بين تصلّب الشروط وتقلّب الضمانات: مفاوضات حماس وإسرائيل تحت مجهر اللحظة
بين تصلّب الشروط وتقلّب الضمانات: مفاوضات حماس وإسرائيل تحت مجهر اللحظة
بقلم: إبراهيم المدهون – كاتب ومحلل سياسي
في المشهد المعقّد الذي تفرضه المفاوضات الجارية بين حركة حماس والاحتلال الإسرائيلي، لا يزال التقدير الأقرب هو أن العملية التفاوضية تراوح ضمن نطاقات محدودة، لم تبلغ بعد مستوى التفاهمات الحاسمة، رغم ما يُقال عن تداول أوراق مقترحة ونقل رسائل متبادلة عبر الوسطاء.
وفق ما يرشح من معلومات، فإن نقطة الانطلاق التفاوضية ربما تشكلت حول تصور قدّمه الوسيط ويتكوف، بدا أقرب إلى مقاربة مبدئية وافقت عليها حركة حماس، ليتم بعد ذلك إحالتها إلى الجانب الإسرائيلي، الذي يُعتقد أنه سجّل اعتراضًا على بنود مركزية فيها، لا سيما ما يتعلق بترتيبات الإفراج عن الأسرى وضمانات ما بعد الصفقة.
في قلب هذا التباين، تبرز معضلة آلية تنفيذ الصفقة. فبينما تصر إسرائيل على الإفراج عن عشرة أسرى دفعة واحدة في مستهل الاتفاق، تتجه حماس إلى خيار التدرّج، مقترحة إطلاق خمسة أسرى في الأسبوع الأول من التهدئة، وخمسة في الأسبوع الأخير. هذا التوزيع لا يعكس مجرد فارق فني، بل يشير إلى تفاوت في التصور الاستراتيجي حول مدى التزام الطرف الآخر وقدرته على احترام الاتفاق حتى نهايته.
على المستوى السياسي، تبدو إسرائيل متحفظة على تقديم أي التزامات مكتوبة بشأن وقف الحرب أو الشروع في مسار تفاوضي أوسع، وهو ما تعتبره حماس عنصرًا لا غنى عنه لإنضاج أي صفقة، خاصة بعد تجربة طويلة من التملّص الإسرائيلي من الاستحقاقات. من هنا، يأتي طلبها بضمانات ذات طبيعة سياسية وعلنية، ويفضّل أن تكون صادرة عن الإدارة الأميركية الحالية، وربما مباشرة من الرئيس دونالد ترامب، بوصفه الطرف القادر على ممارسة ضغط فعلي ومؤثر على صانع القرار الإسرائيلي.
أما في ما يتعلق بـمدة الهدنة المقترحة، فثمة تباين آخر يتجلى في طرح حماس لتمديد أولي يمتد لـ90 يومًا، مقابل مقترح إسرائيلي لا يتجاوز سقف الـ60 يومًا، في إشارة إلى استمرار تل أبيب في التعامل مع التهدئة كأداة تكتيكية، لا كمقدمة لتحول استراتيجي في مقاربتها للأزمة.
على ضفة أخرى من المشهد، تسعى الإدارة الأميركية للعب دور الوسيط المعدّل، الذي لا يفرض تسوية جاهزة، ولكنه يبحث عن منطقة تقاطع بين المطالب المتباينة، وقد تميل واشنطن – كما جرت العادة – إلى دعم الموقف الإسرائيلي، مع محاولة احتواء حالة الغضب الإقليمي والدولي المتصاعدة جراء استمرار العدوان الإسرائيلي على غزة.
ورغم التعقيدات، فإن المؤشرات الصامتة تفيد بأن حماس لا تزال تضع وقف الحرب كأولوية استراتيجية، فيما تستمر إسرائيل في إدارة ملف المساعدات الإنسانية بشكل يعكس عقلية السيطرة والتحكم، ويتقاطع مع انتهاكات صارخة للقانون الدولي، بما في ذلك استخدام المواد الإنسانية كوسيلة ابتزاز سياسي وأمني.
تتزامن هذه المعطيات مع بوادر تحوّل حذر في الموقف الأميركي، قد يرتبط بتوقيت سياسي داخلي أو حسابات إقليمية أوسع، لا سيما أن العدوان الإسرائيلي قد دخل يومه الـ600 دون أن تنجح تل أبيب في تحقيق أهدافها المعلنة، بل وباتت تواجه حالة استنزاف ممتدة عسكريًا واقتصاديًا ونفسيًا.
في هذا السياق، يمكن قراءة حالة الجمود الإسرائيلي على أنها انعكاس لمأزق استراتيجي عميق، إذ تشير بعض التقديرات إلى أن استمرار العمليات الميدانية سيتطلب على الأقل خمسة أشهر إضافية، وهي مدة قد لا تتحمّلها إسرائيل داخليًا، ولا تملك واشنطن رفاهية تجاهل كلفتها المتصاعدة إقليميًا ودوليًا.
من هنا، لا يُستبعد أن تكون واشنطن بصدد إعداد ورقة تفاوضية جديدة، قد تُعرض على الرئيس ترامب للبت فيها، وفي حال تم الإعلان عنها عبره شخصيًا، فإن ذلك سيشكّل عامل ضغط كبير على الأطراف كافة، وخصوصًا على إسرائيل، التي قد تجد صعوبة في رفضها أمام الرأي العام الدولي، إذا ما حظيت هذه الورقة بغطاء سياسي وديبلوماسي عربي.
في المحصلة، تبدو المفاوضات محكومة بمعادلة دقيقة: الاحتلال يبحث عن تهدئة مؤقتة تتيح له إعادة التموضع، بينما تسعى حماس إلى تثبيت معادلة جديدة تضع حدًا نهائيًا للحرب، وتفتح نافذة نحو حل سياسي دائم. وفيما تتحرك واشنطن بين حدود الطرفين، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تحمل الأيام القادمة لحظة انفراج، أم مزيدًا من الدوران في الفراغ؟
بقلم: إبراهيم المدهون – كاتب ومحلل سياسي
في المشهد المعقّد الذي تفرضه المفاوضات الجارية بين حركة حماس والاحتلال الإسرائيلي، لا يزال التقدير الأقرب هو أن العملية التفاوضية تراوح ضمن نطاقات محدودة، لم تبلغ بعد مستوى التفاهمات الحاسمة، رغم ما يُقال عن تداول أوراق مقترحة ونقل رسائل متبادلة عبر الوسطاء.
وفق ما يرشح من معلومات، فإن نقطة الانطلاق التفاوضية ربما تشكلت حول تصور قدّمه الوسيط ويتكوف، بدا أقرب إلى مقاربة مبدئية وافقت عليها حركة حماس، ليتم بعد ذلك إحالتها إلى الجانب الإسرائيلي، الذي يُعتقد أنه سجّل اعتراضًا على بنود مركزية فيها، لا سيما ما يتعلق بترتيبات الإفراج عن الأسرى وضمانات ما بعد الصفقة.
في قلب هذا التباين، تبرز معضلة آلية تنفيذ الصفقة. فبينما تصر إسرائيل على الإفراج عن عشرة أسرى دفعة واحدة في مستهل الاتفاق، تتجه حماس إلى خيار التدرّج، مقترحة إطلاق خمسة أسرى في الأسبوع الأول من التهدئة، وخمسة في الأسبوع الأخير. هذا التوزيع لا يعكس مجرد فارق فني، بل يشير إلى تفاوت في التصور الاستراتيجي حول مدى التزام الطرف الآخر وقدرته على احترام الاتفاق حتى نهايته.
على المستوى السياسي، تبدو إسرائيل متحفظة على تقديم أي التزامات مكتوبة بشأن وقف الحرب أو الشروع في مسار تفاوضي أوسع، وهو ما تعتبره حماس عنصرًا لا غنى عنه لإنضاج أي صفقة، خاصة بعد تجربة طويلة من التملّص الإسرائيلي من الاستحقاقات. من هنا، يأتي طلبها بضمانات ذات طبيعة سياسية وعلنية، ويفضّل أن تكون صادرة عن الإدارة الأميركية الحالية، وربما مباشرة من الرئيس دونالد ترامب، بوصفه الطرف القادر على ممارسة ضغط فعلي ومؤثر على صانع القرار الإسرائيلي.
أما في ما يتعلق بـمدة الهدنة المقترحة، فثمة تباين آخر يتجلى في طرح حماس لتمديد أولي يمتد لـ90 يومًا، مقابل مقترح إسرائيلي لا يتجاوز سقف الـ60 يومًا، في إشارة إلى استمرار تل أبيب في التعامل مع التهدئة كأداة تكتيكية، لا كمقدمة لتحول استراتيجي في مقاربتها للأزمة.
على ضفة أخرى من المشهد، تسعى الإدارة الأميركية للعب دور الوسيط المعدّل، الذي لا يفرض تسوية جاهزة، ولكنه يبحث عن منطقة تقاطع بين المطالب المتباينة، وقد تميل واشنطن – كما جرت العادة – إلى دعم الموقف الإسرائيلي، مع محاولة احتواء حالة الغضب الإقليمي والدولي المتصاعدة جراء استمرار العدوان الإسرائيلي على غزة.
ورغم التعقيدات، فإن المؤشرات الصامتة تفيد بأن حماس لا تزال تضع وقف الحرب كأولوية استراتيجية، فيما تستمر إسرائيل في إدارة ملف المساعدات الإنسانية بشكل يعكس عقلية السيطرة والتحكم، ويتقاطع مع انتهاكات صارخة للقانون الدولي، بما في ذلك استخدام المواد الإنسانية كوسيلة ابتزاز سياسي وأمني.
تتزامن هذه المعطيات مع بوادر تحوّل حذر في الموقف الأميركي، قد يرتبط بتوقيت سياسي داخلي أو حسابات إقليمية أوسع، لا سيما أن العدوان الإسرائيلي قد دخل يومه الـ600 دون أن تنجح تل أبيب في تحقيق أهدافها المعلنة، بل وباتت تواجه حالة استنزاف ممتدة عسكريًا واقتصاديًا ونفسيًا.
في هذا السياق، يمكن قراءة حالة الجمود الإسرائيلي على أنها انعكاس لمأزق استراتيجي عميق، إذ تشير بعض التقديرات إلى أن استمرار العمليات الميدانية سيتطلب على الأقل خمسة أشهر إضافية، وهي مدة قد لا تتحمّلها إسرائيل داخليًا، ولا تملك واشنطن رفاهية تجاهل كلفتها المتصاعدة إقليميًا ودوليًا.
من هنا، لا يُستبعد أن تكون واشنطن بصدد إعداد ورقة تفاوضية جديدة، قد تُعرض على الرئيس ترامب للبت فيها، وفي حال تم الإعلان عنها عبره شخصيًا، فإن ذلك سيشكّل عامل ضغط كبير على الأطراف كافة، وخصوصًا على إسرائيل، التي قد تجد صعوبة في رفضها أمام الرأي العام الدولي، إذا ما حظيت هذه الورقة بغطاء سياسي وديبلوماسي عربي.
في المحصلة، تبدو المفاوضات محكومة بمعادلة دقيقة: الاحتلال يبحث عن تهدئة مؤقتة تتيح له إعادة التموضع، بينما تسعى حماس إلى تثبيت معادلة جديدة تضع حدًا نهائيًا للحرب، وتفتح نافذة نحو حل سياسي دائم. وفيما تتحرك واشنطن بين حدود الطرفين، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تحمل الأيام القادمة لحظة انفراج، أم مزيدًا من الدوران في الفراغ؟

التعليقات