حين يُكافئ القاتل راعيه.. نتنياهو يرشّح ترامب لـ"نوبل للسلام"
حين يُكافئ القاتل راعيه.. نتنياهو يرشّح ترامب لـ"نوبل للسلام"
بقلم: حلمي أبو طه
حين تنقلب المعايير وتسقط الأقنعة، يصبح تجميل الجرائم بطولة، وتبادل الأدوار بين الجلادين فعلاً مشروعاً. وفي مشهد محمّل بالدلالات، ويُسجَّل كواحد من أكثر لحظات السياسة الدولية سخرية، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خلال مأدبة عشاء رسمية في البيت الأبيض، عن تقديمه رسالة إلى لجنة جائزة نوبل للسلام، يرشّح فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لنيل الجائزة. "مفاجأة" لم يكن ترامب، بحسب نتنياهو، يعلم بها سلفاً، فجاء رد فعله مشحوناً بالدهشة والفخر والامتنان، وربط الأمر بـ"واو""، يعكس تماهياً في الأدوار؛ وكأنهما يتبادلان الجوائز بدل أن يُسألا عن الثمن الإنساني لتحالفهما. والهدف من هذا الإعلان إظهار التحالف المتين بين ترامب ونتنياهو كتحالف أخلاقي لا سياسي فحسب.
هذه ليست مفاجأة... بل درس قاسٍ عن كيف يُمنح السلام لمن يصنع الحرب، إذا امتلك أدوات السرد والإعلام والقوة. وهنا أنا لست مندهشاً: "فإن لم تستحِ فافعل ما شئت"... فهذا اقل ما يقال: حين يرشّح رأس حكومة الاحتلال، ومتهم بجرائم حرب، رئيس أمريكيا لجائزة نوبل للسلام، فإننا أمام مفارقة أخلاقية فاضحة مكتملة الأركان. رجلٌ وفّر الغطاء السياسي والمالي والدبلوماسي لأبشع عدوان عرفته غزة، يتحوّل على يد حليفه المجرم إلى رمزٍ للسلام! مشهد استعراضي مدروس: تقديم الرسالة خلال حفل عشاء في البيت الأبيض، وبأسلوب المفاجأة العاطفية، ليس عفوياً. إنه استثمار إعلامي محسوب يراد منه تحسين صورة ترامب، وإظهار عمق التحالف "القيمي" بين الطرفين. هذه الخطوة ليست تكريماً، بل تحدٍ لمشاعر الضحايا، واستهتاراً بالقيم التي يفترض أن تمثلها جائزة نوبل للسلام. إنها تقول ضمناً: "السلام هو ما نعرّفه نحن، لا ما يُعاني الناس من أجله".
لقد بات واضحاً أن بعض الترشيحات للجوائز لم تعد تقدم بناءً على منطق الاستحقاق الأخلاقي أو الإنجاز الإنساني، بل تُستخدم كأداة ناعمة لإعادة تلميع وجوه تلطخت بالدم، وتثبيت سرديات المنتصر ولو كانت على حساب الحقيقة. من حيث اليات الترشيح: لا يمكن لأي شخص ترشيح نفسه للجائزة، وانما يتم الترشيح من قبل اشخاص مؤهلين فقط، مثل أعضاء الاكاديميات وأساتذة الجامعات، والحائزين على جوائز سابقة، وأعضاء المجالس التشريعية، وغيرهم مما هم في مقامهم. وفيما يتعلق بفرع السلام، يجوز لأي شخص يستوفي شروط الترشيح أن يرشح لجائزة نوبل للسلام. ولا يشترط تقديم خطاب دعوة للتقديم. مجموع المرشحين لجائزة نوبل للسلام لعام 2025 وصل الى 338 مرشحاً، منهم 244 فرداً و94 منظمة.
ما معنى أن يُرشّح من بارك الحرب، وتغاضى عن المجازر، بل وساهم في تمويلها سياسياً وعسكرياً، ليُصبح فجأة "صانع سلام"؟ إن الترشيح لا يحرج الفلسطينيين وحدهم، ولا الضحايا الذين لم تجف دماؤهم بعد، بل يُحرج المجتمع الدولي كله، ويكشف التهاوي الأخلاقي للمؤسسات التي يفترض أن تحرص القيم لا أن تساوم عليها. ما يُقال عن هذا الترشيح لا يجب أن يُقرأ فقط من زاوية العلاقات الشخصية أو المجاملات، بل كجزء من تسويق رواية محددة للعالم: أن "السلام" هو ما تصنعه القوة لا ما يُبنى على العدالة". وأن من يدير الحرب، يمكن أيضاً أن يُتوّج رجل سلام إذا امتلك أدوات السرد والسيطرة على المشهد. في هذا السياق، يصبح الترشيح بحد ذاته رسالة حرب نفسية، لا إعلان نوايا سلمية. وهو جزء من مسار بات يكرّس فصل القيم عن السياسة، حيث تُمنح الجوائز على أساس الاصطفاف لا الإنجاز، وعلى أساس النفوذ لا الموقف.
هذا الحدث يتجاوز الطابع البروتوكولي أو الشخصي. إنه محاولة لإعادة تعريف "السلام" خارج معناه الأخلاقي والتاريخي. وليس خافياً على أحد الدور الذي لعبه، ويلعبه ترامب خلال فترة رئاسته الأولى في ترسيخ الاحتلال، بدءاً من الاعتراف بالقدس "عاصمة موحدة لإسرائيل"، مروراً بالجولان، وبخطة "صفقة القرن"، وانتهاءً بتوقيع اتفاقيات تطبيع كانت برعاية مباشرة منه، دون أن تُراعى فيها الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. أما اليوم، وهو على رأس السلطة مجدداً، فلا يبدو أن مقاربته للصراع قد تغيّرت. بل تزداد الرمزية خطورة حين يتحول التواطؤ السياسي إلى ترشيح رسمي لجائزة عالمية، في لحظة نزيف فلسطيني مستمر، وتدمير واسع لغزة، ومعاناة إنسانية غير مسبوقة.
إن استخدام جائزة نوبل – التي يُفترض أن تُمنح لمن يسهم في تخفيف النزاعات لا تغذيتها – في هذا السياق، هو اختطاف سياسي لرمزية الجائزة ومكانتها الأخلاقية. ويعكس هشاشة المعايير حين تقع في قبضة مراكز النفوذ. فالسلام ليس إعلاناً، ولا جائزة، ولا لحظة مجاملة أمام الكاميرات. السلام الحقيقي يُبنى بالعدل... ومن لا يملك لغة العدالة، لا يحق له الحديث باسم السلام. وختاماً: نعم، يمكن ترشيح، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للجائزة، لكن الفوز شيء آخر تماماً.
فمن غير المرجّح إطلاقاً تحقيق ذلك، ما لم تحدث تغييرات دراماتيكية في السياسة العالمية أو تُمارَس ضغوط ضخمة (وحتى هذا يبقى غير مضمون). ففي ظل ما تشهده غزة من دمار وقتل بدعم أمريكي معلن، يصبح ترشيحه استفزازاً أخلاقياً أكثر منه تكريماً حقيقياً. فاللجنة النرويجية لجائزة نوبل تدرك أن السلام لا يُقاس بالمجاملات السياسية، بل يُبنى على العدالة… ومن لا يملكها لا يستحق نوبل، مهما عظُم منصبه.
بقلم: حلمي أبو طه
حين تنقلب المعايير وتسقط الأقنعة، يصبح تجميل الجرائم بطولة، وتبادل الأدوار بين الجلادين فعلاً مشروعاً. وفي مشهد محمّل بالدلالات، ويُسجَّل كواحد من أكثر لحظات السياسة الدولية سخرية، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خلال مأدبة عشاء رسمية في البيت الأبيض، عن تقديمه رسالة إلى لجنة جائزة نوبل للسلام، يرشّح فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لنيل الجائزة. "مفاجأة" لم يكن ترامب، بحسب نتنياهو، يعلم بها سلفاً، فجاء رد فعله مشحوناً بالدهشة والفخر والامتنان، وربط الأمر بـ"واو""، يعكس تماهياً في الأدوار؛ وكأنهما يتبادلان الجوائز بدل أن يُسألا عن الثمن الإنساني لتحالفهما. والهدف من هذا الإعلان إظهار التحالف المتين بين ترامب ونتنياهو كتحالف أخلاقي لا سياسي فحسب.
هذه ليست مفاجأة... بل درس قاسٍ عن كيف يُمنح السلام لمن يصنع الحرب، إذا امتلك أدوات السرد والإعلام والقوة. وهنا أنا لست مندهشاً: "فإن لم تستحِ فافعل ما شئت"... فهذا اقل ما يقال: حين يرشّح رأس حكومة الاحتلال، ومتهم بجرائم حرب، رئيس أمريكيا لجائزة نوبل للسلام، فإننا أمام مفارقة أخلاقية فاضحة مكتملة الأركان. رجلٌ وفّر الغطاء السياسي والمالي والدبلوماسي لأبشع عدوان عرفته غزة، يتحوّل على يد حليفه المجرم إلى رمزٍ للسلام! مشهد استعراضي مدروس: تقديم الرسالة خلال حفل عشاء في البيت الأبيض، وبأسلوب المفاجأة العاطفية، ليس عفوياً. إنه استثمار إعلامي محسوب يراد منه تحسين صورة ترامب، وإظهار عمق التحالف "القيمي" بين الطرفين. هذه الخطوة ليست تكريماً، بل تحدٍ لمشاعر الضحايا، واستهتاراً بالقيم التي يفترض أن تمثلها جائزة نوبل للسلام. إنها تقول ضمناً: "السلام هو ما نعرّفه نحن، لا ما يُعاني الناس من أجله".
لقد بات واضحاً أن بعض الترشيحات للجوائز لم تعد تقدم بناءً على منطق الاستحقاق الأخلاقي أو الإنجاز الإنساني، بل تُستخدم كأداة ناعمة لإعادة تلميع وجوه تلطخت بالدم، وتثبيت سرديات المنتصر ولو كانت على حساب الحقيقة. من حيث اليات الترشيح: لا يمكن لأي شخص ترشيح نفسه للجائزة، وانما يتم الترشيح من قبل اشخاص مؤهلين فقط، مثل أعضاء الاكاديميات وأساتذة الجامعات، والحائزين على جوائز سابقة، وأعضاء المجالس التشريعية، وغيرهم مما هم في مقامهم. وفيما يتعلق بفرع السلام، يجوز لأي شخص يستوفي شروط الترشيح أن يرشح لجائزة نوبل للسلام. ولا يشترط تقديم خطاب دعوة للتقديم. مجموع المرشحين لجائزة نوبل للسلام لعام 2025 وصل الى 338 مرشحاً، منهم 244 فرداً و94 منظمة.
ما معنى أن يُرشّح من بارك الحرب، وتغاضى عن المجازر، بل وساهم في تمويلها سياسياً وعسكرياً، ليُصبح فجأة "صانع سلام"؟ إن الترشيح لا يحرج الفلسطينيين وحدهم، ولا الضحايا الذين لم تجف دماؤهم بعد، بل يُحرج المجتمع الدولي كله، ويكشف التهاوي الأخلاقي للمؤسسات التي يفترض أن تحرص القيم لا أن تساوم عليها. ما يُقال عن هذا الترشيح لا يجب أن يُقرأ فقط من زاوية العلاقات الشخصية أو المجاملات، بل كجزء من تسويق رواية محددة للعالم: أن "السلام" هو ما تصنعه القوة لا ما يُبنى على العدالة". وأن من يدير الحرب، يمكن أيضاً أن يُتوّج رجل سلام إذا امتلك أدوات السرد والسيطرة على المشهد. في هذا السياق، يصبح الترشيح بحد ذاته رسالة حرب نفسية، لا إعلان نوايا سلمية. وهو جزء من مسار بات يكرّس فصل القيم عن السياسة، حيث تُمنح الجوائز على أساس الاصطفاف لا الإنجاز، وعلى أساس النفوذ لا الموقف.
هذا الحدث يتجاوز الطابع البروتوكولي أو الشخصي. إنه محاولة لإعادة تعريف "السلام" خارج معناه الأخلاقي والتاريخي. وليس خافياً على أحد الدور الذي لعبه، ويلعبه ترامب خلال فترة رئاسته الأولى في ترسيخ الاحتلال، بدءاً من الاعتراف بالقدس "عاصمة موحدة لإسرائيل"، مروراً بالجولان، وبخطة "صفقة القرن"، وانتهاءً بتوقيع اتفاقيات تطبيع كانت برعاية مباشرة منه، دون أن تُراعى فيها الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. أما اليوم، وهو على رأس السلطة مجدداً، فلا يبدو أن مقاربته للصراع قد تغيّرت. بل تزداد الرمزية خطورة حين يتحول التواطؤ السياسي إلى ترشيح رسمي لجائزة عالمية، في لحظة نزيف فلسطيني مستمر، وتدمير واسع لغزة، ومعاناة إنسانية غير مسبوقة.
إن استخدام جائزة نوبل – التي يُفترض أن تُمنح لمن يسهم في تخفيف النزاعات لا تغذيتها – في هذا السياق، هو اختطاف سياسي لرمزية الجائزة ومكانتها الأخلاقية. ويعكس هشاشة المعايير حين تقع في قبضة مراكز النفوذ. فالسلام ليس إعلاناً، ولا جائزة، ولا لحظة مجاملة أمام الكاميرات. السلام الحقيقي يُبنى بالعدل... ومن لا يملك لغة العدالة، لا يحق له الحديث باسم السلام. وختاماً: نعم، يمكن ترشيح، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للجائزة، لكن الفوز شيء آخر تماماً.
فمن غير المرجّح إطلاقاً تحقيق ذلك، ما لم تحدث تغييرات دراماتيكية في السياسة العالمية أو تُمارَس ضغوط ضخمة (وحتى هذا يبقى غير مضمون). ففي ظل ما تشهده غزة من دمار وقتل بدعم أمريكي معلن، يصبح ترشيحه استفزازاً أخلاقياً أكثر منه تكريماً حقيقياً. فاللجنة النرويجية لجائزة نوبل تدرك أن السلام لا يُقاس بالمجاملات السياسية، بل يُبنى على العدالة… ومن لا يملكها لا يستحق نوبل، مهما عظُم منصبه.

التعليقات