المشروع الوطني ومؤسسات الدولة: الواقع والمأمول

المشروع الوطني ومؤسسات الدولة: الواقع والمأمول
الكاتب الفلسطيني جواد العقاد
* إعادة دور منظمة التحرير مظلةً فعلية جامعة ومُوحدة، لا معنوية فحسب. 

* الخطر حقيقي ووجودي قادم من كل الجهات، لهذا فالوطن بحاجة إلى أبنائه المخلصين. 

* يجب المحافظة على القرار الفلسطيني مستقلاً نظيفاً نابعاً من إرادة شعبنا العظيمة. 

* الدعم المعنوي والمادي للصامدين في غزة هو واجب وطني وأخلاقي. 

* تحويل الاتحاد العام للصناعات الفلسطينية إلى غرفة صناعة فلسطين: فكرة في غير محلها زمن المعركة الوجودية. 

رأي: جواد العقَّاد - كاتب من غزة ورئيس تحرير صحيفة اليمامة 

"إن قـلبـي لــبــلادي لا لحزبٍ أو زعيمِ." أتمثل هنا قول الشاعر الأستاذ إبراهيم طوقان. وكفلسطيني، لا أجد أصدق من هذه الكلمات للتعبير عن حالتي العاطفية تجاه وطني، فلسطين، إذ إننا اليوم نمرّ بمرحلة مصيرية تحتاج منا جميعاً السعي لإعادة تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية بكل قواها الوطنية والتقدمية، فهي الممثل الشرعي الوحيد لشعبنا، ولا أؤمن بأي بديل عنها.

خصوصية المرحلة وتحدياتها 

لم تكن القضية الفلسطينية في يوم من الأيام بعيدة عن الأزمات. كل مرحلة من مراحل نضالنا تحمل في طياتها خصوصياتها وتحدياتها. واليوم، أكثر من أي وقت مضى، أشعر بالخوف ويدي على قلبي وقلبي على وطني. الخطر حقيقي ووجودي قادم من كل الجهات، لهذا فالوطن بحاجة إلى أبنائه المخلصين البارين، القادرين على إعادة بناء ما تهدم، واستعادة بوصلة النضال الوطني، فلا يمكننا أن نحارب الفساد والقضاء على الانقسام البغيض دون إعادة دور منظمة التحرير مظلةً فعلية جامعة ومُوحدة، لا معنوية فحسب. 

إذن، لا بدَّ من شعبنا الفلسطيني بكل أطيافه الالتفات حول مشروعنا الوطني بعيداً عن الاتهامات المتبادلة والتخوين. المطلوب اليوم هو الروح الوطنية فقط، فالوطن هو الهدف الأسمى، ولا شريك له. 

ويجب تعزيز ثقافة محاربة الفساد والفاسدين الذين هم عبء ثقيل على مؤسسات الوطن، فأنت حين تحتاج "ورقة" من مؤسسة ما يجب أن تحصل عليها بسهولة دون قرع أبواب هذا المسؤول أو ذاك. ولا يخفى علينا أو على المواطن البسيط إطلاقاً أن الفساد والمحسوبية في المؤسسات الوطنية يشكلان عائقاً كبيراً أمام مشروع الدولة وخدمة المواطنين. فعندما تُقدَّم المصالح الشخصية على المصلحة العامة، يصبح الحصول على الخدمات والحقوق الأساسية مرهوناً بالعلاقات الشخصية والواسطة، بدلاً من الكفاءة والاستحقاق. هذا الأمر يؤدي إلى تراجع الثقة بين المواطن والمؤسسة، ويزيد من الفجوة بين المشروع الوطني أو بالأحرى القائمين عليه والقاعدة الشعبية. 

الدولة الفلسطينية والاعتراف الدولي

 سعت القيادة الفلسطينية إلى نيل الاعتراف الدولي والعالمي بالدولة الفلسطينية على حدود عام 1967م، ولا شك أنها أحرزتْ تقدماً كبيراً منذ تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية، التي كانت نتاجاً لاتفاقيات أوسلو. (فاعترفت 147 دولة من أصل 193 دولة عضو في الأمم المتحدة بدولة فلسطين كدولة ذات عضوية كاملة في الأمم المتحدة) ومع أن الاعتراف الدولي المتزايد بالدولة الفلسطينية له أهمية كبرى، علينا أن نتعامل بحذر مع الواقع الراهن وتحدياته سياسياً واقتصادياً وثقافياً في ظل الاحتلال، فكيف نتعامل مع أنفسنا على أننا دولة وما زلنا تحت الاحتلال؟! 

مع ذلك يجب المحافظة على القرار الفلسطيني مستقلاً نظيفاً نابعاً من إرادة شعبنا العظيمة، فلا نقاتل إلا من أجل فلسطين، حتى نصل إلى تحقيق حلمنا في إقامة دولة مستقلة ذات سيادة.

الواقع المأزوم والانقسام السياسي 

وقبل أن نسعى لتحقق حلم الدولة المستقلة، علينا أن ننظر بعمق إلى المنعطفات السياسية التي عطَّلتْ مسار نضالنا الوطني؟ كيف سُمح لهذا الانقسام أن يستمر سنوات طويلة؟ ما الذي أرادته القوى الدولية والإقليمية التي غذَّت هذا الانقسام، وأشعلت نار التفرقة بيننا بالدولار؟ إن هذه الأسئلة تؤرق كل فلسطيني، وهو يتساءل عن معنى الوطن، ومصير الدولة، وحلم الاستقلال. 

فإن فكرة الاستقلال ليست مجرد حدود جغرافية، بل هي في جوهرها كرامة الإنسان وكينونته، فالشعوب التي تحررت من الاستعمار لم تكن تبحث عن مكاسب اقتصادية فحسب، بل كانت تسعى إلى حرية القرار المستقل ورفض التبعية. نحن أيضاً نسعى إلى هذا النوع من الاستقلال، ولا نريد أن نعيش تحت الاحتلال أو تحت رحمة أي قوة خارجية.

اليوم، المشروع الوطني الفلسطيني في لحظة مصيرية تهدد جوهره وثوابته. الحرب التي يعيشها شعبنا في غزة ليست حرباً عادية؛ إنها حرب على الوجود الفلسطيني، على الإنسان والأرض. هذه الحرب تتطلب من جميع الأطراف أن تتحمل مسؤولياتها. لم يعد هناك متسع للمزايدات والانقسامات التي تخدم المصالح الضيقة.

فالكتَّاب والمبدعون -كما حال أهل غزة كلهم- الذين يعيشون في قلب الحرب المسعورة في غزة، لا يمتلكون إلا صمودهم وإيمانهم بوطنهم، في الوقت الذي تتلقى فيه بعض المؤسسات تمويلاً ضخماً من الخارج، لا تقدم شيئاً لتعزيز وجودهم، فالدعم المعنوي والمادي للصامدين في غزة هو واجب وطني وأخلاقي، فكيف يمكن للمؤسسات الثقافية أن تغض الطرف عن الكُتّاب الفلسطينيين في غزة؟ الكاتب الفلسطيني إن لم يعتمد على نفسه وأصدقائه إبداعياً، فلن تصل كلمته الحرة، وربما هناك من لا يريد لهذه الكلمة أن تصل. 

تحويل الاتحاد العام للصناعات الفلسطينية إلى غرفة صناعة فلسطين: فكرة في غير محلها زمن المعركة الوجودية 

وفي سياق الحديث عن المؤسسات الوطنية ودورها في دعم المشروع الوطني، يجدر بنا الإشارة إلى النقاشات الحالية حول تحويل "الاتحاد العام للصناعات الفلسطينية" إلى غرفة "صناعة فلسطين". فقد اطلعت مؤخراً على ما نُشر في "صحيفة الأيام" عن سعي "الاتحاد العام للصناعات الفلسطينية" لتحويل اسمه إلى غرفة "صناعة فلسطين" وهي فكرة في غير محلها زمن المعركة الوجودية. فإننا في مرحلةٍ من أخطر المراحل التي تمر بها قضيتنا الفلسطينية، تتصاعد المحاولات لتغيير المسميات والهياكل القانونية، وكأن هذا هو التحدي الأكبر الذي يواجهنا. وعليه فتحويل الاتحاد العام للصناعات الفلسطينية إلى غرفة صناعة فلسطين، ومنحها الامتيازات القانونية الخاصة بالشق الصناعي للغرفة التجارية، ليس مجرد إجراء إداري عابر، بل خطوة قد تزيد من تعقيد الواقع المؤسسي الفلسطيني وتعمّق أزماته وانقساماته. 

فما الذي يعنيه هذا التحوّل في وقتٍ يعاني فيه الشعب الفلسطيني من حصار خانق وحرب إبادة في غزة، واحتلالٍ مستمر في الضفة، وتهديدٍ وجودي في القدس؟ ما نحتاجه الآن ليس المزيد من الأعباء القانونية والرسوم المالية، بل تحرير المؤسسات الوطنية من قيد المصالح والانقسامات وزيادة فاعليتها لدعم صمود الشعب الفلسطيني الذي يُذبح يومياً وتهدم منازله ومنشآته الصناعية والتجارية والاقتصادية. 

منذ سنوات طويلة، والواقع الاقتصادي في فلسطين يتدهور بوتيرة غير مسبوقة، الصناعة، التجارة، الزراعة، وحتى الحياة اليومية أصبحت شبه مستحيلة، بل لا نبالغ إن قلنا أصبحت مستحيلة فعلاً مع حرب غزة التي لم تترك حجراً على حجر والتي امتددت نيرانها إلى الضفة. بدلاً من أن تعمل مؤسساتنا الاقتصادية على دعم القطاعات المتضررة، نجد من يفكر في طرق لتعقيد الأمور أكثر. تحويل الاتحاد إلى غرفة صناعة قد يبدو للبعض خطوة نحو التحديث، لكنه في الواقع يعمّق الانقسامات المؤسسية ويثقل كاهل المؤسسة الوطنية، ويخلق هياكل جديدة هدفها تحصيل المزيد من الرسوم وزيادة الضغط على المواطن.

المؤسسات التي يجب أن تكون رافعة للمشروع الوطني، باتت تتسابق في التفكير في مصالح ضيقة، وكأن مسألة الوجود الفلسطيني نفسه لم تعد أولوية. في هذا التوقيت العصيب، علينا أن نوجّه كل طاقاتنا نحو دعم صمود هذا الشعب وتعزيز وجوده، لا أن نُنشئ هياكل جديدة تشبه المتاهة، تضلّل فيها الغايات وتزداد فيها القيود.

علينا أن نسأل أنفسنا: هل هذه المؤسسات، بشكلها الحالي أو الجديد، تعي الدور الذي يجب أن تلعبه في مواجهة المخططات التي تهدف إلى اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه؟ هل تتحرك لدعم صمود المزارع، أو الصناعي، أو العامل الذي يكدُّ يومياً تحت ظروفٍ قاسية؟

بالمقارنة، نجد أن العديد من الدول المتقدمة اقتصادياً لا تمتلك غرفة صناعة مستقلة عن غرفة التجارة، وبعضها يتبنى نموذجاً مركزياً يجمع بين التجارة والصناعة في غرفة واحدة على مستوى الدولة بأكملها. بينما قد لا يكون هذا النموذج هو الأنسب لفلسطين من حيث المساحة وتعدد المحافظات وعدد التجار والصُّناع، فإن الواقع هو الذي يحدد الحاجات والقرارات. المهم في هذا السياق أن تعمل المؤسسات لصالح الوطن والمواطن، وليس لمزيد من القيود والهياكل الفارغة التي تزيد الضغط على كاهل الاقتصاد الفلسطيني المتداعي. 

وللحق إن الغرف التجارية الصناعية الزراعية الفلسطينية تؤدي دوراً وطنياً محورياً، يمتد إلى ما قبل تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية، حيث كانت هذه المؤسسات تحمل عبء تطوير الاقتصاد الوطني ودعمه في ظل واقع الاحتلال وتحدياته المستمرة، من خلال مجالس إداراتها التي كانت -وما زالت- تتكوّن من أعضاء متطوعين، يعملون بروح وطنية وإيمانٍ عميق بأهمية خدمة الوطن من خلال دعم القطاع الخاص وتطويره. وبالتالي الغرف التجارية ليست جهة لجباية الرسوم، التي هي في حد ذاتها قليلة جداً، بل هي مؤسسات خدمية بالدرجة الأولى، تساهم في دعم الاقتصاد المحلي وفتح أبواب التجارة والاستثمار أمام القطاع الخاص الفلسطيني. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن هذه المؤسسات تؤدي دوراً وطنياً بامتياز، متجذرة في رؤية التحرير والمسار التي رسمته القيادة الفلسطينية على مر العقود. وعليه فإن دعم هذه المؤسسات الوطنية التي تعمل وفقاً للقانون وتوجيهات منظمة التحرير الفلسطينية، هو واجب وطني يجب أن تتضافر فيه جهود الجميع. بدلاً من التفكير في إقامة هياكل جديدة، يجب تعزيز وتقوية المؤسسات القائمة التي أثبتت كفاءتها ودورها الفعّال في حماية المصالح الوطنية الاقتصادية.

في النهاية، يجب أن ندرك أننا لا نزال نعيش تحت احتلال إسرائيلي يسيطر على اقتصادنا ويخنقنا. مع كل التحديات الاقتصادية، والحرب المسعورة التي تطال غزة والضفة والقدس، علينا أن نضع الوطن فوق كل اعتبار، ونتجه نحو وحدة حقيقية، بعيدًا عن المصالح الضيقة والأجندات الخاصة. ويكون الهدف الأساسي يجب أن يكون تحرير الشعب الفلسطيني من الاحتلال والحصار، وليس تقيد حركته الاقتصادية بمزيد من الهياكل.

التعليقات