صفقة الستين يوماً: التوازن المستحيل بين الحرب والسياسة
صفقة الستين يوماً: التوازن المستحيل بين الحرب والسياسة
بقلم: جواد العقَّاد| كاتب سياسي
في المشهد الإسرائيلي الراهن، تبدو لعبة التوازن التي يخوضها نتنياهو أشبه بمحاولة السير على حبل مشدود فوق نارين: نار الانهيار السياسي، ونار تعقيدات الضغط الأمريكي. فما يُعرف إعلامياً "صفقة الستين يوماً" لم تعد تفاهماً مرحلياً، بل تحوّلت إلى مفترق طرق يضع نتنياهو أمام معادلة معقّدة: تمرير الصفقة دون سقوط الحكومة، أو الاندفاع نحو احتلال غزة بالكامل بكل ما يحمله ذلك من كوارث سياسية وأمنية وبشرية.
اجتماعات نتنياهو مع سموتريتش وبن غفير لا تأتي فقط في إطار التهدئة داخل الائتلاف، بل تعكس إدراكاً دقيقاً لحقيقة أن أي انقسام داخلي سيكسر ظهر الحكومة، ويُفشل فرصة إقليمية تلوح خلف هذه الصفقة. الرسالة التي ينقلها نتنياهو لحلفائه واضحة: صوّتوا ضدّها إن شئتم، لكن لا تُسقطوا الحكومة. إنه يمنحهم مساحة رمزية للمعارضة، دون المساس ببنية الحكم. هذا ما يسمّى في علم السياسة "معارضة منضبطة"، وهي ضرورية لاحتواء الخلافات ضمن اليمين المتشظي دون تفجير المشهد.
وفي العمق، يدرك نتنياهو أن رفض الصفقة يعني حتمية التوغل في عمق القطاع، وتحمّل تكاليف سياسية وعسكرية هائلة، خاصة في ظل ضغوط أمريكية وإقليمية بدأت ترى ضرورة إنهاء الحرب ضمن سقف زمني منظور. وهنا يظهر ما هو أخطر: الحرب لم تعد قراراً عسكرياً صرفاً، بقدر ما هي أصبحت عبئاً سياسياً داخلياً وورقة دولية متداولة بين أطراف تسعى لإعادة هندسة الإقليم بعد الحرب، وفي مقدمتهم إدارة ترامب العائدة بخطة جاهزة لما بعد غزة.
شركاء نتنياهو، رغم تطرفهم المعلن، ليسوا على استعداد لخوض مغامرة انتخابات مبكرة الآن، إذ يعلمون أن مزاج الشارع الإسرائيلي بدأ يتغير، وأن فقدانهم للشارع يعني فقدانهم للمقاعد. ولهذا، من المرجّح أن يمنحوا نتنياهو ضوءاً أخضر خفياً للمضي في المرحلة الأولى من صفقة الستين يوماً، دون أن يعلنوا تأييداً صريحاً لها، حفاظاً على خطابهم أمام جمهورهم.
نهاية يوليو قد يشهد ولادة هذه الصفقة التي ستدشن فصلاً انتقالياً جديداً: فصلاً تتخلخل فيه موازين الحرب، وتتقدّم فيه الحسابات الانتخابية على الحسابات العسكرية. ستُسلَّم مفاتيح الترتيب النهائي للحرب إلى الأميركيين والعرب، بينما يبدأ نتنياهو بتعبئة خطابه الانتخابي على قاعدة أنه الرجل الذي قاتل حتى الرمق الأخير، ثم فاوض ليُنقذ الدولة من الانهيار.
لكن، خلف هذه الصفقة يقف سؤال لا يغيب: ماذا عن غزة؟
هل يُترَك الغزيّون وحدهم مرة أخرى في زوايا الموت والدمار تحت شعارات "الحلول الكبرى"؟
وهل يعاد تدوير الاحتلال بصيغ إنسانية وتنسيقية جديدة؟
الوقت وحده سيُجيب، لكن الواضح أن صفقة الستين يوماً ليست نهاية للحرب، بقدر ما هي بداية لحربٍ من نوعٍ مختلف، تُدار فيها المصائر من الغرف المغلقة.
بقلم: جواد العقَّاد| كاتب سياسي
في المشهد الإسرائيلي الراهن، تبدو لعبة التوازن التي يخوضها نتنياهو أشبه بمحاولة السير على حبل مشدود فوق نارين: نار الانهيار السياسي، ونار تعقيدات الضغط الأمريكي. فما يُعرف إعلامياً "صفقة الستين يوماً" لم تعد تفاهماً مرحلياً، بل تحوّلت إلى مفترق طرق يضع نتنياهو أمام معادلة معقّدة: تمرير الصفقة دون سقوط الحكومة، أو الاندفاع نحو احتلال غزة بالكامل بكل ما يحمله ذلك من كوارث سياسية وأمنية وبشرية.
اجتماعات نتنياهو مع سموتريتش وبن غفير لا تأتي فقط في إطار التهدئة داخل الائتلاف، بل تعكس إدراكاً دقيقاً لحقيقة أن أي انقسام داخلي سيكسر ظهر الحكومة، ويُفشل فرصة إقليمية تلوح خلف هذه الصفقة. الرسالة التي ينقلها نتنياهو لحلفائه واضحة: صوّتوا ضدّها إن شئتم، لكن لا تُسقطوا الحكومة. إنه يمنحهم مساحة رمزية للمعارضة، دون المساس ببنية الحكم. هذا ما يسمّى في علم السياسة "معارضة منضبطة"، وهي ضرورية لاحتواء الخلافات ضمن اليمين المتشظي دون تفجير المشهد.
وفي العمق، يدرك نتنياهو أن رفض الصفقة يعني حتمية التوغل في عمق القطاع، وتحمّل تكاليف سياسية وعسكرية هائلة، خاصة في ظل ضغوط أمريكية وإقليمية بدأت ترى ضرورة إنهاء الحرب ضمن سقف زمني منظور. وهنا يظهر ما هو أخطر: الحرب لم تعد قراراً عسكرياً صرفاً، بقدر ما هي أصبحت عبئاً سياسياً داخلياً وورقة دولية متداولة بين أطراف تسعى لإعادة هندسة الإقليم بعد الحرب، وفي مقدمتهم إدارة ترامب العائدة بخطة جاهزة لما بعد غزة.
شركاء نتنياهو، رغم تطرفهم المعلن، ليسوا على استعداد لخوض مغامرة انتخابات مبكرة الآن، إذ يعلمون أن مزاج الشارع الإسرائيلي بدأ يتغير، وأن فقدانهم للشارع يعني فقدانهم للمقاعد. ولهذا، من المرجّح أن يمنحوا نتنياهو ضوءاً أخضر خفياً للمضي في المرحلة الأولى من صفقة الستين يوماً، دون أن يعلنوا تأييداً صريحاً لها، حفاظاً على خطابهم أمام جمهورهم.
نهاية يوليو قد يشهد ولادة هذه الصفقة التي ستدشن فصلاً انتقالياً جديداً: فصلاً تتخلخل فيه موازين الحرب، وتتقدّم فيه الحسابات الانتخابية على الحسابات العسكرية. ستُسلَّم مفاتيح الترتيب النهائي للحرب إلى الأميركيين والعرب، بينما يبدأ نتنياهو بتعبئة خطابه الانتخابي على قاعدة أنه الرجل الذي قاتل حتى الرمق الأخير، ثم فاوض ليُنقذ الدولة من الانهيار.
لكن، خلف هذه الصفقة يقف سؤال لا يغيب: ماذا عن غزة؟
هل يُترَك الغزيّون وحدهم مرة أخرى في زوايا الموت والدمار تحت شعارات "الحلول الكبرى"؟
وهل يعاد تدوير الاحتلال بصيغ إنسانية وتنسيقية جديدة؟
الوقت وحده سيُجيب، لكن الواضح أن صفقة الستين يوماً ليست نهاية للحرب، بقدر ما هي بداية لحربٍ من نوعٍ مختلف، تُدار فيها المصائر من الغرف المغلقة.

التعليقات