فتح.. ذاكرة الثورة وخريطة الدولة: رد على من يجهل أو يتجاهل

فتح.. ذاكرة الثورة وخريطة الدولة: رد على من يجهل أو يتجاهل
فتح.. ذاكرة الثورة وخريطة الدولة: رد على من يجهل أو يتجاهل

بقلم/ حلمي أبو طه

في زمن تضيع فيه البوصلة، ويختلط الحماس بالتجريح، تخرج بعض الأصوات من خلال صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي وبكل جراءة التخوين والاستخفاف: ليتساءل "أتحدى أي أخ فتحاوي يقدم لي خطة فتح لتحرير فلسطين وإقامة الدولة". وأمثاله كثير من الملقنين المسيسين. يتفاخرون بما صنعت حماس – وكأنها ابتدعت الثورة من العدم – ويسائل حركة فتح بحقد دفين: "أين خطتكم للتحرير؟ أين مشروعكم للدولة؟" وكأن التاريخ والثورة تبدأ من آخر تدوينة، أو من شريط فيديو منفعِل، لا من أعوام المجد والتضحيات. 

قبل أن نتحدى التاريخ، علينا أن نقرأه. فمن السهل أن تُطلق الاتهامات، لكن من الإنصاف أن نُعيد العيون إلى الوراء قليلاً لتبصر. فحركة فتح لم تكن يوماً ترفع الشعارات من على الأرصفة، بل خاضت غمار الكفاح بشقيه: "المسلح والديبلوماسي"، فسجلت حضورها في كل ساحات النضال وأسست لمنظمة التحرير الفلسطينية طريقها ككيان جامع للشعب الفلسطيني، فكانت اللبنة الأولى لبناء المشروع الوطني، واعترف بها العالم ممثلاً شرعياً ووحيداً لشعبنا، بفضل نضال "فتح" ورجالها، لا منة من أحد. 

فتح هي الانطلاقة الأولى، من فجّرت الثورة الفلسطينية سنة 1965 حين لم يكن لفلسطين بندقية، يوم كانت القضية منسية في أدراج الأمم المتحدة. وهي التي قدّمت آلاف الشهداء، وواجهت الاحتلال في الخندق وبالقرار السياسي. من معركة الكرامة حيث حطمت أسطورة الجيش الذي لا يُقهر. إلى اجتياح بيروت حيث قاتلت حتى الرمق الأخير، لتبقى الكرامة الفلسطينية حيّة. ومن الانتفاضة الأولى إلى الثانية كان القرار فتحاوياً، والحجر فتحاوياً، والدم كذلك. ثم كانت الدبلوماسية الذكية داخل أروقة المحافل الدولية. ولم تكن مشروعاً للسلطة، بل خطة استراتيجية للتحرير. من خليل الوزير إلى صلاح خلف، من ياسر عرفات إلى سعد صايل، رجالاً صنعوا التاريخ بدمهم، لا ضجيجاً على الفيسبوك.

خطة فتح للتحرير وبناء الدولة رؤية تتجدد وتتطور، لا تُقاس بالمراحل، فهي مشروع وطني شمولي بُني على قاعدة "وعد الله" الذي لا يُخلف وعده، بأن الحق لا يضيع، وأن الحرية آتية لا محالة. من هذا الإيمان العميق بوعد الله، انطلقت فتح فاختارت الكفاح المسلح الوطني الشامل حين كان ضرورة وواجباً، وكانت البندقية هي الخيار الوحيد، فكانت فتح رأس الحربة. وحين تغيّرت موازين القوى، وأصبح العمل السياسي والدبلوماسي أداة لتحقيق الممكن دون التفريط بالثوابت، كانت فتح على قدر التحدي. فكان اتفاق أوسلو والذي لا أراه استسلاماً كما يصوره من طال لسانه وقل فعله، بل اختراقاً للجدار الدولي الصلب، لصالح الاعتراف بالحق الفلسطيني، في الأرض والدولة والهوية. ومنه انطلقت السلطة الوطنية لبناء المؤسسات الوطنية: لتحضير الأرضية لدولة مستقلة ذات سيادة. حيث فتحت مطار غزة الدولي كأول معلم سيادي في أرض الوطن، وكان ميناء غزة البحري على وشك أن يرى النور، لولا أن أجهضه من رفعوا شعار المقاومة وتاجروا بها. ومارست فتح الديمقراطية قولاً وفعلاً، فخاضت الانتخابات النيابية والرئاسية بشفافية واحترام، وكانت أول من سلّم السلطة بصندوق الاقتراع، لا ببيانٍ انقلابي. واختارت النضال الشعبي والدولي والدبلوماسي حين اختارت لفلسطين خوض معارك الأمم بالمقاومة السلمية والمواجهة القانونية، كأحد أوجه النضال الحديث من داخل اروقة الأمم المتحدة ومحكمة الجنايات الدولية. وإنْ كان في هذا العالم من لا يعرف فلسطين، فقد عرفها حين نطق بها ياسر عرفات في الأمم المتحدة، حاملاً غصن الزيتون في يد، والبندقية في الأخرى، وهي لحظة فارقة صنعتها "فتح" لا غيرها. 

خطة فتح للتحرير يأتي في مقدمتها أن الدم الفلسطيني ليس أداة في الصراع، ففتح لا تُزايد، ولا تحتاج أن ترفع الصوت لتثبت انتماءها لفلسطين. مشروعها لم يكن أبداً انفعالاً عابراً، بل مشروع تحرر وطني طويل النفس، يدرك تعقيدات الجغرافيا والسياسة، ويحترم حرمة الدم الفلسطيني، ودماء الشهداء من كل الفصائل. فهي التي قدمت قادتها شهداء قبل أي فصيل أخر، لم تتاجر بدم أحد، ولم ترفع بندقيتها في وجه فلسطيني. كان الدم الفلسطيني في عقيدتها خطاً أحمراً لا يُداس، وحرمة لا تُنتهك. وإن وقعت الانقسامات، كانت فتح أول من دعا إلى المصالحة، وأول من تراجع خطوة كي لا تُنزف غزة، ولا تُخنق الضفة، ولا يضيع المشروع.

لا نُزايد على حماس ولا على فصائلنا الاخرى، ولا نلغيها أو نستبعد أحداً، لكنا نُذكر أن لا أحد يملك مفاتيح الحقيقة الكاملة، فكما كانت "فتح" من اقدار الله التي كَتبت مسيرة الثورة، فإن "حماس" هي أيضاً قدر شاءه الله في زمن معين، لحكمة أرادها. ومن هنا نقول فلسطين أكبر من أي فصيل وأسمى من أن تُختزل في راية أو تُختطف بشعار. قد نختلف مع حماس في الرؤية، في الأدوات، وربما في الأولويات، لكنه خلاف لا يفسد للود قضية من جانبنا.

فنحن لا نخوّن مقاتليها، ولا نمحو دماء شهدائها، ولا نكتب التاريخ بالحقد، بل بالإجلال لدماء كل فلسطيني ارتقى في سبيل الوطن. 

فقط نرفض – دون مواربة – تلك السيولة المفاهيمية التي تُغرق خطاب "حماس"، في زمن ما بعد الحداثة، حيث تماهت الحدود بين المعاني، حتى بلغنا حدّ "سيولة الإنسان" نفسه. في هذا السياق، يقدم لنا الخطاب الرسمي لحماس ممثلاً في سامي أبو زهري ومن على شاكلته، إعادة إنتاج صورة "الشهيد" ليس كرمز وطني نقي، بل كوسيلة لترسيخ فكرة تشيوء الإنسان، حيث يُختزل الإنسان إلى "شيء"، إلى سلعة، إلى رقم في سوق الدماء، تُوظّف ضمن حسابات ربح وخسارة في صراع الكراسي. فأصبح شهدائنا – في هذا المنطق – خسائر تكتيكية، وكأنها أرقام دخلت في حسابات بنكية، وكلما زاد التقتيل والتشريد زادت الأرصدة البنكية وتحولت المأساة إلى فرص سياسية، ومن يجعل الوطن رهينة العناد، ومن يستبدل البوصلة الوطنية إلى خريطة لأجندات خارجية. أو أن تُبدّل الهوية الفلسطينية بخطاب تحريضي. "ففتح" تؤمن أن النضال ليس موسمياً، ولا انفعالياً، بل مشروع تحرر وطني طويل الأمد، تتبدل أدواته، لكن لا يتبدل فيه الهدف نحو: التحرير، والدولة، والكرامة. 

إن التباهي لا يُنقص من قيمة أحد، لكن التنكّر لتاريخ غيرك يُنقص من قيمتك. فالتحرير لا يتحقق بتسخيف نضال الآخرين، والوحدة لا تُبنى على أنقاض الاحترام، والدولة لا تقوم على رواية مبتورة أو مشهد مقطوع من سيرةٍ أوسع وأعمق وأصدق. فلا يمكن لعاقل منصف أن يتجاهل أن فتح هي من حافظت على الهوية الفلسطينية حين حاولوا دفنها، وهي من أبقت القضية حيّة حين أرادوا تصفيتها، وهي من بنت السلطة لتكون نواة الدولة، لا غنيمة لحزب أو فصيل. ففتح ليست بلا خطة، بل أنتم بلا ذاكرة. ففتح ربما تمرض وتتوجع، وربما تنحني أمام عواصف التحديات، لكنها لا تنكسر، إنها تنهض دوماً كطائر الفنيق. فتح لا ترد على الشتائم، لأنها مشغولة بحمل راية الوطن. ولا تزايد، لأنها دفعت الدم مهراً للحرية. وفتح باقية... لأنها ليست تنظيماً عابراً، بل قدرٌ وطنيٌ لا يُمحى، محفورٌ في الوعي، وركنٌ ثابت في مسيرة التحرير. وقد تختلف معها، لكن لا يمكنك أن تنكرها. قد تغضب منها، لكنك لا تستطيع أن تتجاوزها. لأنها ببساطة: كانت وما زالت... ضمير فلسطين النابض.

التعليقات