قوة المرأة بين الحكمة والأُنوثة: قراءة في الموروث والوعي المجتمعي

قوة المرأة بين الحكمة والأُنوثة: قراءة في الموروث والوعي المجتمعي
قوة المرأة بين الحكمة والأُنوثة: قراءة في الموروث والوعي المجتمعي

بقلم/ حلمي أبو طه

بينما كنا جالسين في مربع خيام النزوح بصحبة الوالدة وبناتي ونساء إخوتي نُحضّر طعام الغذاء وقد كان عبارة عن طبخة ملوخية، حيث أحضر إخوتي منها ما يكفي ويزيد لغداء العائلة لهذا اليوم. وقد جمعت الجلسة ثلة من أرحامي برعاية شقيقتي الكبرى أم أحمد، التي يستهويها هذا المشهد المفعم بالحياة والذكريات، وما ميز الجلسة عبق أوراق وعروق الملوخية الذي كان يملأ المكان. والجميع يقطفن أوراقها كطقسٍ شعبيّ أصيل، استعداداً لغسلها ثم طهوها، وفي ثنايا هذا المشهد كانت أجواء المكان تفيض بأحاديث أسرية تنبع من القلب وتغمرها العفوية والحنان، تنتقل الأحاديث بين قصص من الموروث وعبارات تلامس وجدان المجتمع الغزي.

وفيما نحن على تلك الحال، علتْ من بين الجمع صوت أم محمد، زوجة أخي، تنادي على ابنتها رباب، تدعوها للانضمام إلى حفلة تنقية أوراق الملوخية، ثم أتبعت نداءها بقولٍ مألوف: "بنتي قوية، وإن شاء الله ربنا يرزقها بزوج أقوى منها". هذه العبارة رغم بساطتها، استوقفتني كثيراً، بل كانت مدخلاً لحديثٍ أراه اليوم ضرورة. فهذه العبارة تكررت على مسامعي قبل هذا اليوم مرات لا تعد ولا تحصي، فهي تمثل امتداداً لموروث تربويّ واجتماعي عميق، يرى في قوة المرأة تحدّياً يجب أن يُقابل بقوة تُكافئه، وربما بشيء يحتاج إلى توازن وحكمة، بهذا الرجاء الذي خرج من قلب أم لابنتها فيه قدر من التقدير لابنتها، لكن الرجاء الأساسي موجه لزوج المستقبل لابنتها أن يكون عند حسن الظن. فالقوة التي نرجوها لأزواج بناتنا، ليست قوة القهر ولا سطوة اليد، بل قوة العقل والاتزان. فلماذا نفترض أن قوة البنت تحتاج رجلاً أقوى منها؟ أليس الأجدر أن نقول: لعل الله يرزقها بزوج أنضج منها؟ شريكٌ يُقدّر شخصيتها، ويؤمن بها، ويكملها لا يُقصيها؟

من هنا رأيتني قد فتح لي المجال للحديث، فهذا الملعب ملعبي وهذه الجلسات تستهويني وتروق لي خاصة في حضور من هم رحمك وعزوتك ورأيتني أتسائل موجهاً الحديث لوالدتي الحاجة مريم حفظها الله وأحسن ختامها: "لماذا حين نصف فتاة بالقوة نتبعها فوراً بالدعاء أن يرزقها الله من هو أقوى؟ وكأن قوتها خطر يجب أن يُلجم، لا نعمة يجب أن تُحترم. وكأننا نبحث لها عمّن يكسرها أو يُخمد نورها؟ لماذا لا نقول: لعل الله يرزقها شريكاً يحترم قوتها، ويصنع معها حياة متوازنة، لا ساحات نزاع؟". فالقوة التي تستحقها المرأة ليست تلك التي تُقابل بالغلبة، بل التي تُقابل بالحكمة والاحتواء، وبالاعتراف بأنها شريك لا خصم. والقوة المطلوبة في المرأة ليست في الغلبة أو في غلظة الطبع، ولا في تسلّط اللسان، بل هي القوة المقرونة بالمرونة والسكينة، بالحكمة وبدفء الأنوثة الراسخة في وعيها بذاتها ومكانتها. إنها قوة الفكر وقوة القلب الذي يُدير بيتاً ويُنشئ جيلاً.

رباب قوية؟ نعم وكل فتاة بقوتها تمثل نعمة لا تُواجه بتحدٍّ بل بشكر، تستحق من يُكملها لا من يُقابلها بالندية. ومن قال إن الرجولة في السيطرة؟ الرجولة الحقيقية فيمن يحتوي فيمن يصغي، فيمن يعترف أن قوة المرأة لا تنتقص من رجولته بل تُعزّزها. فربّ ضعيف المظهر قويّ الحِلم، وربّ هادئ الطبع عظيم الحكمة، وربّ متواضع الصوت عميق الأثر. والقوة التي تُبني بها البيوت ليست عضلات، بل سعة صدر واتزان فكر، وقلبٌ يعرف كيف يُنصت. وحين نربي أبناءنا على أن الرجولة تعني السيطرة، نخسر نساءً عظيمات، ونصنع زيجاتٍ تنهار تحت وهم القوامة المفهومة خطأً. إن قوة المرأة ليست عيباً يُخشى بل فضيلة تُثمّن، ما دامت منضبطة بضوابط الشريعة الإسلامية، مقرونةً بالحكمة والمرونة والدبلوماسية. تلك هي القوة التي تُبنى بها البيوت وتُصنع بها الأجيال. قوة المرأة لا تُقاس بغلظة الصوت والطبع، ولا بجسارة وتسلّط اللسان، ولا بتصلّب الرأي الذي يُشبه مقولة "خالف تُعرَف"، بل هي في رُقيّ الفكر، ويقظة الذهن، وحسن إدارة شؤون بيتها، وتنشئة أبنائها على الخير والوعي والمروءة، وبدفء الأنوثة الراسخة في وعيها ومكانتها. وقوة المرأة لا تنقض أنوثتها بل تكمّلها. فليست الأنوثة ضعفاً، ولا القوة خشونة. المرأة القوية ليست تلك التي تتخلى عن حيائها أو رقتها، بل تلك التي تعرف متى تكون صلبة ومتى تكون لينة، متى تصمت بحكمة، ومتى تتكلم بثقة.

لقد علمنا التاريخ أن أعظم النساء كنّ واثقات بأنوثتهن، معتزات بفكرهن، فجمعن المجد من طرفيه: الرفق والعزم، الحياء والحكمة. لقد سطّر التاريخ منذ فجره نماذج لنساءٍ جمعن بين القوة والرزانة، فكانت أسيا امرأة فرعون التي بفطنتها اختارت جوار الله فقالت "ربي ابني لي عندك بيتاً في الجنة". أيضاً بلقيس ملكة سبأ قادت مملكة بحكمة ودهاء، فكانت مثالاً للمرأة القائدة، صاحبة الرأي السديد والقرار الرشيد. وعندما وقفت أمام نبي الله سليمان عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، بكامل اتزانها السياسي والروحي لم تتنازل عن أنوثتها أو حيائها.

فظهرت حكمتها، وقوة بصيرتها، وحُسن تدبيرها، فجمعت بين قوة القرار ورقة التعبير فاستحقت الذكر في كتاب الله. وكذلك مريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها وزكرها الله مثلاً للذين أمنوا فكانت عنوان للطهر والثقة بالله، وصبراً راسخاً في وجه الابتلاء. وكذلك خديجة بنت خويلد، رضي الله عنها، سيدة قريش كانت سيدة أعمال ناجحة ذات رأي وعقل، عُرفت قبل الإسلام وبعده بقوة شخصيتها واتزانها. فكانت سنداً لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أحلك اللحظات، وشريكته في التأسيس والثبات، ومثلاً أعلى للزوجة المؤمنة الواعية الحانية فكانت أنوثتها حصناً ودفئاً، لا ضعفاً. 

هؤلاء النساء وغيرهنّ كثير، كنّ شاهدات على أن القوة لا تنتقص من الأنوثة، بل تعززها، وأن المرأة الواعية بنفسها لا تُهدّد التوازن، بل تصنعه. بل إن العرب أهل الفخر والنخوة والأنفة، كثيراً ما كانوا يُلقّبون أعز رجالهم بأسماء أخواتهم، فيُقال "أخو فلانة"، فتكون أخته سبباً في فخره ورفعته، لا عبئاً عليه أو مدعاة لتحجيمها وتقليلاً من شأنه، بل فخراً بها وبمكانتها. وكان يُحسب للرجل مقامه بين القوم إن كانت له أخت ذات مكانة وهيبة.

إننا بحاجة إلى أن نعيد صياغة مفاهيمنا حول "قوة المرأة". فهي ليست تهديداً، بل كنزٌ لمن عرف كيف يحتويه. قوة تُعزّز الرجل لا تُخاصمه، تُكمّله لا تُنافسه. هي قوة العقل لا العضلات، قوة المبدأ لا العناد، قوة العطاء لا التسلّط، قوتها بقدرتها على إدارة الحياة، وفهمها للتوازن بين العقل والعاطفة، وبين الحزم واللين. ولنعلم جميعاً أن النساء القويات الواعيات المؤمنات، هن اللاتي يُعتمد عليهم في بناء الأمم، لا فقط في تربية الأبناء. تلك الزوجات التي إن ذكرت، قيل عنها: "من بيتها تبدأ النهضة، وعلى يديها يُربّى المجد". فيا كل أب وأم، ربّوا بناتكم على العزة المصونة بالحكمة، لا على الخضوع الممزوج بالخوف. ويا كل شاب، لا تنظر إلى قوة الفتاة كخصم يجب قهره، بل كشريك تستمد منه العون والسند. واذكروا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي". فهذه هي القوة التي تُرضي الله، وتُرضي الخلق، وتُقيم البيوت على أسس المودة والرحمة.

التعليقات