حين يترجّل الشهم.. مرثية في وداع الشهيد حمودة

حين يترجّل الشهم.. مرثية في وداع الشهيد حمودة
حين يترجّل الشهم.. مرثية في وداع الشهيد حمودة

بقلم: حلمي أبو طه 

في زمنٍ كثرت فيه الضجيج وتلاشت كثير من القيم، يظهر بيننا رجالاً نادرون يحملون رسالة الحياة الحقيقية؛ رسالة الشرف والكرامة والتضحية. حقاً لا يليق بهم كرجال إلا الرحيل إلى الله كما يليق بالكرام، رحيلاً يرضاه الرحمن، وتبكيه القلوب، ويشهد له الخلق. فقد قال عزّ من قائل: {ويتخذ منكم شهداء}، وما الشهادة إلا منحة، لا تُعطى صدفة، بل اصطفاء واختيار لمن أحبهم الله وقرّبهم إليه. وهكذا رحل حمودة... ذاك الرجل الشهم، الصدوق، صاحب النخوة والمروءة والمبادرة، الذي لم يكن عابراً في حياتنا، بل كان أثراً طيباً، وجبراً في مواطن الانكسار. حمودة كان واحداً من هؤلاء الرجال، الذين لم يعرفوا للحياة معنى إلا بالعطاء، مضوا بثبات على دروب الحق رغم الألم والخطر. رحل في موكب من نور، تاركاً خلفه أثراً لا يُمحى، وذكرى لا تُنسى. 

رحل ذلك الرجل الذي لا تحتاج وقتاً طويلاً لتكتشف معدنه الأصيل؛ عرفته عن قرب، لا من روايات ولا سماع. التقينا في فترة نزوحنا السادس في حي المنارة، وهناك تَعرّفت على معدنٍ نادرٍ من الرجال، يُضيئون الأمكنة بحضورهم. لا يطلب ثناءً ولا يسعى لظهور، بل يُسارع إلى الواجب بقلب خالص. طوال ستة أشهر، لم يغب عن جلسات صالون حلمي الثقافي، مشاركاً بحضورٍ فاعل، وحرصٍ على دعوة أصحاب الفكر والرأي من معارفه، مشاركاً لا كضيف بل كأخٍ وشريك في حمل هموم الناس. مؤمناً بالكلمة والحوار، ساعياً لخلق مساحات نور في زمن الخوف والتشريد. 

كان حمودة، رحمه الله، الأخ الذي يسبقك إلى الخير دون أن يُطلب، يسعى في تذليل مشاق الحياة، ويشرف بنفسه على تأمين المياه العذبة لأهالي الحي، متواصلاً مع أصحاب صهاريج المياه، ومبلغاً الأهالي بمواعيد التوزيع، حريصاً على ألا يعطّش بيتٌ أو يُترك محتاجٌ دون مساعدة. ولم يتردد لحظة في قيادة وفدٍ إلى بلدية خان يونس لإصلاح خط المياه وإعادتها للمنطقة. كان حاضراً بالفعل لا بالقول، وفاعلاً لا متفرجاً. أعماله الجليلة لا تُعد، وأثره فينا باقٍ لا يُنسى، فقد كان من أولئك الرجال الذين يرحلون، لكن سيرتهم تظل حيّة في القلوب والذاكرة. رحمك الله يا حمودة، ونسأله أن يجعل ما قدمت في ميزان حسناتك، وأن يجزيك عنّا وعن الناس خير الجزاء.

كما يُقال: "وراء كل رجل عظيم امرأة"، فكان خلف الحبيب حمودة، امرأة استثنائية بكل المقاييس، هي والدته (الحاجة سمحة، أم منصور) — تلك المرأة الحديدية التي لم تكن فقط أماً، بل كانت عنواناً شامخاً في حي المنارة، حتى إن البعض لا يعرف المنطقة إلا باسم "عمارة سمحة"، فهي الدليل لمن لا دليل له، والمأوى لمن ضاقت به السبل. قليل من النساء من يتركن بصمة تبقى، لكن أم منصور، رغم بلوغها الثمانين، لم يكن حضورها عابراً، فقد منحها الله القَبول والقوة والحكمة، فغدت علامة فارقة، وركناً أصيلاً في الحي، يُذكر اسمها مقروناً بالعطاء والهيبة والكرم. كنتُ شاهداً على برّ حمودة بها؛ كيف كان يضع رضاها في مقدمة أولوياته، وكيف كان يُقبّل يدها كلما خرج أو عاد، وكيف كانت هي، رغم كِبر سنها، تفيض عليه بحنانٍ لا ينقص، وحرصٍ لا يفتر. فالأم تبقى أماً، والابن يبقى طفلها، حتى لو تجاوز الأربعين. رحم الله حمودة، وأطال في عمرك يا أم منصور، فقد كنتِ له الحياة، وبقيتِ لنا رمزاً لا يُنسى.

لكن ما ترك الأثر الأعظم في نفسي، هو إنسانيته الصافية. وحرصه الأخوي الذي لم ينقطع. كان يتفقدني في طعامي، كما يتفقد الأخ أخاه. كان يرسل ابنه يومياً بصحن من الطعام أو الحلويات من يد زوجته الفاضلة أم منصور، وإن لم يكن فما تيسر من بصل وزيتون وجرجير، أو خبز ساخن. حتى صارت عادة يومية باباً من الكرم والعطف ما يغنيك عن السؤال. ويشعرك بأنك في بيتك وبين أهلك. من ذلك البيت، بيت الحاجة سمحة والدة الشهيد، كان الكرم من "جهد القلوب" لا من فضل الموائد. لم يكن بيتاً عادياً؛ بل كان بيتاً للناس، ملاذاً لكل من ضاقت به الحياة، فزوجات أبناء الحاجة سمحة كن يتسابقن في إكرامنا، وكأن في ذلك واجباً مقدساً، لا يُنتظر عليه شكر. هكذا هو المجتمع الغزي وقت الأزمات: تتفجر فيه إنسانية الناس كما تتفجر ينابيع الرحمة، فكيف إذا كان هؤلاء ممن اصطفاهم الله برضاه، واتخذ منهم شهداء. رحم الله حمودة، وبارك في أسرته، فقد نالوا من القلوب محبة لا تشترى، وتركوا في النفوس أثراً لا يُمحى.

من أبهى صور الإيثار والشهامة التي لا تُنسى للشهيد حمودة، تلك التي تجلّت حين أُعلنت منطقة المنارة منطقة إخلاء، فجاءني بسيارته المرسيدس العتيقة، ومعها عربة مقطورة، تلك السيارة التي سبق أن ذكرتها في مقالاً لي في الذكرى السنوية الأولى لنزوح أهالي رفح، حيث قلت: "بينما حالف الحظ آخرين فاستطاعوا اللجوء إلى سيارة مرسيدس متهالكة تسير بزيت سيرج الطعام كان صاحبها قد استخدم بطاريتها لإضاءة مكان ايوائه ويشحن بها جواله". وساعدني بنقل أثاثي إلى مأوى النزوح الجديد.

وكأنه ينقل أثاث بيته، لا بيت غيره. لم يكن ذلك تفضّلاً ولا تكلّفاً، بل محبة خالصة، لا تشوبها مصلحة. وفي مشهد أخر لا يقلّ نبلاً، حين اشتدت أزمة الدقيق حتى صار عملة نادرة، علم حمودة أنني لا أملك شيئاً منه، فأهداني كيساً كاملاً، كان نصف ما يملك، ورفض أن يأخذ ثمنه، لا مالاً ولا حتى كلمة شكر. أعطانيه بطيب خاطر، وبوجه باسم، وطيب نفس، وكأنه يُسدي لنفسه المعروف لا لي. هكذا كان حمودة... رجلاً من طينة الكرام، لا يعرف إلا العطاء، ولا يبذل إلا من قلبه. 

هكذا هم الشهداء قبل أن يصيروا شهداء. وهكذا تكون البدايات التي تليق بالنهايات، وهكذا يُمضي الله أمره في عباده الذين اصطفاهم وقرّبهم إليه برضاه. فإن لم يكن حمودة شهيداً، فمن إذاً يليق به هذا الوسام؟ من يستحق أن يقول الله بحقه: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءٌ عند ربهم يُرزقون}. مثل الشهيد حمودة تُذكر سيرتهم ليست فقط كقصة إنسانية، بل كنبراس يُضيء دروب الأجيال القادمة، يحثهم على الاستمرار في طريق الصبر، والثبات، والوفاء. في كل عملٍ بسيطٍ قام به، وفي كل كلمة قالها، وفي كل موقف شهم، رسم لوحة جميلة من التلاحم المجتمعي والتضامن الإنساني. فقد كان حمودة مثالاً حياً للوحدة التي لا تُقهر، والقوة التي تتجدد في وجدان شعب لا يلين، يُواجه المحن بثبات وعزيمة، مستلهماً من شهدائه قيم الشجاعة والصبر والكرم.

نم قرير العين يا حمودة، فقد كنت من القوم الذين لا يموتون، بل يعيشون في دعائنا، وفي ذاكرتنا، وفي كل فعل خير تعلمناه منك. نعم يا رب لا نملك إلا أن نقول ما يُرضيك: إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنّا على فراقك يا أبا منصور لمحزنون. يا رب، إن عبدك هذا، كان كريم النفس، طيب السريرة، سابقاً إلى الخير، بارّاً بوالدته، رؤوفاً بأهله، وفيّاً لأصحابه. فلو أتانا ضيفاً لأكرمناه، فكيف بك يا أرحم الراحمين؟ اللهم إنه جاءك وحده، عبدك الضعيف، لا سند له إلا رحمتك، ولا ملجأ له إلا أنت. فارحم غربته، وأنر له قبره، ووسّع له فيه، وثبّته عند السؤال، واجعل قبره روضةً من رياض الجنة، واسكنه الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا. اللهم صبّر قلب أمه الصابرة، الحجة سمحة، أم منصور، تلك المرأة الوقور، التي لا يُذكر حيّ المنارة إلا وذُكر اسمها، والتي ربت رجالاً، وغرست فيهم معاني النخوة والكرم والثبات. وصبّر زوجته الفاضلة، أم منصور، وأبناءه وبناته، وأهله ومحبيه وكل من عرفه، وامنحهم سلواناً من عندك لا ينفد.

التعليقات