المُفكر الفلسطيني غازي الصوراني يُلقي ندوة فكرية بعنوان "الصهيونية العلمانية والدينية ومستقبل دولة الاحتلال"

المُفكر الفلسطيني غازي الصوراني يُلقي ندوة فكرية بعنوان "الصهيونية العلمانية والدينية ومستقبل دولة الاحتلال"
جانب من الندوة التي ألقاها المفكر الفلسطيني غازي الصوراني
رام الله - دنيا الوطن
 ألقى المفكر الفلسطيني، غازي الصوراني، ندوة فكرية بعنوان "الصهيونية العلمانية والدينية ومستقبل دولة الاحتلال".

جاء ذلك بدعوة من رئيس مجلس إدارة تجمع حكماء فلسطين، بغزة، اللواء مصباح صقر، فيما أدار الجلسة الدكتور كمال حمدان، وذلك بمشاركة عدد من الشخصيات السياسية والأكاديمية والاعتبارية.

تاريخ الصهيونية 

وتحدث الصوراني في بداية هذه الندوة عن تاريخ الصهيونية، حيث قال إنها نشأت ونَمَت بين يهود روسيا وبولونيا، وباقي دول أوروبا الشرقية، خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حيث كانت تعيش آنذاك أكثرية اليهود في العالم.

وأضاف بأن المرحلة الأولى من المسألة اليهودية، بمفهومها الذي شكل مقدمة نشوء الصهيونية على الأقل، من طرد اليهود من إسبانيا بدأت سنة 1492.

المصالح الاستعمارية ودورها الرئيسي في خلق الحركة الصهيوينة

وتطرق المفكر الصوراني إلى مسألة المصالح الاستعمارية ودورها الرئيسي في خلق الحركة الصهيوينة، مؤكداً بأن أول من أدرك أهمية الشرق وموقعه وثرواته وضرورة تفكيكه كان الامبراطور الفرنسي نابليون الذي أصدر عام 1798 أول وعد في العصر الحديث يدعو فيه اليهود الى إقامة دولة لهم في فلسطين.

وتابع: في عام 1838، طالب لورد شافتسبري (1801 – 1885)، بتوطين اليهود في فلسطين بحيث تحل أوروبا مسألتها اليهودية عن طريق التخلص من الفائض اليهودي فيها، عن طريق ايجاد قاعدة للاستعمار والحضارة الغربية في قلب الدولة العثمانية.

وقال المفكر الصوراني إنه "بدون المصالح الاستعمارية لم يكن ممكناً تحقيق الصهيونية ذاتياً"، مشيراً إلى تعبير أحد رؤساء بريطانيا في تلك المرحلة الذي قال: "لو لم تكن هنالك حركة صهيونية لصنعنا حركة صهيونية".

الصهيونية الدينية وتطوراتها

وأشار إلى أن الصهيونية الدينية لم تظهر أبداً – بالمعنى السياسي- طوال أكثر من 1800 عام، منذ خروج اليهود من فلسطين على يد "هادريان" عام 136 حتى بداية القرن الـ 20 اعموماً وهزيمة حزيران 1967 خصوصاً.

وتابع: بدأت "الصحوة" الدينية التوراتية الصهيونية بصورة واضحة على أثر هزيمة العرب في حزيران 1967، لافتاً إلى أنها لم تكن في جوهرها صحوة بالمعنى الديني الأحادي بقدر ما كانت – وما زالت- صحوة سياسية صهيونية توسعية استيطانية اتخذت من الدين ذريعة لممارساتها العنصرية النازية، خاصة بعد هزيمة حزيران 67.

وأوضح بأن هزيمة حزيران قدمت فرصة للتيارات الدينية الصهيونية من خلال ما يسمى بـ"الصحوة التوراتية" واستغلال تأثيرها السياسي، ومن ثم المبادرة إلى تشكيل الأطر السياسية الصهيونية الدينية، حيث تم تشكيل حركة "غوش ايمونيم" رأس حربة في الاستيطان الصهيوني في الضفة الغربية، وفي قيادة المشروع الاستيطاني الجديد.

وأضاف المفكر الصوراني، بأن "حرب 1967 أدت لأول مرة في تاريخ دولة العدو إلى حالة من التفاعل والانسجام والتطابق بين الصهيونية العلمانية والدينية وبالتالي مهدت الطريق صوب تحالف اليمين القومي مع اليمين الديني وصولاً إلى فوز الليكود بقيادة مناحيم بيجن في الانتخابات وتشكيل حكومة اليمين الصهيوني عام 1977".

ثلاث مراحل أساسية بعد هزيمة حزيران 

وأشار الصوراني في هذا الجانب إلى ثلاث مراحل أساسية بعد هزيمة حزيران 1967 أدت بالذات إلى بروز أقصى اليمين الجديد.

وقال: المرحلة الأولى مرحلة أوسلو وبداية الحديث عن أوهام حل الدولتين، حيث تعمق الصراع حول كيفية مواجهة مشاريع التسوية والانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة، بين اليمين العقائدي والبراغماتي، والتي وصلت ذروتها باغتيال إسحق رابين، وانتهت بإعلان حكومة ايهود باراك بأنه لا يوجد شريك فلسطيني ما شكل لحظة اعتراف أن لا طريق سوى طريق اليمين.

وأضاف بأن المرحلة الثانية، هي مرحلة انشقاق اليمين في إثر خطة الانفصال في 2005، ما بين يمين براغماتي يخضع الأيديولوجي للأمني، وينظم الاستيطان وفق متطلبات أمنية ونفعية وليس فقط عقائدية، ويمثله حزب الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو واليمين الاستيطاني الديني.

أما المرحلة الثالثة، فقد أشار الصوراني إلى أنها مرحلة نجاح أقصى اليمين في الوصول إلى سدة الحكم في 2009، وفيها بدأت عملية منظمة لوضع الأساس لحسم الصراع على أساس ضم ما يمكن ضمه من "أرض إسرائيل" وترسيخ الفوقية القومية اليهودية.

وأكد بأن "الهوية اليهودية على أساس ديني هي من ضمن مكونات دولة العدو الصهيوني ، فليس هناك فصل كبير بين الدين والدولة، فكثير من مظاهر ورموز الدولة هي ذات مصدر ديني، مثل رمز الخطين الأزرقين في العلم الإسرائيلي، اللذين يرمزان إلى "الطاليت" وهو الرداء الذي يضعه اليهودي على رأسه أثناء الصلاة. كما أن الأعياد الوطنية هي بذاتها أعياد دينية، ومن أبرزها عيد السنة اليهودية وعيد الفصح، كما أن تصنيف المواطنين يتم على أساس ديني في الهويات الشخصية".

واستدرك الصوراني: "لكن مصالح بريطانيا وأوروبا والتوسع الرأسمالي إلى جانب ضعف وتخلف القوى السياسية والمجتمعية العربية، أفسح المجال واسعاً أمام المشروع الصهيوني الاستعماري –لإنشاء مؤسساته العلمية والصناعية والعسكرية- وولادة الكيان الصهيوني 1948 والنكبة".

المبادئ السياسية والأيديولوجية لتيار الصهيونية الدينية

وعدد المفكر الفلسطيني الصوراني إلى المبادئ السياسية والأيديولوجية لتيار الصهيونية الدينية، وهي أولاً الإيمان التام بالحق التاريخي لليهود في فلسطين، والإيمان بـ "أرض إسرائيل" الكاملة، والاستيطان في الأراضي الفلسطينية كافة، ثانيًا: بناء دولة إسرائيل وتقوية وجودها من النواحي الدينية والأمنية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، من منطلق الالتصاق بأسس الشريعة اليهودية، ثالثًا: تدريس الدين في كافة المراحل التعليمية، رابعًا: تأييد خدمة طلاب المدارس الدينية بالجيش، خامسًا: دعم المؤسسة القضائية الحاخامية (القضاء الشرعي)، سادسًا: التشدد في الحفاظ على حرمة السبت، سابعًا: إسرائيل هي دولة الشعب اليهودي، والقدس ستبقى عاصمة أبدية "لإسرائيل"، ثامنًا: تأييد الترانسفير و"ترحيل الفلسطينيين" بشكل غير مباشر، ويرى هذا التيار أن فلسطينيي 48 بمثابة "خلايا سرطانية في جسم إسرائيل"؛ لابد من استئصالها على الفور، تاسعًا: العمل من أجل إلغاء اتفاقيات أوسلو، وعدم الاعتراف بالسلطة الوطنية الفلسطينية، ورفض حق تقرير المصير للفلسطينيين إلا في حدود الحكم الذاتي على السكان وليس على الأرض.

الصهيونية والدمج الانتهازي بين الديني والقومي

وقال الصوراني: "للمفارقة، فإن الصهيونية العلمانية هي التي استخدمت الادّعاءات الدينية لتأسيس هذا الاستحقاق حيال فلسطين، على الرغم من أن الصهيونية انطلقت أساسًا بوصفها حركة غير دينية، وكان آباؤها المؤسسون إما علمانيين أو ملحدين، فإنها استغلت الرواية التوراتية لشرعنة ادعاءاتها ومطالبها في فلسطين".

وأضاف: لقد استند هذا الادّعاء إلى وجهة النظر التوراتية التي تقول "إن الله قد منح الأرض لليهود في الكتاب المقدس"، وكما قال دافيد بن غوريون ( 1886 – 1973 )، المؤسس العلماني لدولة إسرائيل، للجنة الملكية البريطانية في عام 1937 إن "التوراة هي انتدابنا"، وان أرض  إسرائيل التاريخية هي هويتنا وعنوان مقاومة شعبنا.

وتابع المفكر الفلسطيني الصوراني: "بالطبع لا يمكن لأحد إنكار ان الصهاينة العلمانيين استخدموا – كذريعة لشرعيتهم الموهومة الكاذبة- أسماء توراتية لإعادة تسمية المواقع والمشهد الفلسطيني خدمة لأهداف الاستعمار الاستيطاني المتمثلة في المحو والاستبدال، كما أظهر العديد من الباحثين كيف تم التعامل مع كتاب التوراة كأنه نصّ تاريخي من الصهيونية السياسية العلمانية".

وأردف: لذلك تعتبر الصهيونية العلمانية – سواء تمثّلت في حزب العمل أو الليكود أو غيرهما – هي جوهر الحركة الصهيونية ودولتها، وذلك من خلال العلاقة التاريخية الاستراتيجية مع النظام الامبريالي، ما يعني بالنسبة لي ان الصهيونية الدينية قد تتطور وتنتشر ويشارك في الائتلافات الحكومية الصهيونية، إلا ان الحركات الدينية الصهيونية لن تستفرد بحكم الدولة الصهيونية، على الرغم من تناول بعض الباحثين للتراجع الذي أصاب "الصهيونية العلمانية" وأنها تواصل إفساح المجال والتراجع أمام التوجهات الصهيونية الدينية التي ظهرت بعد هزيمة 67 ، وهذا صحيح لكنه لا يعني وصول الصهاينة المتدينين للحكم بصورة كلية خلال فترة قصيرة ، وفي كل الأحوال فإن وصولهم معناه بداية الانهيار الاقتصادي والسياسي للكيان الصهيوني.

الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه الضفة الغربية وقطاع غزة 

بعد ذلك تحدث الصوراني خلال الندوة بشأن الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه الضفة الغربية وقطاع غزة ، حيث قال إنها تنطلق في جوهرها في تكريس الفصل بين القطاع والضفة ليس من الناحية السياسية فحسب بل بالأساس بتجزئة القضية الفلسطينية إلى قضيتين وفق مخططات التحالف الديني والقومي الصهيوني اليميني المتطرف في الحكومة الحالية، وذلك بالفصل بين قضية قطاع غزة وقضية الضفة الغربية، وفرض حقائق استيطانية على الأرض، الى جانب مشروع الترانسفير الذي يدخل في إطار الضم الصهيوني التوسعي، مع إبقاء السلطتين في الضفة وغزة ضعيفتين، ومنح الفلسطينيين بعض التسهيلات الاقتصادية المتمثلة أساسا في زيادة عدد تصاريح العمل في الضفة وقطاع غزة.

أبرز رموز التيار الديني والقومي الصهيوني اليميني المتطرف

وتناول المفكر الصوراني أبرز رموز التيار الديني والقومي الصهيوني اليميني المتطرف، وهم الحاخام ابراهام يستحق كوك  (1865-1930)، زئيف جابوتنسكي (1880-1940)، مائير كاهانا (1932-1990)، الحاخام تسفي يهودا كوك (1982-1891)، الحاخام دوف ليئور، إيتمار بن غفير، بتسلئيل سموتريتش.

حديث عن مستقبل الكيان الصهيوني  

أما عن مستقبل دولة الاحتلال فقد قال الصوراني إن الدراسات المستقبلية هي "العلم الذي يرصد التغير في ظاهرة معينة ويسعى لتحديد الاحتمالات المختلفة لتطورها في المستقبل، وتوصيف ما يساعد على ترجيح احتمال على غيره"، وعلى هذا الأساس تتباين الدراسة المستقبلية عن الدراسة الاستراتيجية، فالثانية تقوم على هدف يكون قد حدد سلفا ثم البحث عن أدوات تحقيق هذا الهدف، بينما الدراسة المستقبلية تسعى لاستعراض الاحتمالات المختلفة للظاهرة. كما تختلف الدراسة المستقبلية عن التنبؤ في أن الأخير يحسم في أن الظاهرة ستتخذ مسارا معينا، بينما لا تزعم الدراسة المستقبلية مثل ذلك أبدا.

وأضاف: "بالتالي فإن ثقة الإنسان بخياله وقدرته على تحقيق هذا الخيال يشكل دفعة للدراسات المستقبلية من حيث إدخال الخيال في الاحتمالات المختلفة عند دراسة ظاهرة معينة".

وشدد على أنه "لا توجد دولة مؤبدة، ولا حضارة مخلدة، وهذه أبسط بديهيات التاريخ.. دولٌ كبرى، وحضارات عظيمة، وأنظمة مدججة بالسلاح والأمن.. كلها ظهرت وعاشت لفترة ثم توارت خلف خطوط النسيان.. لم تستثنِ هذه الحقيقة أحداً، مرت على الجميع بلا رحمة: زعامات، إمبراطوريات، أيديولوجيات، ديانات، حكومات، أحزاب.. لم يبقَ منهم سوى أطلال خربة وأرشيف منسي".

وأكد المفكر الصوراني بأنه "من الطبيعي والحتمي أن إسرائيل ستزول في يوم من الأيام، فهي ليست استثناء في حركة التاريخ، بل إنها تمتاز بخصائص وسمات وتعاني من أزمات مستعصية تجعل زوالها أمرا مؤكدا، وقطعيا، وحقيقة لا يتسرب إليها الشك.. بل وتجعل انهيارها دراماتيكيا بأسرع مما يتصور الكثيرون".

واستدرك: "لكن كلامي عن تلك النهاية المتوقعة لا علاقة له بأي نبوءة، بل هو (بقدر ما أحاول) مبني على فهم مادي لحركة التاريخ، وفهم سيسيولوجيا المجتمعات، وربطها بفهم طبيعة المجتمع والدولة الإسرائيلية، وفهم طبيعة الحركة الصهيونية وأزماتها، وعلاقتها بالمراكز الإمبريالية، وبالمشروع الاستعماري ككل، ومكانتها من النظام الدولي، والمعادلات السياسية للمنطقة والإقليم بشكل عام.. وبالاستعانة بأمثلة حية من التاريخ، بما في ذلك تاريخ الجماعات اليهودية".

كيف نفهم الصراع مع العدو الصهيوني باعتباره صراعاً عربياً صهيونيًا؟
 
وتساءل المفكر الصوراني حول كيفية فهم الصراع مع "العدو الصهيوني" باعتباره صراعاً عربياً صهيونياً"، لافتاً إلى أن "ما ترتبه الإمبريالية والصهيونية للمنطقة عموماً ولقضيتنا الوطنية  الفلسطينية ليس قدراً لا يرد، حتى في ظل النجاحات والإنجازات النوعية والكبيرة التي حققها العدو الصهيوني/الامبريالي في مرحلة الانحطاط الراهن".

وأضاف: "فهذا الواقع لن يكون أبدياً ونهائياً، وبهذا المعنى فإن الحركة الثورية الوطنية والقومية وبالاستناد إلى طبيعة المشاريع المعادية وتناقضها الجذري مع حقوق ومصالح شعبنا وامتنا العربية، قادرة عبر قواها الوطنية التقدمية على الفعل والمجابهة وبما يؤسس لمرحلة نهوض جديدة أكثر نضجاً وأكثر استجابة لحركة الواقع الموضوعية والذاتية وطنياً وقومياً".

وشدد الصوراني على أنه ما يعني ضرورة وحتمية تفعيل النضال التحرري والديمقراطي وفق المنظور الطبقي الماركسي في مسيرة النضال من أجل تحقيق أهداف الثورة الوطنية الديمقراطية بآفاقها الاشتراكية؛ "وبدون ذلك فان الحديث عن النضال الفلسطيني متفرداً ضد العدو الاسرائيلي هو نوع من الوهم، ذلك أن الصراع هو صراع عربي - صهيوني بالدرجة الأولى يكون الفلسطيني في طليعته".

وأكد بأنه "لا بد من استعادة البعد القومي إلى منظمة التحرير الفلسطينية، ولن يتحقق هذا الهدف قبل إصلاح المنظمة؛ ولكن السؤال: إذا كانت منظمة التحرير جبهة وطنية واسعة، فما هي القواعد السياسية التي تحرر هذا الإطار الواسع من نتائج وآثار الاعتراف بدولة العدو، ومن الخضوع للهبوط السياسي الفلسطيني الراهن المرتبط بأوهام أوسلو أو أوهام الأمريكان؟ وما هي القواعد التي تحرر منظمة التحرير الفلسطينية من الشكلانية وسطوة واستبداد التفرد و "المحاصصة" وأحادية الرأي أو التناقض التناحري؟ هذه الأسئلة برسم فصائل المعارضة الفلسطينية مع ادراكي انها لن تستطيع تقديم الإجابة عليها دون صياغة وبلورة الاستراتيجية الوطنية الحاملة للمشروع الوطني الفلسطيني وبرامج وآليات تحقيقه".

ويقول المفكر الصوراني إنه "يدرك بأن المشوار ما زال طويلاً وشاقاً، فبعد مرور 75 عاما على قيام دولة العدو الصهيوني، لا يزال الفكر السياسي الفلسطيني للأسف في غير مكانه المطلوب".

وأضاف: "في كل مرة مع تاريخ الخامس عشر من أيار/مايو، يحتفل عدونا الإسرائيلي بقيام دولته، وفي كل مرة أيضاً نستعيد نحن الفلسطينيون أطياف ذكريات ماضية، ولكن في وضع مؤسف، عنوانه الرئيس خلال الـ 16 عاماً الماضية يتحدث بألم عن الانقسام او الانقلاب وتزايد الصدام بين قطبي الصراع، وانسداد الأفق السياسي بالنسبة للدولة أو المشروع الوطني لا فرق".

وتساءل: ما هي تلك الغنيمة الهائلة التي يتنازع قطبا الصراع المتصادمين عليها؟ لا شيء سوى مزيد من الانهيارات والهزائم، لأن الصراع الانقسامي بين الفلسطيني والفلسطيني لن يحقق نصراً لأي منهما، وإنما هزيمة جديدة لمن يزعم أنه انتصر، يؤكد على هذا الاستنتاج الواقع الراهن الذي يعيشه أبناء شعبنا في الوطن والشتات".

وقال الصوراني: "نستنتج مما تقدم أن الحديث عن دولة فلسطين أو حل الدولتين وفق أوسلو، وفي ظروف الانحطاط الراهن ليس إلا نوع من الوهم ولا حل سوى بالدولة الواحدة فلسطين الديمقراطية لكل سكانها ضمن استراتيجية صمود على المدى البعيد".

وتابع: لذلك، فإن المهمة العاجلة أمام حركات وفصائل اليسار العربي عموماً والفلسطينية خصوصاً، أن تعيد النظر في الرؤية الإستراتيجية التحررية الديمقراطية، الوطنية/القومية ببعديها السياسي والمجتمعي، انطلاقاً من إعادة إحياء وتجدد الوعي بطبيعة الدولة الصهيونية، ودورها ووظيفتها كمشروع إمبريالي لا يستهدف فلسطين فحسب، بل يستهدف –بنفس الدرجة- ضمان السيطرة الإمبريالية على مقدرات الوطن العربي واحتجاز تطوره".

وأوضح: "بالتالي يجب أن تتأسس الرؤية لدى كافة قوى اليسار القومي العربية، وفي المقدمة اليسار الثوري الفلسطيني، انطلاقاً من ذلك وليس من خارجه، فالدولة الصهيونية هي مركز ثقل الوجود الإمبريالي في الوطن العربي، ووجودها حاسم لاستمرار السيطرة الإمبريالية، وضمان استمرار التجزئة والتخلف العربيين".

وأردف المفكر الصوراني: لهذا كان ضرورياً أن يعاد طرح الرؤية الوطنية من قلب الرؤية التقدمية القومية الديمقراطية الأشمل التي تنطلق من فهم عميق للمشروع الإمبريالي الصهيوني وأدواته البيروقراطية والكومبرادورية والرجعية، من أجل أن يعاد تأسيس نضالنا الوطني التحرري والديمقراطي على ضوء هذه الرؤية.

وأشار إلى أنه "لا شك في أن هذه المهمة هي أولاً مهمة الماركسيين في فلسطين والوطن العربي، وفي طليعتهم اليسار الثوري الفلسطيني المناضل من أجل استرداد الحقوق التاريخية على أرض فلسطين…. وإلى أن تتوافر هذه الشروط تدريجياً سوف يستمر الصراع كما هو، مهما طال واستمر الحديث عن التفاوض من أجل ما يسمى حل الدولتين وفق الشروط والمخططات الإسرائيلية الأمريكية، فلن يكون في ذلك سوى تكريساً للهيمنة والسيطرة الأمريكية الإسرائيلية على مقدرات الشعوب العربية واستمرار احتجاز تطورها واستتباعها وتخلفها".

وأكد الصوراني بأن "حديثه عن حل الدولة الديمقراطية العلمانية هو حديث يستدعي-على الأقل نظرياً في هذه المرحلة- استنفار كل طاقات اليسار من أجل إعادة النظر في الخطاب السياسي وصولاً إلى خطاب/برنامج يستجيب لمعطيات وضرورات المرحلة الراهنة والمستقبل، الأمر الذي يستدعي حواراً جاداً ومعمقاً بين أطراف اليسار الماركسي العربي لتحقيق هذه الغاية، ليبدأ مرحلة جديدة في نضاله من أجل إعادة تأسيس المشروع القومي التحرري الديمقراطي النهضوي، كفكرة مركزية توحيدية تلتف حولها الجماهير الشعبية في فلسطين وبلدان الوطن العربي، وفي الطليعة منها الطبقة العاملة وكل الكادحين والفقراء والمضطهدين والمُستَغَلين العرب الذين سيمثلون روح هذه النهضة وقيادتها وأدواتها".

التحدي الكبير الذي يواجه الشعوب العربية

وتابع: "لذلك فإن التحدي الكبير الذي يواجه شعوب أمتنا العربية اليوم يجب أن يبدأ بعملية تغيير سياسي جذري ديمقراطي من منطلق الصراع الطبقي ضد أنظمة التبعية والتطبيع والاستبداد والاستغلال والفساد التي تحكمها، وذلك انطلاقاً من وعينا بأن هذه الأنظمة شكلت الأساس الرئيسي في تزايد واتساع الهيمنة الإمبريالية على مقدرات وثروات شعوبنا العربية، كما شكلت الأساس الرئيسي لتزايد واتساع عنصرية وصلف وهمجية "دولة" العدو الإسرائيلي".

وأكد المفكر الصوراني بأن "إيماننا بآفاق المستقبل الواعد لشعوبنا العربية كلها، في هذه اللحظة الثورية، لا يعني أننا نؤمن بحتمية تاريخية يكون للزمان والمكان دوراً رئيسياً وأحادياً فيها، بل يعني – من خلال أحزاب وفصائل اليسار الماركسي الثوري -تفعيل وإنضاج عوامل وأدوات التغيير الديمقراطية الحديثة والمعاصرة، والبحث عن مبرراتها وأسانيدها الموضوعية الملحة من قلب واقعنا الراهن".

وتابع: لذلك كله، "ينبغي علينا أن نحلم"؛ بشرط أن ندرك سر قوة الحلم الثوري الذي يشكل منبع التغيير والثورة، وأن القوة الثورية هي مالك هذا الحلم ودون أن تغادر أقدامه تعرجات الواقع، للوصول لهدف نبيل وغاية واضحة، وهل هناك أنبل من غاية تحقيق دولة فلسطين الديمقراطية العلمانية لكل سكانها تلتزم سياسياً وقانونياً وأخلاقياً بحل المسألة اليهودية في إطارها ".

وشدد على أن اللحظة الراهنة من المشهد العربي - على الرغم من تفاقم  مظاهر الانحطاط والتبعية - تؤكد على أن الإمبريالية الأمريكية و صنيعتها وحليفتها الحركة الصهيونية وإسرائيل، لم تنجحا في نزع إرادة شعوب الوطن العربي، في مسارها و تطور حركة جماهيرها الشعبية و تطلعها نحو التحرر و الديمقراطية و التقدم و العدالة الاجتماعية، وبالتالي فإن هذه اللحظة تمثل المشهد الآخر –النقيض- الذي يقول أن المطلوب أمريكياً و إسرائيلياً لم و لن يمتلك صفة الديمومة والاستمرار ، لأنه لن يستطيع –مهما تبدت مظاهر الخلل في موازين القوة الراهنة- ترويض و إخضاع شعوب هذه الأمة ، التي صنعت ماضي و حاضر هذه المنطقة، وليست جسماً غريباً طارئاً فيها.

 وتابع: لذلك فإن سكونها الراهن المؤقت هو شكل من أشكال الحركة في داخلها، يقاوم كل محاولات تطويع  إرادتها، تمهيداً للمشهد القادم، بعيداً عن السكون، مشهد الجماهير المنظمة، أو مشهد ما بعد سقوط أنظمة التبعية والتخلف والاستبداد، الذي سيعيد لهذه الأمة دورها الأصيل في صياغة مستقبل هذه المنطقة

 وقال الصوراني في ختام حديثه: "في ضوء ذلك يصبح الحديث عن السلام مع هذه الدولة العنصرية نوعا من الوهم أو نوعا من الخضوع والاستسلام... وبالتالي لا مفر من ان نؤكد أن مشاعل الحرية والعودة التي أضاءها شهداء شعبنا ومناضليه من أبناء الفقراء والكادحين لن تنطفئ ولن تتوقف فلا خيار أمامنا سوى استمرار النضال الوطني التحرري المقاوم والديمقراطي... ففلسطين ليست يهودية ... ولن تكن إلا وطناً حراً مستقلاً، في مجتمع عربي حر وديمقراطي موحد... وكل ذلك يحتم النهوض بالمشروع اليساري الثوري بعد اخفاق اليمين الوطني والديني ...وبدون ذلك النهوض اليساري سيبقى الخيار المحتوم هو الخيار بين النكبة والاستسلام ."

يشار إلى أن المفكر الصوراني أعدّ سابقاً دراسة بعنوان "حديث عن الصهيونية الدينية والعلمانية ومستقبل دولة العدو".

للاطلاع على الدراسة:

للتحميل اضغط هنا




التعليقات