسم "المصلحة" و"الوحدة" و"الانضباط". وفي هذا الوجه أولئك الذين حوّلوا الحرب إلى تجارة، والمعاناة إلى سوق سوداء. فئة امتهنت "البلطجة الاقتصادية"، احتكرت المساعدات، وتاجرَت بالجوع. هو وجه اللصوص، وتجار الدم، أصحاب المعابر السرية، وأصحاب كروشٍ انتفخت بينما الناس تبحث عن دواء، أو حفنة طحين. هؤلاء لم يطلقوا رصاصة في وجه العدو، لكنهم يطلقون النار كل يوم على ظهر غزة.
يمارسون العنف على الفقراء، يكمّمون أفواه الأقوياء، شياطين يشيطنون كل من يكشفهم. إنهم وجه القذارة والتشويه، وجه المرابين الذين يسرقون رواتب الموظفين، وقوت الفقراء الذين ينتظرون تحويلات أبنائهم من الخارج، لتُخصم منها عمولات تصل إلى نصف الحوالة، وكأنهم يُعاقبون لأنهم ما زالوا أحياء. في هذا الوجه ترى الطابور الخامس يتحرك بيننا، بأسماء فلسطينية، بلكنة وبألسنة وطنية، لكن بأنياب صهيونية، أكثر فتكاً من الاحتلال. فهم أخطر على غزة، لأنهم يضربون من الداخل، ويختبئون خلف الراية الحزبية، والعشائرية. ويزايدون على المقاومة وهم أبعد ما يكونون عنها. إنهم سرطان الداخل، ووصمة الغدر، ووجه غزة الذي لا نريد أن نراه... لكن لا بد أن نكشفه.
لا يمكن أن تُختصر غزة في بيان، ولا تُفسَّر بالكامل في مقال، فهي المدينة التي تسكن التناقضات لكنها لا تتنازل. تُولد من تحت الركام، وتُقاتل من تحت الحصار. فغزة لا تحتاج تلميعاً... هي من تُلمّع مَن يقترب منها بصدق. ولا تحتاج من يتحدث باسمها... فهي تنطق عن نفسها بجراحها ودمها ودموع أمهاتها، وبصبر رجالها. فلتكن كلمتنا واضحة لا تحتمل التأويل: لن نساوي بين مَن ضحّى بروحه، ومَن تاجر بالدم. لن نصمت عن الظلم وإن جاء بزي الوطنية. ولن نخذل غزة، لا بسكوتنا ولا بتجميل ما يُشوّه وجهها الأصيل. ولنُميّز بين من قدّم روحه فداءً للحق، ومن قدّم نفسه في مزاد المصالح. فأخطر ما تواجهه غزة اليوم ليس العدو وحده، بل خيانة بعض أبنائها، وصمت الشرفاء عن الانحراف، وازدواجية المعايير. فغزة تعرف أبناءها، تعرف من صدق فاحتضنته، ومن خان فلفظته، تعرف من حملها بدمه، ومن باعها بكيس دقيق. فهي لا تُباع، ولا تُشترى... لكنها تُعطيك وجهك الحقيقي... فإما أن تخرج منها شهيداً أو شريفاً، وإما أن تخرج منها عارِ الوجه، مكسور الروح، مهما رفعت صوتك بالشعارات. ففي غزة... الدم لا يكذب، والناس لا تنسى. وستبقى رغم كل شيء، تظل غزة التي نحب... فيها من المجد ما يرفع الرأس عالياً، ومن الوجع ما يُدمي القلب بصمت، ومن التشويه ما يُشبه الطعنة في الظهر. فنعم، لغزة وجوهٌ ثلاثة... وجه ناصع من البطولة والصمود، ووجه مثقل بالجراح والخذلان، ووجه مشوه بفعل من تاجروا بها أو ادعوا حبها. هذه الوجوه ستبقى حاضرة فيها، لكننا لن نرى إلا وجهها الذي يُشبه قلوبنا البيضاء. فالأرض – كما التاريخ - تلفظ خبثها وغثاءها، وتحتضن الطيبين، أولئك الذين يزرعون الحياة وسط الركام. وستبقى غزة رغم كل شيء مدينتنا التي لا نخجل من حبها. فمن وجوه الناس تبدأ الحكاية، ومنها تكتب النهايات.


التعليقات