نساء مصريات في المواجهات على خط النار برام الله وغزة خلال الانتفاضة
نساء مصريات في المواجهات على خط النار برام الله وغزة خلال الانتفاضة
غزة – دنيا الوطن
سيدات مصريات عربيات وجدن أنفسهن فجأة في المواجهات ضد الاحتلال الإسرائيلي فأصبحت مناضلة عربية معروفة في رام الله لكل شبان الانتفاضة ورأى فيها الفلسطينيون رمزا لمشاركة الشعوب العربة في النضال الشعبي الفلسطيني كما في قطاع غزة حيث عرف سكان سيدة مصرية أخرى في المواجهات ..
وفي رام الله أحست "كريمة شراكة" بهذا التقدير الخاص ولم تخيب الآمال بل تزعمت "مليشيا" من الشبان والفتيات الفلسطينيات تشارك يويما بفعاليات الانتفاضة وأصبحت تعرف في أوساط الفلسطينيين بـ"مجموعة ام نادر".
وكانت ام نادر "كريمة شراكة" قد تزوجت من فلسطيني وعادت معه للإقامة في مخيم "الجلزون" قرب رام الله قبل الانتفاضة بفترة وجيزة.
وقالت "ام نادر": "في المخيم عرفت معنى اللجوء وفهمت اكثر معاناة الشعب الفلسطيني ورأيت في الانتفاضة طريق للخلاص من الاحتلال. وكنت مثل كل الأمهات انشد المستقبل والسعادة والسلامة لأبنائي الستة وأحيطهم دائما بالدعاء والرجاء ولكن القمع الإسرائيلي لاحق أسرتي من كل مكان فاستشهد ابني "رائد" واعتقل ابني "محمود" وجرح أمين "محمد" ثلاث مرات وحرم زوجي من العمل".
وتروي "أم نادر" قصة التحول لديها فتقول: "لقد كنت أرقد في مستشفى رام الله الحكومي للتبرع بالدم عندما سمعت نبأ استشهاد ابني "رائد" ويومها صرخت وبكيت وكنني رفضت طلب الممرضين إيقاف سحب دمي للتبرع وصرخت فيهم بان يواصلوا سحب الدم وبعد ان امتلأ الكيس بالدم قمت اجر أقدامي وتوجهت الى ثلاجة المستشفى ثم جلست خارج ثلاجة المستشفى الخاص بالموتى وطبعت قبلة على جبين الشهيد "رائد"، ثم جلست خارج الثلاجة لساعات وكأني أحرسها لقد كانت تجربة مريرة قاسية وأدركت ان الحياة والسلامة لا تتعايش مع الاحتلال في شارع واحد او في وطن واحد وبعد ذلك أخذت طريقي في المواجهات كام عربية تدفعني أمومتي لحماية هؤلاء الصغار من خطر الموت المتربص بهم وبدأت أشارك وكلما أشعر بخطر يحيط بأي من الأولاد شبان الانتفاضة أتحول لانسانة أخرى، لا أعرف الخوف او التردد فانطلق تحت سحب الغاز لإنقاذ مصاب مما ادى لاصابتي عدة مرات بالرصاص الإسرائيلي ومرات لا أذكر عددها من حيث إصابتي بالغاز الإسرائيلي ومن الواضح ان الجنود الإسرائيليون اصبحوا يميزون وجودي لدرجة ن سيارة عسكرية إسرائيلية طاردتني عدة مرات لدهسي تحت عجلتها وتمكنت من الإفلات عدة مرات ولكن في حزيران الماضي أصابتني السيارة العسكرية الإسرائيلية وقذفت بي مما ادى لكسر ساعدي الأيمن".
وحول "الميليشيا" التي شكلتها "ام نادر" فتقول: "عن غالبية "الميليشيا" او المجموعة من الصبية والفتيات وبعض الشبان الذين يشعرون بنوع من الأمان والأمومة معي، فأنا أتصرف معهم كأم، وقد أتقنت فنون الكر والفر في المواجهات، لدرجة أنني أقذف بيدي حجارة وزنها نصف كليو غرام لمسافة 30 مترا، واذكر في شهر آذار الماضي بأنني طوحت بجندي إسرائيلي من قوات حرس الحدود أرضا وقد طرحته أرضا بحجر قذفته على رأسه وكان الجندي قد صوب سلاحه نحونا وكان معي 15 فردا من مجموعتي فسارعت بقذفه بالحجر على وجهه فسقط أرضا ولاحظنا الصدمة التي أصابت الجندي الآخر الذي كان يقف معه ويصوب سلاحه علينا وقبل ان يتمالك نفسه انسحبنا وابتعدنا عن المكان".
وتتذكر "ام نادر" تجاربها خلال الانتفاضة فتقول: "اذكر من احد الأيام مساء كنا نعد العدة لمغادرة المكان بعد يوم طويل وشاق من المواجهات عندما انقضت سيارة جيب عسكري إسرائيلية محصنة على الشبان بعجلاتها ففر الشبان من المكان ولكن أحدهم خارت قواه من التعب والإجهاد بعد يوم طويل من الجري المتواصل في المواجهات فسقط أرضا وأسرعت السيارة العسكرية الإسرائيلية نحو الشاب الذي اخذ يتدحرج أمامها للابتعاد وأخذت اقذف الحجارة الكبيرة بقوة وبشكل متواصل وجه لسائق لإرغامه على التوقف والتراجع وفي الوقت نفسه ركضت نحو الشاب وانحنيت عليه وجذبته بقوة فأصابتني السيارة العسكرية ونقلت للمستشفى ولكنني كنت سعيدة جدا لأنني أنقذت الشاب من موت محقق تحت عجلات السيارة وهذه إحدى حوادث تعرضي للموت تحت عجلات السيارة العسكرية الإسرائيلية التي طاردتني عدة مرات".
وأوضحت ام نادر"كريمة شراكة" دورها في فعاليات الانتفاضة فقالت: "إنني مقاتلة فقط فانا أقوم بكل المهمات من الإسعاف وجلب الحجارة وأوزع الماء والطعام على الشبان وعندما يبدأ الجيش الإسرائيلي بإطلاق الغازات وتعلو المنطقة سحب الغاز، أحمل كيسا من شرائح البصل وقوارير العطور والقطن وأطوف بها على المصابين باستنشاق الغاز للتخفيف من أثر الاختناق، حتى تنجلي سحب الغاز بأقل خسائر وقد صنعت لنفسي "كمامة" من القماش أرتديها في مثل تلك الأوقات وعادة أخوض المواجهات "ملثمة" شان بقية الملثمين من لشبان، وكلما سقط شهداء وجرحى تزداد المواجهات ضراوة، فق ولى زمن الخوف الى غير رجعة عندما كان اليهود يقتلون الفلسطينيين لبث الخوف والرعب في نفوسهم فالان يقابل هذا العمل بالمثل وهذا أفضل إنجاز للانتفاضة وفي السابق كنت أخشى على أولادي الذين عاشوا معي وزوجي في مصر، وبعد عودتي لفلسطين مع زوجي كنت أوصى أولادي بالابتعاد عن الجيش ومناطق الاحتكاك ولكن الآن تغيرت الأمور فأولادي معي ضمن مجموعتي يقاتلون معي وأظللهم بجسدي وحجارتي".
وتقول "ام نادر": "إن الجميع في رام الله يعرفونني وأخشى من الوقوف أمام الكاميرات والرد على "ثرثرة الصحفيين"، ولكنني لا أخشى مواجهة الجيش الإسرائيلي فالمواجهات أسهل علي، ولكنني لا أخشى التعبير عن رأيي ورأى ان تستمر الانتفاضة حتى دحر الاحتلال الإسرائيلي وأشعر بالمرارة واليأس إذا توقفت الانتفاضة قبل تحقيق أهدافها.
لقد نذرت نفسي للانتفاضة المباركة فأنا سيدة مكافحة أولا لدي عمل أعيل به أسرتي لن زوجي الآن عاطل عن العمل وعندما أنهي عملي ظهرا أتوجه مباشرة لساحة المواجهات يوميا وأقوم بدوري حتى المساء ثم أعود للمنزل وهذا برنامجي اليومي منذ الأشهر الأولى لاندلاع الانتفاضة".
سهام عبد المجيد نوفل"ام ماهر" مصرية عايشت الانتفاضتين وواجهت الاحتلال مع أبنائها في غزة في حوار مع دنيا الوطن:
*كيف تعرفت على زوجك وأنت مصرية؟
-تعرفت عليه عن طريق زوج أختي حيث كان على علاقة به رآني وطلب الزواج مني فوافقت وتزوجنا في مصر وبعدها قدمت معه لفلسطين ولمخيم البريج بالتحديد..
وحينها كنت اجهل المعيشة في قطاع غزة فسألت الجيران عن طعامهم وطرق طهيهم للطعام.. فهو يختلف عن طعام المصريين في الكثير من الأشياء، وتوليت تربية أولاد زوجي الأربعة الى جانب ابني الكبر "ماهر" الذي أنجبته بعد سنة ونصف من زواجنا.
ما هو شعورك عند رؤيتك للجنود الإسرائيليين لأول مرة؟
دخل اليهود سنة 67 وانا تزوجت في العام 1964 وهذا كان شيء جديد فانا مصرية وقد كنت حامل وعلى موعد ولادتي يوم دخولهم الى هنا 6/6/67 حيث كان زوجي في المقاومة الشعبية وكان يمتلكون السلاح ويختبئوا في الخنادق.. حيث رأوا الدبابات القادمة ولعيها علم مصر والعراق فخرجوا من مخابئهم لأنهم لم يعملوا انهم يهود حيث قام الإسرائيليين بقتل أعداد كبيرة منهم حتى جاء زوجي وانا على وشك الولادة حيث بحث عن أحد يجلس بجواري فلم يجد الا جارتنا لتجلس معي ومنذ ذلك اليوم استمر الإسرائيليين في تعذيبنا وشتمنا وإذلالنا.
دخل اليهود منزلي وبدءوا في تكسير الواني ووجدوا صور لأهلي واخوتي واخذوا يطالبون بأصحاب هذه الصور وانا أحاول إقناعهم ان أصحاب هذه الصور ليس هنا بل في مصر وهم غير مقتنعين لكلامي ويتهمونني باني اخبأهم في منزلي.. حيث امسك الجندي الإسرائيلي بجواز سفري المصري ومزقوه حتى الا أستطيع العودة الى بلدي مرة أخرى.
بعد لك هدأت الأوضاع بعض الشيء وفتحوا الطرق وشعرنا بالأمان حتى التسعينات.
ما هي طبيعة عمل زوجك؟
-كان زوجي يعمل في اسرائيل بعدد ان كنا لم نجد رغيف الخبز وفي بعض الأحيان ننام بدون عشاء.
كان اولادي ماهر وممدوح في ريعان الشباب دخلوا التنظيم السياسي وفي احد الايام جاء مجموعة من الفدائيين للاختباء في منزلي ومعهم مجموعة من القنابل والأسلحة حيث اختبئوا في غرفة في نهاية منزلي اما انا واخي فقد كنا نقف سويا لنسمع ونرصد تحركات الجيش الإسرائيلي وفجأة واذا بالجيش الإسرائيلي داخل المنزل فاخذ شقيق زوجي يفتح على الإذاعة وبالتحديد على "صوت اسرائيل" باللغة العربية لتنبيه الفدائيين للهروب، اما انا فأخذت أتحدث مع الجنود الاسرائيليين بصوت عال حتى يسمعوه ويهربوا او يقوموا بإخفاء أسلحتهم لأنهم لو وجدوا ذلك لقتلوا كل من بالمنزل – ولأصبحنا في خبر كان.
*ما هو رأي زوجك فيما يحدث من اختباء الفدائيين في منزلك؟
-من ناحيتي حاولت إقناع زوجي بان ذلك خطر علينا جميعا ولكنه رفض وواصل قوله بأنه يجب التصدي لأعداء الله بكل الوسائل.
وبدأت الانتفاضة الأولى وكان أبنائي الى جانب أبناء زوجي طاهر وناصر يرجموا الجنود الإسرائيليين بالحجارة ونحن نشاركهم حيث كان الجنود الإسرائيليون لا يربون النساء ولكما اقتربوا من احد الشباب نصرخ ويهربوا لأنهم كانوا يخافون الصراخ، حيث أمسكت سيدة من أقارب زوجي الجندي الإسرائيلي من قميصه ولم يرد عليها لنهم لم يضربوا النساء بل كان اهتمامهم وتركيزهم على الشبان والرجال.
*ماذا تتذكري من مواقف المقاومة؟
أتذكر يوم فرح احد أقارب زوجي حيث كنا في قمة الفرحة بهذا اليوم مع صوت الطبول والرقص حيث خرج بعض الشبان لرجم الجيش الاسرائيلي بالحجارة وعندما سمعوا صوت الفرح هجموا علينا لأخ العريس من جانب عروسته، حينها هجمت نساء المخيم على الجنود واستمرت في الصراخ حيث وصل ذلك الى ان قطعت احداهن أزرار قميص الجندي، وفي حين ذلك كان الجيش الإسرائيلي ياتون يوميا على بيتنا لأنهم يعرفوا بان أولادي يشاركون في رجم الحجارة حيث اختفى بعد ذلك ابني ماهر ولم اعرف عنه شيئ لمدة 15 يوم فلجأت للصليب الحمر وهذا ما دلني على انه في "السرايا" بغزة وعن مواعيد زيارته، وبعد عامين من التعذيب والإهانة في السجن خرج "ماهر" من السجن وبعده سجن ابني "ممدوح" لمدة 3 سنوات نتيجة نضاله ضد الاحتلال. كما أصروا على حبس ابني الثالث في سجن النقب فأصبحوا ابنائي الثلاثة في السجن ولم يقف لهم الى هذا الحد بل أرادوا حبس زوجي فهم يروا انه هو السبب وهو الذي يشجعهم على العمل الفدائي حيث كان زوجي في الستين من عمره ومريض.
*ماذا كنت تفعلين عندما تجدي الجيش الإسرائيلي ياخذ أولادك الواحد تلو الآخر؟
-كنت أصرخ وأحاول اخذ ابني منهم بالقوة وفي كل مرة يقولون بانهم يردوا منه أفادتهم في موضوع معين ويطلقوا سراحه.. ولكن هذه هي مقولتهم في كل مرة حتى أصبح مصير أبنائي الثلاثة السجن..
*كيف كانت حالتكم "أنت وزوجك" بعد حبس أولادك الثلاثة وخاصة ان زوجك كان مريضا وحالته الا تساعده على العمل؟
-كانت أوضاعنا المادية لا تسر عدو لا صديق حيث كانت تمر علينا أيام لا نمتلك رفيف الخبز وفي بعض الأحيان كنت احصل على بعض "الطحين" وأقوم بأخذ القليل من الزعتر من عند الجيران لسد رمقنا.
*هل مارست عمل معين لتحسين حالتكم المادية؟
-عملت في بيع ملابس للأطفال على المنازل للحصول على بعض المال وتحسين أوضاعنا حيث كان زوجي مريض بالمرض الخبيث.
*هل كنت تتلقين مساعدات ولو رمزية من بعض الجهات؟
-نعم هناك هيئة الأمم المتحدة "U.N" كانت تساعدنا ببعض البطاطين والسكر فقط الا ان الجيران ممن يعملون في إسرائيل كانوا يساعدوننا بالموال كمصروف أولادي ويشترون من بضاعتي لن زوجي لا يستطيع الحصول على تصريح عمل بسبب انتماء أولادي السياسي.
إلا ان ابني ماهر اضطر الى دخول إسرائيل للعمل دون تصريح وعند عودته من اسرائيل امسكه الجنود وقبضوا عليه وعاد ثانيا الى السجن وعندما وصلني الخبر لم أتمالك نفسي فأسرعت الى السجن واذا بي أرى ابني معصوب العينين ومكبل اليدين وإهانة الجنود الإسرائيليون له وحاولت إقناع الجنود بان ابني عائد من عمله وهو المعي الوحيد لأسرته ولكن دون جدوى وعدت ولم أتمالك نفسي من رؤية ابني هكذا ومرضت 3 أسابيع من شدة الغضب.
وبعد فترة من خروج ماهر من السجن .. عاد الجنود الإسرائيليون مرة أخرى للقبض عليه وحاولت إقناعهم بان ماهر ليس موجود ولكنهم أصروا على تفتيش المنزل مما اضطر ماهر الى دخول حظيرة الأرانب للاختباء بها بعيدا عن أعينهم لنهم لو رأوه لطلقوا النار عليه فورا.
وفي محاولة أخرى استطاع الجنود القبض عليه وحاول إقناعهم بانه سيتزوج إذا وسينهي علاقته بالعمل السياسي إلا انهم أصروا على اعتقاله وقضى في السجن 16 شهرا في حيينها توفي والده ومازال ممدوح في السجن آنذاك.
إلا ان أولادي كانوا مؤمنين بقضاء الله وقدره حين وصولهم نبا وفاته وبعدها خرج ممدوح من السجن حيث كانت فرصته للعمل قليلة ولم يتزوج ماهر حتى مجيء السلطة حيث مارس العمل في المالية وممدوح عمل في الهلال الأحمر ومدحت مارس احدى الصناعات البنات تزوجن جميعا.
متى اول مرة ذهبت فيها الى مصر بعد زواجك؟
اول مرة نزلت فيها هي قبل 67 بثلاث اشهر وبعدها لم أذهب حتى عام 1989 وذلك بسبب صعوبة الدخول والخروج ولأن الجيش الإسرائيلي قام بتمزيق جواز سفري قبل ذلك.
غزة – دنيا الوطن
سيدات مصريات عربيات وجدن أنفسهن فجأة في المواجهات ضد الاحتلال الإسرائيلي فأصبحت مناضلة عربية معروفة في رام الله لكل شبان الانتفاضة ورأى فيها الفلسطينيون رمزا لمشاركة الشعوب العربة في النضال الشعبي الفلسطيني كما في قطاع غزة حيث عرف سكان سيدة مصرية أخرى في المواجهات ..
وفي رام الله أحست "كريمة شراكة" بهذا التقدير الخاص ولم تخيب الآمال بل تزعمت "مليشيا" من الشبان والفتيات الفلسطينيات تشارك يويما بفعاليات الانتفاضة وأصبحت تعرف في أوساط الفلسطينيين بـ"مجموعة ام نادر".
وكانت ام نادر "كريمة شراكة" قد تزوجت من فلسطيني وعادت معه للإقامة في مخيم "الجلزون" قرب رام الله قبل الانتفاضة بفترة وجيزة.
وقالت "ام نادر": "في المخيم عرفت معنى اللجوء وفهمت اكثر معاناة الشعب الفلسطيني ورأيت في الانتفاضة طريق للخلاص من الاحتلال. وكنت مثل كل الأمهات انشد المستقبل والسعادة والسلامة لأبنائي الستة وأحيطهم دائما بالدعاء والرجاء ولكن القمع الإسرائيلي لاحق أسرتي من كل مكان فاستشهد ابني "رائد" واعتقل ابني "محمود" وجرح أمين "محمد" ثلاث مرات وحرم زوجي من العمل".
وتروي "أم نادر" قصة التحول لديها فتقول: "لقد كنت أرقد في مستشفى رام الله الحكومي للتبرع بالدم عندما سمعت نبأ استشهاد ابني "رائد" ويومها صرخت وبكيت وكنني رفضت طلب الممرضين إيقاف سحب دمي للتبرع وصرخت فيهم بان يواصلوا سحب الدم وبعد ان امتلأ الكيس بالدم قمت اجر أقدامي وتوجهت الى ثلاجة المستشفى ثم جلست خارج ثلاجة المستشفى الخاص بالموتى وطبعت قبلة على جبين الشهيد "رائد"، ثم جلست خارج الثلاجة لساعات وكأني أحرسها لقد كانت تجربة مريرة قاسية وأدركت ان الحياة والسلامة لا تتعايش مع الاحتلال في شارع واحد او في وطن واحد وبعد ذلك أخذت طريقي في المواجهات كام عربية تدفعني أمومتي لحماية هؤلاء الصغار من خطر الموت المتربص بهم وبدأت أشارك وكلما أشعر بخطر يحيط بأي من الأولاد شبان الانتفاضة أتحول لانسانة أخرى، لا أعرف الخوف او التردد فانطلق تحت سحب الغاز لإنقاذ مصاب مما ادى لاصابتي عدة مرات بالرصاص الإسرائيلي ومرات لا أذكر عددها من حيث إصابتي بالغاز الإسرائيلي ومن الواضح ان الجنود الإسرائيليون اصبحوا يميزون وجودي لدرجة ن سيارة عسكرية إسرائيلية طاردتني عدة مرات لدهسي تحت عجلتها وتمكنت من الإفلات عدة مرات ولكن في حزيران الماضي أصابتني السيارة العسكرية الإسرائيلية وقذفت بي مما ادى لكسر ساعدي الأيمن".
وحول "الميليشيا" التي شكلتها "ام نادر" فتقول: "عن غالبية "الميليشيا" او المجموعة من الصبية والفتيات وبعض الشبان الذين يشعرون بنوع من الأمان والأمومة معي، فأنا أتصرف معهم كأم، وقد أتقنت فنون الكر والفر في المواجهات، لدرجة أنني أقذف بيدي حجارة وزنها نصف كليو غرام لمسافة 30 مترا، واذكر في شهر آذار الماضي بأنني طوحت بجندي إسرائيلي من قوات حرس الحدود أرضا وقد طرحته أرضا بحجر قذفته على رأسه وكان الجندي قد صوب سلاحه نحونا وكان معي 15 فردا من مجموعتي فسارعت بقذفه بالحجر على وجهه فسقط أرضا ولاحظنا الصدمة التي أصابت الجندي الآخر الذي كان يقف معه ويصوب سلاحه علينا وقبل ان يتمالك نفسه انسحبنا وابتعدنا عن المكان".
وتتذكر "ام نادر" تجاربها خلال الانتفاضة فتقول: "اذكر من احد الأيام مساء كنا نعد العدة لمغادرة المكان بعد يوم طويل وشاق من المواجهات عندما انقضت سيارة جيب عسكري إسرائيلية محصنة على الشبان بعجلاتها ففر الشبان من المكان ولكن أحدهم خارت قواه من التعب والإجهاد بعد يوم طويل من الجري المتواصل في المواجهات فسقط أرضا وأسرعت السيارة العسكرية الإسرائيلية نحو الشاب الذي اخذ يتدحرج أمامها للابتعاد وأخذت اقذف الحجارة الكبيرة بقوة وبشكل متواصل وجه لسائق لإرغامه على التوقف والتراجع وفي الوقت نفسه ركضت نحو الشاب وانحنيت عليه وجذبته بقوة فأصابتني السيارة العسكرية ونقلت للمستشفى ولكنني كنت سعيدة جدا لأنني أنقذت الشاب من موت محقق تحت عجلات السيارة وهذه إحدى حوادث تعرضي للموت تحت عجلات السيارة العسكرية الإسرائيلية التي طاردتني عدة مرات".
وأوضحت ام نادر"كريمة شراكة" دورها في فعاليات الانتفاضة فقالت: "إنني مقاتلة فقط فانا أقوم بكل المهمات من الإسعاف وجلب الحجارة وأوزع الماء والطعام على الشبان وعندما يبدأ الجيش الإسرائيلي بإطلاق الغازات وتعلو المنطقة سحب الغاز، أحمل كيسا من شرائح البصل وقوارير العطور والقطن وأطوف بها على المصابين باستنشاق الغاز للتخفيف من أثر الاختناق، حتى تنجلي سحب الغاز بأقل خسائر وقد صنعت لنفسي "كمامة" من القماش أرتديها في مثل تلك الأوقات وعادة أخوض المواجهات "ملثمة" شان بقية الملثمين من لشبان، وكلما سقط شهداء وجرحى تزداد المواجهات ضراوة، فق ولى زمن الخوف الى غير رجعة عندما كان اليهود يقتلون الفلسطينيين لبث الخوف والرعب في نفوسهم فالان يقابل هذا العمل بالمثل وهذا أفضل إنجاز للانتفاضة وفي السابق كنت أخشى على أولادي الذين عاشوا معي وزوجي في مصر، وبعد عودتي لفلسطين مع زوجي كنت أوصى أولادي بالابتعاد عن الجيش ومناطق الاحتكاك ولكن الآن تغيرت الأمور فأولادي معي ضمن مجموعتي يقاتلون معي وأظللهم بجسدي وحجارتي".
وتقول "ام نادر": "إن الجميع في رام الله يعرفونني وأخشى من الوقوف أمام الكاميرات والرد على "ثرثرة الصحفيين"، ولكنني لا أخشى مواجهة الجيش الإسرائيلي فالمواجهات أسهل علي، ولكنني لا أخشى التعبير عن رأيي ورأى ان تستمر الانتفاضة حتى دحر الاحتلال الإسرائيلي وأشعر بالمرارة واليأس إذا توقفت الانتفاضة قبل تحقيق أهدافها.
لقد نذرت نفسي للانتفاضة المباركة فأنا سيدة مكافحة أولا لدي عمل أعيل به أسرتي لن زوجي الآن عاطل عن العمل وعندما أنهي عملي ظهرا أتوجه مباشرة لساحة المواجهات يوميا وأقوم بدوري حتى المساء ثم أعود للمنزل وهذا برنامجي اليومي منذ الأشهر الأولى لاندلاع الانتفاضة".
سهام عبد المجيد نوفل"ام ماهر" مصرية عايشت الانتفاضتين وواجهت الاحتلال مع أبنائها في غزة في حوار مع دنيا الوطن:
*كيف تعرفت على زوجك وأنت مصرية؟
-تعرفت عليه عن طريق زوج أختي حيث كان على علاقة به رآني وطلب الزواج مني فوافقت وتزوجنا في مصر وبعدها قدمت معه لفلسطين ولمخيم البريج بالتحديد..
وحينها كنت اجهل المعيشة في قطاع غزة فسألت الجيران عن طعامهم وطرق طهيهم للطعام.. فهو يختلف عن طعام المصريين في الكثير من الأشياء، وتوليت تربية أولاد زوجي الأربعة الى جانب ابني الكبر "ماهر" الذي أنجبته بعد سنة ونصف من زواجنا.
ما هو شعورك عند رؤيتك للجنود الإسرائيليين لأول مرة؟
دخل اليهود سنة 67 وانا تزوجت في العام 1964 وهذا كان شيء جديد فانا مصرية وقد كنت حامل وعلى موعد ولادتي يوم دخولهم الى هنا 6/6/67 حيث كان زوجي في المقاومة الشعبية وكان يمتلكون السلاح ويختبئوا في الخنادق.. حيث رأوا الدبابات القادمة ولعيها علم مصر والعراق فخرجوا من مخابئهم لأنهم لم يعملوا انهم يهود حيث قام الإسرائيليين بقتل أعداد كبيرة منهم حتى جاء زوجي وانا على وشك الولادة حيث بحث عن أحد يجلس بجواري فلم يجد الا جارتنا لتجلس معي ومنذ ذلك اليوم استمر الإسرائيليين في تعذيبنا وشتمنا وإذلالنا.
دخل اليهود منزلي وبدءوا في تكسير الواني ووجدوا صور لأهلي واخوتي واخذوا يطالبون بأصحاب هذه الصور وانا أحاول إقناعهم ان أصحاب هذه الصور ليس هنا بل في مصر وهم غير مقتنعين لكلامي ويتهمونني باني اخبأهم في منزلي.. حيث امسك الجندي الإسرائيلي بجواز سفري المصري ومزقوه حتى الا أستطيع العودة الى بلدي مرة أخرى.
بعد لك هدأت الأوضاع بعض الشيء وفتحوا الطرق وشعرنا بالأمان حتى التسعينات.
ما هي طبيعة عمل زوجك؟
-كان زوجي يعمل في اسرائيل بعدد ان كنا لم نجد رغيف الخبز وفي بعض الأحيان ننام بدون عشاء.
كان اولادي ماهر وممدوح في ريعان الشباب دخلوا التنظيم السياسي وفي احد الايام جاء مجموعة من الفدائيين للاختباء في منزلي ومعهم مجموعة من القنابل والأسلحة حيث اختبئوا في غرفة في نهاية منزلي اما انا واخي فقد كنا نقف سويا لنسمع ونرصد تحركات الجيش الإسرائيلي وفجأة واذا بالجيش الإسرائيلي داخل المنزل فاخذ شقيق زوجي يفتح على الإذاعة وبالتحديد على "صوت اسرائيل" باللغة العربية لتنبيه الفدائيين للهروب، اما انا فأخذت أتحدث مع الجنود الاسرائيليين بصوت عال حتى يسمعوه ويهربوا او يقوموا بإخفاء أسلحتهم لأنهم لو وجدوا ذلك لقتلوا كل من بالمنزل – ولأصبحنا في خبر كان.
*ما هو رأي زوجك فيما يحدث من اختباء الفدائيين في منزلك؟
-من ناحيتي حاولت إقناع زوجي بان ذلك خطر علينا جميعا ولكنه رفض وواصل قوله بأنه يجب التصدي لأعداء الله بكل الوسائل.
وبدأت الانتفاضة الأولى وكان أبنائي الى جانب أبناء زوجي طاهر وناصر يرجموا الجنود الإسرائيليين بالحجارة ونحن نشاركهم حيث كان الجنود الإسرائيليون لا يربون النساء ولكما اقتربوا من احد الشباب نصرخ ويهربوا لأنهم كانوا يخافون الصراخ، حيث أمسكت سيدة من أقارب زوجي الجندي الإسرائيلي من قميصه ولم يرد عليها لنهم لم يضربوا النساء بل كان اهتمامهم وتركيزهم على الشبان والرجال.
*ماذا تتذكري من مواقف المقاومة؟
أتذكر يوم فرح احد أقارب زوجي حيث كنا في قمة الفرحة بهذا اليوم مع صوت الطبول والرقص حيث خرج بعض الشبان لرجم الجيش الاسرائيلي بالحجارة وعندما سمعوا صوت الفرح هجموا علينا لأخ العريس من جانب عروسته، حينها هجمت نساء المخيم على الجنود واستمرت في الصراخ حيث وصل ذلك الى ان قطعت احداهن أزرار قميص الجندي، وفي حين ذلك كان الجيش الإسرائيلي ياتون يوميا على بيتنا لأنهم يعرفوا بان أولادي يشاركون في رجم الحجارة حيث اختفى بعد ذلك ابني ماهر ولم اعرف عنه شيئ لمدة 15 يوم فلجأت للصليب الحمر وهذا ما دلني على انه في "السرايا" بغزة وعن مواعيد زيارته، وبعد عامين من التعذيب والإهانة في السجن خرج "ماهر" من السجن وبعده سجن ابني "ممدوح" لمدة 3 سنوات نتيجة نضاله ضد الاحتلال. كما أصروا على حبس ابني الثالث في سجن النقب فأصبحوا ابنائي الثلاثة في السجن ولم يقف لهم الى هذا الحد بل أرادوا حبس زوجي فهم يروا انه هو السبب وهو الذي يشجعهم على العمل الفدائي حيث كان زوجي في الستين من عمره ومريض.
*ماذا كنت تفعلين عندما تجدي الجيش الإسرائيلي ياخذ أولادك الواحد تلو الآخر؟
-كنت أصرخ وأحاول اخذ ابني منهم بالقوة وفي كل مرة يقولون بانهم يردوا منه أفادتهم في موضوع معين ويطلقوا سراحه.. ولكن هذه هي مقولتهم في كل مرة حتى أصبح مصير أبنائي الثلاثة السجن..
*كيف كانت حالتكم "أنت وزوجك" بعد حبس أولادك الثلاثة وخاصة ان زوجك كان مريضا وحالته الا تساعده على العمل؟
-كانت أوضاعنا المادية لا تسر عدو لا صديق حيث كانت تمر علينا أيام لا نمتلك رفيف الخبز وفي بعض الأحيان كنت احصل على بعض "الطحين" وأقوم بأخذ القليل من الزعتر من عند الجيران لسد رمقنا.
*هل مارست عمل معين لتحسين حالتكم المادية؟
-عملت في بيع ملابس للأطفال على المنازل للحصول على بعض المال وتحسين أوضاعنا حيث كان زوجي مريض بالمرض الخبيث.
*هل كنت تتلقين مساعدات ولو رمزية من بعض الجهات؟
-نعم هناك هيئة الأمم المتحدة "U.N" كانت تساعدنا ببعض البطاطين والسكر فقط الا ان الجيران ممن يعملون في إسرائيل كانوا يساعدوننا بالموال كمصروف أولادي ويشترون من بضاعتي لن زوجي لا يستطيع الحصول على تصريح عمل بسبب انتماء أولادي السياسي.
إلا ان ابني ماهر اضطر الى دخول إسرائيل للعمل دون تصريح وعند عودته من اسرائيل امسكه الجنود وقبضوا عليه وعاد ثانيا الى السجن وعندما وصلني الخبر لم أتمالك نفسي فأسرعت الى السجن واذا بي أرى ابني معصوب العينين ومكبل اليدين وإهانة الجنود الإسرائيليون له وحاولت إقناع الجنود بان ابني عائد من عمله وهو المعي الوحيد لأسرته ولكن دون جدوى وعدت ولم أتمالك نفسي من رؤية ابني هكذا ومرضت 3 أسابيع من شدة الغضب.
وبعد فترة من خروج ماهر من السجن .. عاد الجنود الإسرائيليون مرة أخرى للقبض عليه وحاولت إقناعهم بان ماهر ليس موجود ولكنهم أصروا على تفتيش المنزل مما اضطر ماهر الى دخول حظيرة الأرانب للاختباء بها بعيدا عن أعينهم لنهم لو رأوه لطلقوا النار عليه فورا.
وفي محاولة أخرى استطاع الجنود القبض عليه وحاول إقناعهم بانه سيتزوج إذا وسينهي علاقته بالعمل السياسي إلا انهم أصروا على اعتقاله وقضى في السجن 16 شهرا في حيينها توفي والده ومازال ممدوح في السجن آنذاك.
إلا ان أولادي كانوا مؤمنين بقضاء الله وقدره حين وصولهم نبا وفاته وبعدها خرج ممدوح من السجن حيث كانت فرصته للعمل قليلة ولم يتزوج ماهر حتى مجيء السلطة حيث مارس العمل في المالية وممدوح عمل في الهلال الأحمر ومدحت مارس احدى الصناعات البنات تزوجن جميعا.
متى اول مرة ذهبت فيها الى مصر بعد زواجك؟
اول مرة نزلت فيها هي قبل 67 بثلاث اشهر وبعدها لم أذهب حتى عام 1989 وذلك بسبب صعوبة الدخول والخروج ولأن الجيش الإسرائيلي قام بتمزيق جواز سفري قبل ذلك.

التعليقات