التحرّك الأوروبي.. خطوة مهمة لكنها محكومة بسقف سياسي منخفض
التحرّك الأوروبي.. خطوة مهمة لكنها محكومة بسقف سياسي منخفض
بقلم: جواد العقَّاد
التحرّك الأوروبي الرسمي بعد ما يقارب عامين من حرب وجودية تُشنّ على الشعب الفلسطيني في غزة، وبعد موجة واسعة من التحركات الشعبية والمظاهرات في العواصم والمدن الأوروبية منذ بداية الحرب، يُعد خطوة إيجابية يجب البناء عليها، وتكثيف الجهد الدبلوماسي الفلسطيني عبر السلطة وسفاراتها، وكذلك من خلال المؤسسات الإعلامية والناشطين. فهذا التصاعد في الحراك الداعم لفلسطين هو تحوّل مهم ثقافياً وسياسياً، ويجب مواكبته بتعزيز روايتنا الفلسطينية، رواية الضحية التي تملك الحق، لا رواية المستسلم أو المتهم. فالشعب الفلسطيني هو صاحب الأرض والحق، وجوده ممتد في أعماق التاريخ ومتجذر في هذه الأرض، وليس طارئاً على وطنه.
(بريطانيا أوقفت مبيعات الأسلحة لإسرائيل وتدرس وقف التعاون التجاري، واستدعت السفيرة الإسرائيلية في لندن بسبب تصعيد الحرب، كما جمّدت مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة. وزير خارجيتها صرّح بوضوح: "منع الطعام عن غزة لا يضر حماس بل سكانها"، وهو تصريح يجسد بداية تغيير في الخطاب الرسمي البريطاني تجاه العدوان الإسرائيلي).
كما أصدرت فرنسا وبريطانيا وكندا بياناً مشتركاً، أكدوا فيه أنهم لن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام ما يجري في غزة، ولوّحوا باتخاذ "إجراءات ملموسة" إن لم تتوقف إسرائيل عن عدوانها، كما أعلنوا استعدادهم للاعتراف بدولة فلسطين ضمن إطار حل الدولتين، ورفضوا توسيع المستوطنات ولوّحوا بفرض عقوبات محددة.
وفي الاتحاد الأوروبي، يُبحث حالياً تعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل بسبب خروقاتها المستمرة لحقوق الإنسان. وتقود كل من هولندا وفرنسا مبادرة لإجبار المفوضية الأوروبية على تفعيل بند مراجعة الاتفاق، ويكفي تأييد 14 دولة حتى تتحرك المفوضية.
أما إسبانيا، فقد كانت من أوائل الدول التي وصفت العدوان بالإبادة الجماعية، واعترفت رسمياً بدولة فلسطين، بما يشمل غزة والضفة والقدس الشرقية، ووصفت الحرب بـ"القتل الأعمى للفلسطينيين"، متعهدة بالضغط على أوروبا من أجل اعتراف جماعي بدولة فلسطين.
وفي بيان مشترك لعدة دول أوروبية: النرويج، آيسلندا، إيرلندا، لوكسمبورغ، مالطا، سلوفينيا، وإسبانيا، طالبوا إسرائيل برفع الحصار فوراً عن غزة، ودعوا إلى انخراط دولي جاد في مفاوضات السلام، وحذروا من المجاعة والدمار الهائل، وأدانوا عنف المستوطنين في الضفة الغربية.
ورغم هذا التقدّم النسبي في الموقف الأوروبي، إلا أنه ما زال غير كافٍ ما لم يتحوّل إلى نتائج ملموسة تدعم وجود الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره، وتحقيق حلمه المشروع في دولة مستقلة عاصمتها القدس، ذلك المشروع الذي يحظى بإجماع وطني فلسطيني وعربي، وأقرّته جميع المواثيق الدولية.
شعبنا الفلسطيني ليس طارئاً على هذه الأرض، ولا يعشق الموت المجاني الذي فرضته عليه هذه الحرب المسعورة التي تشن من طرف واحد، ضحيتها شعب أعزل لا حول له ولا قوة. شعبنا لا يتحمل مسؤولية ما جرى في السابع من أكتوبر، ومعظم الشعب يرفضه تماماً، لا من باب التنازل عن حقه الوطني، بل من منطلق رفض الفوضى في طريقتها، ومكانها، وزمانها، ونتائجها.
فبعد عقود طويلة من الكفاح الوطني المسلح، ومسار طويل من المفاوضات التي لم تفضِ إلى شيء، وجد الفلسطيني نفسه أمام مفترق صعب لتقرير مصيره وحماية حلمه ووجوده.
لذا، لا بد من التأكيد مرة أخرى، كما أقول دائماً، على ضرورة بناء برنامج نضالي وطني موحد، يضمن تصاعد العمل الدبلوماسي، وتفعيل المقاومة الشعبية بكل أشكالها، بما يضمن تحقيق أهدافنا الوطنية بأقل الخسائر، ويمنع استغلال السلاح كمبرر لاستخدام القوة المفرطة ضد شعب أعزل.
التحرّك الأوروبي الأخير، مهما بدا غير مكتمل، هو نافذة نادرة يجب ألّا تُغلق، بل يجب دفعها نحو الانفتاح الكامل، من خلال نضالنا السياسي والإعلامي والحقوقي المستمر، لتظل فلسطين في الوجدان العالمي، ولتبقى قضيتنا حيّة كما أراد لها شهداؤها أن تكون: قضية كرامة وحق وعدالة.
هل يستفيق الضمير العالمي بعد أن سال كل هذا الدم؟
- يشهد الموقف الأوروبي تجاه الحرب على غزة تحوّلاً لافتاً في الشكل، دون أن يرقى حتى اللحظة إلى مستوى الفعل الكافي والمطلوب لإنقاذ ما تبقى من شعب يتعرض لإبادة متواصلة منذ أكثر من عام. هناك تحرك دبلوماسي، تصريحات أكثر جرأة، ومواقف تصب في خانة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، لكن الجوهر لا يزال أسير التردد السياسي والخوف من كسر المعادلة الأمريكية.
- في كل موقف أوروبي جديد، نسمع صدى صرخات شعوب خرجت إلى الشوارع منذ اليوم الأول للحرب، تطالب بوقف المجازر، بكسر الحصار، وبإنهاء الاحتلال. هذه المواقف الشعبية المتقدمة دفعت بعض الحكومات إلى إعادة النظر، ولكن ليس بدافع أخلاقي خالص، بل خوفاً من انكشاف ازدواجية المعايير وانهيار الخطاب الغربي عن "حقوق الإنسان" أمام نيران غزة.
- التحرك الأوروبي لا يزال محكوماً بسقف سياسي منخفض، لا يجرؤ على مقاطعة إسرائيل فعلياً، ولا على دعم مقاومة الشعب الفلسطيني بوصفها حقاً مشروعاً في وجه الاحتلال. هو تحرك اعتذاري، تصحيحي.. أوروبا التي رعت النظام الاستعماري في المنطقة، لا تزال تتلكأ في الاعتراف الكامل بحق الفلسطيني في تقرير مصيره على أرضه، لا كلاجئ دائم، ولا كضحية أبدية.
- لسنا معنيين اليوم بتبرير الألم، بل بتفكيك أسبابه. ولنا أن نقول بوضوح: إن الاعتراف بدولة فلسطين ليس هدية أوروبية، بل استحقاق تاريخي تأخر كثيراً، ويجب أن يُترجم فوراً إلى خطوات ملموسة، تبدأ بفرض عقوبات فعلية، مروراً بكسر الحصار، وليس انتهاءً بدعم جدي لحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس.
بقلم: جواد العقَّاد
التحرّك الأوروبي الرسمي بعد ما يقارب عامين من حرب وجودية تُشنّ على الشعب الفلسطيني في غزة، وبعد موجة واسعة من التحركات الشعبية والمظاهرات في العواصم والمدن الأوروبية منذ بداية الحرب، يُعد خطوة إيجابية يجب البناء عليها، وتكثيف الجهد الدبلوماسي الفلسطيني عبر السلطة وسفاراتها، وكذلك من خلال المؤسسات الإعلامية والناشطين. فهذا التصاعد في الحراك الداعم لفلسطين هو تحوّل مهم ثقافياً وسياسياً، ويجب مواكبته بتعزيز روايتنا الفلسطينية، رواية الضحية التي تملك الحق، لا رواية المستسلم أو المتهم. فالشعب الفلسطيني هو صاحب الأرض والحق، وجوده ممتد في أعماق التاريخ ومتجذر في هذه الأرض، وليس طارئاً على وطنه.
(بريطانيا أوقفت مبيعات الأسلحة لإسرائيل وتدرس وقف التعاون التجاري، واستدعت السفيرة الإسرائيلية في لندن بسبب تصعيد الحرب، كما جمّدت مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة. وزير خارجيتها صرّح بوضوح: "منع الطعام عن غزة لا يضر حماس بل سكانها"، وهو تصريح يجسد بداية تغيير في الخطاب الرسمي البريطاني تجاه العدوان الإسرائيلي).
كما أصدرت فرنسا وبريطانيا وكندا بياناً مشتركاً، أكدوا فيه أنهم لن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام ما يجري في غزة، ولوّحوا باتخاذ "إجراءات ملموسة" إن لم تتوقف إسرائيل عن عدوانها، كما أعلنوا استعدادهم للاعتراف بدولة فلسطين ضمن إطار حل الدولتين، ورفضوا توسيع المستوطنات ولوّحوا بفرض عقوبات محددة.
وفي الاتحاد الأوروبي، يُبحث حالياً تعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل بسبب خروقاتها المستمرة لحقوق الإنسان. وتقود كل من هولندا وفرنسا مبادرة لإجبار المفوضية الأوروبية على تفعيل بند مراجعة الاتفاق، ويكفي تأييد 14 دولة حتى تتحرك المفوضية.
أما إسبانيا، فقد كانت من أوائل الدول التي وصفت العدوان بالإبادة الجماعية، واعترفت رسمياً بدولة فلسطين، بما يشمل غزة والضفة والقدس الشرقية، ووصفت الحرب بـ"القتل الأعمى للفلسطينيين"، متعهدة بالضغط على أوروبا من أجل اعتراف جماعي بدولة فلسطين.
وفي بيان مشترك لعدة دول أوروبية: النرويج، آيسلندا، إيرلندا، لوكسمبورغ، مالطا، سلوفينيا، وإسبانيا، طالبوا إسرائيل برفع الحصار فوراً عن غزة، ودعوا إلى انخراط دولي جاد في مفاوضات السلام، وحذروا من المجاعة والدمار الهائل، وأدانوا عنف المستوطنين في الضفة الغربية.
ورغم هذا التقدّم النسبي في الموقف الأوروبي، إلا أنه ما زال غير كافٍ ما لم يتحوّل إلى نتائج ملموسة تدعم وجود الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره، وتحقيق حلمه المشروع في دولة مستقلة عاصمتها القدس، ذلك المشروع الذي يحظى بإجماع وطني فلسطيني وعربي، وأقرّته جميع المواثيق الدولية.
شعبنا الفلسطيني ليس طارئاً على هذه الأرض، ولا يعشق الموت المجاني الذي فرضته عليه هذه الحرب المسعورة التي تشن من طرف واحد، ضحيتها شعب أعزل لا حول له ولا قوة. شعبنا لا يتحمل مسؤولية ما جرى في السابع من أكتوبر، ومعظم الشعب يرفضه تماماً، لا من باب التنازل عن حقه الوطني، بل من منطلق رفض الفوضى في طريقتها، ومكانها، وزمانها، ونتائجها.
فبعد عقود طويلة من الكفاح الوطني المسلح، ومسار طويل من المفاوضات التي لم تفضِ إلى شيء، وجد الفلسطيني نفسه أمام مفترق صعب لتقرير مصيره وحماية حلمه ووجوده.
لذا، لا بد من التأكيد مرة أخرى، كما أقول دائماً، على ضرورة بناء برنامج نضالي وطني موحد، يضمن تصاعد العمل الدبلوماسي، وتفعيل المقاومة الشعبية بكل أشكالها، بما يضمن تحقيق أهدافنا الوطنية بأقل الخسائر، ويمنع استغلال السلاح كمبرر لاستخدام القوة المفرطة ضد شعب أعزل.
التحرّك الأوروبي الأخير، مهما بدا غير مكتمل، هو نافذة نادرة يجب ألّا تُغلق، بل يجب دفعها نحو الانفتاح الكامل، من خلال نضالنا السياسي والإعلامي والحقوقي المستمر، لتظل فلسطين في الوجدان العالمي، ولتبقى قضيتنا حيّة كما أراد لها شهداؤها أن تكون: قضية كرامة وحق وعدالة.
هل يستفيق الضمير العالمي بعد أن سال كل هذا الدم؟
- يشهد الموقف الأوروبي تجاه الحرب على غزة تحوّلاً لافتاً في الشكل، دون أن يرقى حتى اللحظة إلى مستوى الفعل الكافي والمطلوب لإنقاذ ما تبقى من شعب يتعرض لإبادة متواصلة منذ أكثر من عام. هناك تحرك دبلوماسي، تصريحات أكثر جرأة، ومواقف تصب في خانة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، لكن الجوهر لا يزال أسير التردد السياسي والخوف من كسر المعادلة الأمريكية.
- في كل موقف أوروبي جديد، نسمع صدى صرخات شعوب خرجت إلى الشوارع منذ اليوم الأول للحرب، تطالب بوقف المجازر، بكسر الحصار، وبإنهاء الاحتلال. هذه المواقف الشعبية المتقدمة دفعت بعض الحكومات إلى إعادة النظر، ولكن ليس بدافع أخلاقي خالص، بل خوفاً من انكشاف ازدواجية المعايير وانهيار الخطاب الغربي عن "حقوق الإنسان" أمام نيران غزة.
- التحرك الأوروبي لا يزال محكوماً بسقف سياسي منخفض، لا يجرؤ على مقاطعة إسرائيل فعلياً، ولا على دعم مقاومة الشعب الفلسطيني بوصفها حقاً مشروعاً في وجه الاحتلال. هو تحرك اعتذاري، تصحيحي.. أوروبا التي رعت النظام الاستعماري في المنطقة، لا تزال تتلكأ في الاعتراف الكامل بحق الفلسطيني في تقرير مصيره على أرضه، لا كلاجئ دائم، ولا كضحية أبدية.
- لسنا معنيين اليوم بتبرير الألم، بل بتفكيك أسبابه. ولنا أن نقول بوضوح: إن الاعتراف بدولة فلسطين ليس هدية أوروبية، بل استحقاق تاريخي تأخر كثيراً، ويجب أن يُترجم فوراً إلى خطوات ملموسة، تبدأ بفرض عقوبات فعلية، مروراً بكسر الحصار، وليس انتهاءً بدعم جدي لحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس.

التعليقات