خليل أبو حمادة.. "صرخة فقدٍ" تُذيب أمومة توسلت اثنا عشر عاماً

خليل أبو حمادة.. "صرخة فقدٍ" تُذيب أمومة توسلت اثنا عشر عاماً
والدة الشهيد خليل أبو حمادة تودع نجلها
خاص دنيا الوطن - شيماء عيد
"الدموع لا تسترد الضائعين ولا المفقودين ولا تجترح المعجزات! كل دموع الأرض لا تستطيع أن تحمل زورقاً صغيراً يتسع لأبوين يبحثان عن طفلهما المفقود". (غسان كنفاني)

تمشي منكسرةً، يحفرُ الحزن مخالبه في ملامح وجهها الحزين، تبكي بحرقةٍ، تجلس على كرسي بلاستيكي في بيت العزاء يتكئ رأس والدة الشاب خليل أبو حماد على كتف زوجها، يواسيان بعضهما بعضًا، يحدقان بصمتٍ في فضاء البيت الممتلئ بالمعزين، بعد أن فقدا ابنهما الوحيد "خليل" الذي كان على موعد لإيقاد شمعة ميلاده التاسعة عشرة الشهر المقبل.

انتظر الزوجان اثني عشر عامًا، كي يبصر خليل النور ويملأ البيت وقلبيهما فرحًا وسعادة بعد سنوات انتظار طويلة كانت الجدران أنيسهما الوحيد، حتى سمعا صوت الحياة بصوته كمعزوفة موسيقية، وربّياه ثمانية عشر عامًا وأحد عشر شهرًا، تحفظ أمه عمره بالسنة والشهر واليوم والساعات، فقد كان حلماً لوالديه حتى أضحى حقيقة وترعرع من "حبات عيونهما" إلى أن جاء صاروخ لينهي القصة والحلم في 8 آب/ أغسطس 2022.

بلوعة ألم وملامح باهتة، وصوتٍ فُقد من هول المشهد، تطُل والدة الشهيد أم خليل أبو حمادة على وحيد قلبها مسجىً أمامها جثة باردة، لم يفقد ابتسامته، داعيةً الله أن يكون ذلك مجرد كابوس عابر ينتهي خلال لحظات.

تنظر إلى وحيدها وهو مكفّن بعلم فلسطين أمامها، وشريط ذكرياتها لم يفارقها منذ أن كابدت وعانت لمدة اثنتي عشرة عاماً من الحرمان إلى حين كبُر فلذة كبدها وأصبح شاباً وسيماً على أعتاب الزواج.

ذرفت كل دموعها وهي تعانق جثمانه عندما أحضروه لتلقي عليه نظرة الوداع الأخيرة، تطلب منهم أن يمنحوها المزيد من الوقت لتخزّن رائحته وصورته الأخيرة، حتى حمل المشيعون الجثمان وغادروا به.

جميع المشيّعين ينظرون إلى والدة خليل عاجزين عن مواساتها بمصابها الجلل، تنثر الورود على جثمان وحيدها وتبكي حرقة ودماً على نظرة الوداع الأخيرة التي سيرحل بعدها خليل بصوته وذكرياته وضحكاته بلا عودة.

كان الصمت يسود المكان، لا تلمح سوى عيون محمّرة تبكي بحرقة، تسند بعضهن على جدران المنزل يشعرّن بشعور والدة خليل، بعضهنّ أمهات وأقارب شهداء جربن شعور الفقد، لكن بالتأكيد لم يجربن شعور فقد الابن الوحيد.
 
فرحة تحولت لمأتم

"ربيته برمش عيوني، وكبّرته حتى أصبح عريساً، كنت أنتظر جموع الناس في بيتي لتهنئتي بفرح خليل، لم أكن أتوقع أن التهنئة تنقلب لمواساة بفقدان فلذة قلبي". بدموع تملؤ وجنتيها وصوت محشرج بدأت والدة الشهيد خليل أبو حمادة الحديث.

يعتصر الألم قلبها، وبحّة صوتها من أثر البكاء تكادُ تسمع: "خليل ابني  وحبيبي وشريكي وونيسي، أجاني بعد 12 سنة و5 عمليات زراعة، لكن قذيفة صاروخ نزلت على  رأسه لتفتته، ضيّعت كل أحلامي، ضيّعت كل حياتي، أنا جثة هامدة ما فيا روح بعد ما راحت روحي".

تتنهد والدة الشهيد وتحاول التعالي على جراحها لتروي ما تستطيع قوله من قصة استشهاد نجلها: "صلى خليل المغرب يوم الشهادة، وطلب مني تناول العشاء، وأحضر طعاماً مكوناً من لبن وفلافل وبعض المستلزمات، وآخر طلب طلبه مني يوم الجمعة أكلة مفتول، وأن يحتفل في عيد ميلاد والده يوم الأحد، اليوم التالي لاستشهاده".

 بعقلٍ يحاول استيعاب الصدمة تارة وينكرها تارةً اخرى، يتحرك صوتها الذي تبلله الدموع: "بعد انتهاء العشاء قام خليل قبلي ونادى عليه جارنا  ليُبعد الأطفال عن سيارة والده، ومجرد وصولهم سمعنا دوي انفجار هز أركان قلبي قبل المنطقة، تشاهدت وشعرت أن المنزل سقط علينا من شدة صوت القصف، ومن دون وعي تذكرت أن خليل كان خارجاً منذ لحظات، خرجت بأقصى سرعتي للشارع والذي كان سحابة من الدخان والغبرة والسواد وجميع من في المنطقة خرجوا على صوت القصف، مشهد من مشاهد يوم القيامة".

خرجت مذعورةً فوجدت خليل ملقىً على الأرض بلا أي حركة، وحوله أطفال وأشلاء ممزقة، شهداء وإصابات، والناس ملقاة على الطريق، كانت مجزرة أشبه بالفاجعة".

خلال لحظات امتلأ البيت بأسرابٍ من الرجال الذين بدأوا بوضع الكراسي داخل زواياه، وعدد كبير من نساء الحي، كان الجميع يقفُ عاجزًا عن محاولة تصبير والدة خليل التي انهارت بشكل كلي وفقدت القدرة على الحديث أو البكاء أو حتى الصراخ، فقبل لحظة كانت تجلس هي ووحيدها على مائدة واحدة.

تقّبل جبينه وجسده وتردد: "ما عمرك كنت ساقع هالقد يما، ياريتني نمت جنبك يما".

وبعد تشييع جثمانه بثوانٍ معدودة، لم تطق صبرًا أم الشهيد على فراق ابنها، لتذهب مهرولة من بين النساء إلى غرفة وحيدها، وخزانة ملابسه، لتشتم رائحة ثيابه وتضمها إلى صدرها معلنة صرخة الفقد الذي هزّت أرجاء المخيم بأكمله.

حاولت نساء الحي والمعزيّين مواساتها وتهدئتها، وبعد فترة من التقاط أنفاسها، يتباطأ المشهد أمامها:" خرجت للشارع بأعلى صوتي أنادي على خليل ابني، وعند وصولي لمكان الصاروخ"... تصمت وتدخل والدة خليل بموجة بكاء هستيري.." وجدنا مجزرة، مجزرة أطفال، وعرفت ابني خليل من ملابسه، كان ساجدًا، مات وهو ساجد".

"أنا الشهيد البطل، أنا الشهيد البطل" كان خليل دائم الترديد لتلك العبارة في المنزل، لم أتخيل يوماً ما أن تتحول لحقيقة تنزع قلبي وتنهي طعم الحياة وضحكتها في عيني". كان الكلامُ ثقيلاً وهو يرافق صوت والدته، صوتٌ مبحوح خافت سلب الحزن صلابته.

تحتضن ثياباً كان وحيد قلبها دائم الارتداء لها وتبكي ببحة صوت: "مين بدو يقلي يمّا بعد اليوم، مين بدو يفوت عليا بضحكته ويقلي اشتقت إلك يما، وين رحت يا شمعة بيتنا قبل ما نفرح فيك وأشوف ولادك يا مهجة عيني، الله يرضى عليك ويسهل عليك".

صوتها يتمزق من الألم وينزفُ حزنًا وهي تعاتب زوجها: "ليتني زوجّته، كان الأخ والحبيب، والابن والصاحب، عوضنا الله به وملأ علينا الدنيا، كنت مكتفية به، يؤنس وحدتنا".

لم يجف دمعها من جفنها، والحزن يشعل نارًا تأكل قلبها، تستذكر أيامها مع خليل: " كان يوم الخميس يتعهد بأن يشتري مستلزمات البيت من أكل وفواكه وعشاء، كان دائم المزاح معنا، كان يقضي معظم أوقاته في عمله مع خاله، يعود للبيت بضحكاته وملاكشته لنا نشعر وكأننا نملك العالم كله".

للحظة نسيت والدة خليل أنه غادر ولم يعد، وتضرعت لله بين المعزّين: "ادعولي الله يخليلي اياه ويطولي بعمره وأفرح فيه". ليسود الصمت بالمكان دون القدرة من المعزّين سواء البكاء والدعاء لها بالصبر والثبات على تلك المحنة، قبل أن تعود إلى واقعها المرير، وتواصل ذرف دموعها.

وفي السادس من شهر آب/ أغسطس شن الاحتلال الإسرائيلي عدوانًا مفاجئًا على قطاع غزة بدأ بغارات مكثفة على مختلف المدن الفلسطينية في القطاع، حيث استهدف العديد من المنازل في غزة ورفح وخانيونس، وأدى إلى استشهاد 49 مواطنًا أغلبهم من الأطفال والنساء والمسنّين".

لم تكن مشاعر والد خليل بعيدة عما بدر عن والدته، لم يستطع التحدث إلينا في بداية الأمر من هول تأثير الصدمة عليه، كان صوته قد فارق حنجرته من شدة البكاء والقهر.

تنوب زوجته عنه: "والد خليل سواق وإنسان بسيط قصفوا سيارته خلال الحدث، ومن هول المصيبة لم يخطر مصدر رزقه على بالنا حين فجعنا برزقنا الأول خليل".

تعاود ترديد أمنياتها:" ياريت كل اشي أجى فيَّ ولا في الولد"، وتكرر: "ياريت كل إشي أجى فيه ولا صار بخليل إشي".

أنيس الوحدة

صوتها يتمزق من الألم وينزفُ حزنًا تتابع الأم الثكلى "عوضنا الله بخليل، عن كل الدنيا، الجميع هنا يحبه، ملأ علينا أركان المنزل البارد، كنت أكتفي به وأقول ابن واحد نعمة وفضل، كان يؤنس وحدتنا، عوضني الله به بعد أن رحلت أمي شهيدة".

"كان عامل حِس بالدار، ليش صارت المجزرة يا ناس!؟" تنظر حولها، يواصل صوتها النزيف، تتساءل مرة أخرى: "رحل خليل، وسنبقى نتبادل النظرات أنا ووالده في بيت فارغ، فمن سيسكن شقته التي بنيناها له؟".

يكاد صدره ينفجر من شدة الصدمة، وبعد معاناة كبيرة، انطلقت أولى الكلمات من صوت والده الذي أثقله الفقد يستحضر آخر اللحظات: "كانت أمه بالعمل في المشفى، وجاءني يسألني: ايش بدك تتعشى يا حج، فقلت له: اللي بدك ياه يا ابني، وما هي لحظات حتى دخلت أمه المنزل، فذهب واشترى من محل المأكولات الشعبية عشاءً".

يطلُ على الحدث بدموع عينيه: "جلسنا على طاولة واحدة، كعادته كان يداعبني ويقرص وجنتي وكأنني أنا طفله، ويسرق اللقمة من فمي ممازحًا ومن أمه، ويقول لنا: إنني جائع، ووعدني أن يعزمني في اليوم الثاني على طعام الغداء، لأن أمه ستداوم بالمشفى لأربع وعشرين ساعة".

مسح "أبو خليل" دموعه التي اختلطت مع قطرات عرقٍ بللت هامته، تتحرك في عينيه بقية المشهد: "تعالى في الخارج صوت أبناء الجيران، فقال لي خليل: يبدو طلعوا الأولاد فوق سيارتك، عدهم كسَّروها، خرج من البيت وقبل أن يصل السيارة، حدثت المجزرة".

هو الآخر يعاتب نفسه بدموع الندم على تأخير زواجه قائلاً: "كنت سأزوجه عندما بلغ السادسة عشر، وبنيت له شقة وجهزتها تدريجيًا، تارةً بكسوة أرضيته بالبلاط، وتارة بقصارة الجدران، ودهانها، كنت ألح على أمه أن تجلب له عروسًا، وكانت تمهلنا شهرين، وعدة أشهر أخرى، فيمر الوقت، حتى سرقنا وسرق الاحتلال خليل منا".

لم تسعه الفرحة لحظة إبصار نجله الحياة، لكن الاحتلال حرمه من فرحته وأسره لمدة عامين، تتجذر التفاصيل بذاكرته عن لحظة الإفراج عنه: "عندما تحررت، رأيته قد كبر وأصبح عمره سنتين، لم أستطع تحمل البعد عنه لعامين بالسجن، مر عامان قاسيان عليّ كأنهما 20 سنة".

"ترعرع في حضني وكبر أمام عيني، كان ابن وأخ، دائمًا نمازح بعضنا، نتصارع ونلعب، ظلَّ حتى بلغ اثني عشر عامًا ينام بيني وبين أمه، تعلق فينا وتعلقنا به، ملأ حياتنا سعادة، وضحك، بكاه معسكر جباليا، بكته غزة بأكملها، فالجميع يحبه". تسكن الحسرة صوته.

مرة أخرى، ترجلت أم خليل عن قدميها بتثاقل، وتوجهت نحو غرفة خليل، فتحت الأماكن التي تحوي ملابس خليل ومقتنياته:" هذا عفش خليل جهزتله إياه الله يرحمه.. خليل ابني عرفني على الدنيا كلها وخلّا الدنيا كلها تعرفني".

تنظر للفضاء الفارغ أمامها تضرب كفا بكف تنظر إلى مخططاتها بحسرة "بدأنا نهيئ أنفسنا حتى نزوجه، بنينا له غرفة على سطح البيت قبل أيام من استشهاده".

لا زالت الحسرة تقضم قلبها: "كنا بعد الحرب ناويين نقصر الحيطان وكنا على أساس إنو خلصنا غرفة والحمام والمطبخ وصالون، حكالي لا يما أنا بدي كمان هادي الغرفة لأولادي".

كان دائم الترديد لأبيه: "يابا بدي أتزوج وأعبّي البيت إلك ولاد ينادوك يا سيدي، بدي أعوضك عن كل الحرمان اللي عشته قبل ما تجيبني". 

أطلقت زفيرًا حارًا لتخفف قليلاً عما ازدحم بداخلها من قهر، ثم حركت صوتها "الموت حق على كل إنسان، من كتر ما أنا بحبه وخايفة عليه وروحي متعلقة فيه، كنت دائماً أحس إنه رح يروح مني لأنه وحيدي".

وتعمل والدة الشهيد خليل في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا) كممرضة على بند العقد، تخرجت من دبلوم التمريض عام 2018 وفي عام 2021 أنهت دراسة البكالوريوس بالتمريض.

فرحة لم تكتمل

"في يوم تخرجي من البكالوريوس شاركني فرحتي، كان سند روحي، يفرح لفرح ويبكي لحزني، كان قلبه رقيقاً جداً، يحبه جميع أفراد الحارة من حنانه، إلى أن اصطفاه الله شهيداً ولا اعتراض على حكمه". تزاحم صوتها الدموع.

والدته، نجوى أبو حمادة (45 عامًا) حصلت على وظيفة في وزارة الصحة ممرضة "قابلة" قبل شهر، كانت فرحة "خليل" أكبر من فرحة أمه.

يطرق صوته باب ذاكرتها "جاءني يومها سعيدًا، وقال لي: "الآن ثبتت الجيزة يمَّا!؟، فوعدته أن أهب كل الراتب لزواجه، أن نفرح به ونذبح عجلاً كما طلب ونتصدق به، وأضم أحفادي بين يدي، كنت أتشوق لهذه اللحظة، كلما كبر سنةً، كنت أحمد الله، حتى صار شابًا، أريد أن نفرح به لأني كنت أخشى عليه، أشعر أن شيئًا سيحدث له ولكن لم أعرف ماذا هو؟".

تزوجت وهي لم تتجاوز الخامسة عشرة من عمرها، اثنا عشر عامًا من الانتظار، ومحاولات إجراء عمليات زراعة أطفال الأنابيب، والدعاء ومناجاة المولى عزل وجل أن يوهبهما طفلاً يملأ فراغ البيت بضحكاته، فنجحت محاولة الزراعة الأخيرة، كبر الجنين بعد ستة أشهر وبدأت تشعر أمه بحركته، ترقبه لحظة بلحظة.

 لكنها ذاقت مرارة فقد أمها الشهيدة خضرة أبو حمادة التي لم تنجُ بفعل شظايا اخترقت جسدها وأصيبت إحدى بناتها معها، ليبصر خليل النور في 23 سبتمبر/ أيلول 2003 ويبعث الأمل في قلبها ويؤنس وحدتها ويواسي جراح فقدها لأمها.

بنبرة غاضبة وبصوت يكتم حشرجة الدموع تنفعل أم خليل:" بدي من العالم كلها تقف مع الفلسطينية مع الأبرياء، بدي الدول العربية بدي الرؤساء بدي حقوق الإنسان كلها تطلع بعين الاعتبار للمجازر التي تصيب قلوب الأمهات في مقتل، بدي كل العالم تدعي لابني ويدعولي أنا يعوضني الله خير بابني".

"تعبتُ سنين حتى كبر ابني كنت أتلهف لرؤيته عريساً وأزفه وأحضن أولاده، لكن صاروخ غادر نزل على رأس ابني حطّمه وحطّم معه كل أحلامنا، وزرع حسرة في قلبي لن تنطفئ إلى أن ألقاه في جنات النعيم مع الشهداء والصدّيقين". توقّف صوتها وأكملت الدموع رواية قصة أمٍ ترثي وحيدها.

في كل مرة ستفتح باب غرفته وتجد سريره فارغًا، ستتجدد ذكريات كثيرة، وتتحرك مشاهد عديدة أمامها، أو عندما تفتح خزانته وتقترب من ملابسه لتعانقه وتشتم رائحتها، ستغلق باب غرفته، والحسرة تكسر القلب، لم يبقَ من خليل إلا صورة ستعلق على جدران المنزل، واسم يخط على جدرانه، يعرّف الزائرين به، مكتوبًا عليه "منزل عائلة الشهيد خليل إياد أبو حمادة".

التعليقات