عاجل

  • وزير الصحة اللبناني للجزيرة: الحصيلة الأولية للاعتداءات الإسرائيلية ٨٩ شهيدا وأكثر من ٧٢٢ جريحا

  • ول ستريت جورنال عن مصادر: إيران أبلغت الوسطاء أن مشاركتها بمحادثات إسلام آباد مشروطة بوقف إطلاق النار بلبنان

  • وكالة "تسنيم": إيران سترد على هجمات إسرائيل الأخيرة في لبنان

غزة ليست بدراً.. والاختلاف ليس نفاقاً

غزة ليست بدراً.. والاختلاف ليس نفاقاً
غزة ليست بدراً.. والاختلاف ليس نفاقاً

بقلم/ حلمي أبو طه

من المحزن والمؤسف أن نقرأ بعض المهاترات والتأويلات والتخاريف، التي تُلبِس الفعل السياسي والعسكري لفصيلٍ بعينه لباساً دينياً مقدساً، فيتم استدعاء معارك الإسلام الأولى، مثل بدر والخندق، بطريقة انتقائية سطحية لتبرير قرارات سياسية وعسكرية معاصرة، اتخذته جهة واحدة دون إجماع وطني، في سياقات مختلفة تماماً من حيث القيادة والشرعية والأهداف والظروف. فيُقارنها بما حدث في السابع من أكتوبر. تجنياً على التاريخ، وتجاهلاً فادحاً لتعقيدات الواقع الفلسطيني. والأسوأ من ذلك، أن يُوصم ويوصف كل من يُبدي رأياً مخالفاً بأنه "منافق منزوع الإيمان". هذه اللغة، مهما تزيّنت بالعاطفة، فهي لغة استعلائية إقصائية تُسيء إلى الدين. فالاختلاف ليس خيانة، والنقد لا يعني الفُرقة، بل ظاهرة صحية، دليل على حيوية الشعوب وحرصها على مستقبلها.

غزوة بدر لم تكن مغامرة، ولا قراراً بشرياً مفاجئاً، والاستشهاد بها وكأنها خرجت ابتداءً لقتال جيش، هو أمر به الكثير من المغالطة والتدليس، فالنص القرآني والتاريخي يقول إن رسول الله ﷺ خرج لاعتراض قافلة قريش التجارية لتعويض أموال المهاجرين، ولم يكن القتال هدفاً في الأصل. قال تعالى: "وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم..." وهذا يشير إلى خيارين: القافلة أو القتال. فجاء القتال مفاجئاً، واختباراً إلهياً، لا خطةً بشرية مقصودة. فغزوة بدر ليست نموذجاً سياسياً معاصراً. فهناك فرق هائل بين قرار نبوي مؤيد بالوحي، وبين قرار سياسي لحركة منفردة، لم تُشاور أحداً، ولم يكن للشعب دور فيه، بل فوجئ به كما فوجئ العالم. ومع ذلك فالرسول ﷺ لم يمض إلى القتال رغم تأييده بالوحي دون شورى، بل جمع أصحاب العلاقة من مهاجرين وأنصار واستشارهم، وألح في طلب الرأي، وخصوصاً من الأنصار رغم انهم أبدوا استعدادهم المبكر بمشاركته قتال كفار قريش، إلا أنه ﷺ أراد أن يسمع موقف الأنصار صراحة. والذي جاء من سعد بن معاذ. ومثل هذا الموقف تجدد في غزوة الخندق حين نزل الرسول ﷺ على رأي سلمان الفارسي بحفر الخندق. وهذا يؤكد على أن القرارات المصيرية لا تُؤخذ بالعاطفة ولا بالمفاجآت، بل بالحكمة، والتوافق، وتحمل المسؤولية.

رسول الله ﷺ كان قائداً مفوّضاً بالوحي، والقرارات المصيرية كانت وحياً لا اجتهاداً شخصياً. يُرتّب الغزوات بأمر الله، أما في الواقع الفلسطيني، فليست هناك مرجعية دينية ملزمة ولا إجماع وطني شامل، بل انقسام، وتعدد في الرؤى والاجتهادات. كما أن الصحابة بايعوا على الطاعة في المنشط والمكره، ضمن مشروع نبوي جامع. أما ما حصل في السابع من أكتوبر فهو فعل فصيل، له حسابات خاصة، ولم يكن إجماعاً فلسطينياً ولا وطنياً عاماً. ورغم ذلك تحمل الشعب تبعاته وصبر، وهذا فارق أخلاقي وسياسي كبير يُحسب له. ولكن كيف يُعقل أن تُصبغ قرارات سياسية بمسوح القداسة، وتُعتبر مخالفتها نفاقاً؟ أليس في هذا خطر كبير على وحدة الصف، بل وعلى روح الإسلام نفسه الذي نهى عن التكفير وسوء الظن بالناس؟

ليس من الدين خلط التهور بالشجاعة، فالشجاعة الحقة ليست في المغامرة واتهام كل من يدعو للحكمة هو منافق وجبان تدور حوله الشبهات، فهذا تبسيط خطير ومخالف للمنهج النبوي، فقد عُرف عن النبي ﷺ التدرج، والموازنة، والاختيار بين المصلحة والمفسدة، ولم يكن متهوراً - حاشاه من ذلك - بل كثيراً ما كان يُؤخّر المواجهة متى رأى أن الظرف غير مناسب، كما في صلح الحديبية، رغم المعارضة الشديدة من بعض خيرة الصحابة. ولم يُقحم الناس في معارك بلا عُدّة ولا غطاء. فكم من قرارات اندفاعية في تاريخنا قُدمت كـ"ملاحم"، وانتهت بكوارث لا تُنسى؟ إن الشجاعة الحقّة ليست في إطلاق شرارة الحرب، بل في حسن التقدير، وتحمّل المسؤولية، واختيار التوقيت والظرف المناسبين... فذلك هو الفارق بين النُضج والانفعال.

الذين يدعون للتقييم الموضوعي، ويُناقشون جدوى التوقيت والأسلوب، ليسوا "منافقين" ولا "جبناء"، بل أناس يتحسسون نبض شعبهم، ويخشون على المدنيين، ويزنون الأمور بميزان المصلحة والمفسدة. وإسقاط الإيمان عنهم، وتخوينهم لمجرد أنهم اختلفوا، هو خطاب لا يصنع وعياً ولا تحريراً، بل فتنة واستعلاء. وهو نهج مرفوض شرعاً وعقلاً، ويفتح باب الفتنة. قال ﷺ: "إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما...". فغزة ليست ملكاً لفصيل، ولا ساحة لتجريب "السيناريوهات البطولية"، بل وطنٌ يسكنه شعبٌ حيّ، فيه علماء وحكماء ومجاهدون وأيتام وأرامل، وكل قرار يمس دماءهم وأرزاقهم لا بد أن يُتخذ بإجماع وطني، لا بمنطق المغامرة المنفردة. فالطريق إلى القدس يمر بوحدة الصف، ووضوح القيادة، ومشروعية القرار، لا بالمفاجآت التي يدفع المدنيون ثمنها. من حقنا أن نختلف حول "التوقيت والأسلوب"، دون أن يُتّهم أحد بالخيانة أو النفاق.

بدر لم تكن اندفاعة غير محسوبة، بل كانت نبوّة وقيادة إلهية في ظرف خاص. أما الواقع اليوم، فيحكمه ميزان المصالح والمفاسد، لا الحماسة العاطفية. كفى تخويناً واستعلاءً. فليس كل من خالفكم "منافقاً"، بل ربما كان أحرص منكم على الدم، والناس، والمستقبل. من حق من يرى أن التوقيت كان خاطئاً أن يُحترم رأيه، لأنه ينطلق من الحرص، لا من الجبن. كذلك الخطاب الذي يُقسّم الأمة حسب المواقف السياسية إلى "مؤمنين" و"منافقين" هو خطاب خطير، يُشبه خطاب الخوارج. وغزة ليست مزرعة لفصيل، بل وطن لشعبٍ حيّ، يحتاج لقرار جامع، لا مغامرة فردية. فغزة تحتاج إلى قيادة رشيدة، لا إلى نصوص مبتورة تُستدعى لشرعنه الخيارات، ولا إلى معارك تُقدَّم على أنها فتحٌ رباني، ثم يُترك الشعب يواجه العواقب وحده. من يحب غزة، لا يلبس اندفاعه ثوب النبوّة، ولا يتهم من خالفه بالكفر والخيانة. فنحن في زمن موازنات ومصائر، لا زمن وحي يُفصِّل التفاصيل.

غزة، اليوم، لا تحتاج إلى جنرالٍ جديد يُضيف اسمه إلى قائمة المعارك، بل إلى إنسان يحملها من تحت الركام، ويقود شعبها نحو النور، نحو الحياة، نحو وطنٍ لا يُبنى على الدمار، بل على الكرامة والرحمة والأمل. فكل صرخة طفل، وكل جرح أم، وكل بيتٍ هُدم… ينادي على قائدٍ حقيقي، لا يكتفي بأن يَثخن في العدو، بل يَثخن في وجعنا، ويقهر الموت بالحياة. فالنصر لا يعني فقط هزيمة العدو، بل أن يعود الأطفال إلى أحضان أمهاتهم، وأن يجد الناس قوت يومهم، وأن تُفتح أبواب المدارس والمستشفيات، وأن يشعر الناس الموجوعون أن هناك من يراهم في عتمة الألم. والبطولة والشجاعة الحقيقية لا تُخلّد إنجازاتنا بعدد الضربات التي تسقط على العدو، وبعدد من قتلنا، بل بعدد من أنقذنا من أرواح. ولكن قومي لا يعلمون.

التعليقات