أبو رامي.. جرح غائر عمره (74عاماً) وما زالت العودة قراره

أبو رامي.. جرح غائر عمره (74عاماً) وما زالت العودة قراره
توضيحية
خاص دنيا الوطن- مدلين خلة 
في لحظة غدرٍ من كيانٍ جاء ليسلب حقوق شعبٍ آخر، كسرة قلب عبرت عنها أربعة وسبعون عاماً من الظلم والتهجر والترحيل، حياة ربما قاسية لا تفي بمعاناة عايشها أهلها، تاريخ ممزوج بالحسرة والألم يستوطن عقل ووجدان كل فلسطيني وعربي.

حكاية لألمٍ لا يزول وجرحٍ لم يُشفَ، يتحمل ألمه الفلسطينيون في كل لحظة؛ لأنّهم ذاقوا كل معاني الأسى وهُم يُشاهدون بيوتهم تُهدم وأراضهم تُسلب ومزارعهم مستباحة، كما استبيحت المقدسات الإسلامية في القدس وأصبحت في يد الاحتلال.

بتجاعيد تغزو وجهه وتعبر عن ملامح القسوة والالم التي عايشها يروي العم أبو رامي تفاصيل حضر مشاهدها بفيلم سينمائي كان هو وعائلته أحد شخصيات ذلك الفيلم واقع أشبه بالكابوس، لحظات تذكرها سكين تضرب القلب فينزف ذلك الجرح الذي لم يلتئم بعد.


الخامس عشر من أيار/ مايو من العام 1948 كان الوقت ربيعا ونفحاته تختلج الأضلاع من نعومة ملمسها، إلا أن هذا الشعور بالطمأنينة وبحسب ما حكى العم أبو رامي لـ"دنيا الوطن" لم يكتمل إلا لسويعات ولحظات قليلة.

حيث يقول أبو رامي:" كنا كاعدين حول الدار أنا وجاري أبو عمر، وكان أبو محمد يركض خلف الصغار يلاعب فيهم، هيك كانت العادة أيام البلاد، نتجمع كل عشر بيوت حول بعض نتخرف "نحكي" مع بعض ونسولف "دردشة" كنا نسمع أخبار الفدائيين، وشو بصير على الجبهة "مكان الحرب".

وأضاف:" كانت المعركة بين الفدائيين والبريطانيين وما حد بعرف أن المعركة رح تنقلب "زي ما انقلب السحر على الساحر" كان الفدائيين معهم خرطوش"سلاح صغير" وبنادق ويقاتلوا فيها ما كان بالقرى حد غير الختايرة والاولاد الصغار كل الشباب كانت على الجبهة.

لحظات قسمت ظهر البعير من حدتها الأخ يشيع أخاه وسلاحه على كتفه، لا ينتظر تغسيله هي قبلة وداع تطبع على جبينه، "كنا بالبيوت والناس حولنا نسمع الراديو "المذياع" ونعرف فلان مات أو أصيب من المذيع ونركض عند أهلهم نواسي فيهم، وكنا فاكرين الجيش العربي معنا بس ما حد بدافع عن حد".


  انقطعت أخبار الفدائيين على الثغور وجاءت البشارة بفوز الجيوش العربية وانتصارهم على البريطانيين ولكنها الحرب خدعة وخديعة تمت خلالها تصفية الجميع إلا من أفلت بروحه.

وتابع حديثه: "ما بنعرف شو صار بالضبط بس ما شفنا الا الجيش داخل علينا وبضرب وبكسر وناس ماشية وناس راكبة على الدبابات، وما برحموا حد مين ما شافوا بضربوه أو بقتلوه".

"هسا الكل صار يهرب وما حد يبحث عن حد، مين ما تشوف قدامك تمسكه بايدك وانت هارب، تلتفت وراك "خلفك" تدور على أولادك ومرتك "زوجتك" تحتضن فيهم عشان "حتى" ما يضيعوا والناس كلها بتركض والشاطر الي بنجوا".

لحظات حبست فيها الأنفاس على غير العادة فالسمر والسهر والحب والالفة لم يعد لها مكان في مشهد مهيب لم تشهده البشرية من قبل يوضحه العم أبو رامي قائلاً:" اااااه يا بنتي كنا نركض وبسرعة كبيرة الخوف هو الي حكم السرعة شيء ولا عمره الواحد "الشخص" فكر فيه بالمنام مش يعيشه على أرض الواقع".



وأردف أبو رامي مستطرداً حديثه:" بقينا نركض لمسافات طويلة ناس راحت على الأردن وناس راحت على الضفة وفي نزل على غزة وناس على سوريا الي "الذي" كان قريب من مكان ينزل فيه، ويعسكر بالخيم "الخيام" هناك".

وكأن حياته وقفت عند تلك اللحظة سكت لبرهة من الزمن امتدت دقائق وطأطأ رأسه يواري دمعات سقطت من عينيه على أرض وطن تركها خلفه واستوطنها أعداؤه، بحجج واهية لا تمد للواق بأي صلة.

مسح دمعاته الخجلة بأنامله الخشنة ونظر إليها و:" شايفة هذه اليد كنا ببلادنا نزرع ونأكل من الزرع، ما كان في شيء اسمه شراء، كنا نحفر الأرض والطين باينا باستخدام الفأس والمنجل، كانت البلاد فيها خير المي "الماء" كان يجي "يأتي" من الترعة "عين ماء، ويوزع على الكل ومن ينقص عليه يأخذ من جاره.

وأضاف: "داري كانت دار جاري ودار جاري داري ما في شيء خاص بأحد، كل البيوت كانت مفتوحة لبعض عرس في القرية ببيت فلان هو عرس القرية كلها، ويبعد عنك الشر العزاء واجب أهل الميت ضيوف فيه ما بعرفوا عنه شيء، وإذا في شخص مريض الكل يركض عشان "حتى" يعالجه".


مياه صرف صحي تحت الخيام وعلى الأغطية، تلتحف الحشرات أسوار الخيام التي أقيمت من قبل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا) على أنها لوقت محدد وفترة بسيطة لن تتعدى الأيام.

غصة علقت في صدره بجانب مفتاح بيته الذي أخذه عندما خرج منه مع نفس عميق يخرج بكلمات :" قالوا النا اقعدوا هان أسبوع ورح ترجعوا ع بيوتكم وجابوا "احضروا" أغطية وملابس ووزعوها على الناس، وبنوا حمام في كل المخيم الناس تفوت فيه بالدور، ووقت الاكل نقف كل واحد في بيده صحن ويحطوا "يسكب" النا فيه عدس، فريكة، فاصوليا بيضاء ورز".

" كل الوعود كانت بأسبوع ثم العودة وتلاها شهر وشهرين وعام حتى بلغنا العام الرابع بعد السبعين واحنا بنستنا نرجع ورح نضل نستنا ليوم ما نرجع طول والمفتاح معنا والعودة النا قريبة وما رح نتخلى عنها لو شو ما صار العرب مش من اليوم خانت فلسطين من زمان من أيام 1947 من قرار التقسيم واحنا بنعاني" هذه الكلمات والحروف خرجت من فم العم أبو رامي بعدما سالته هل ستعود إلى أسدود؟.

وتابع:" فلسطين طول عمرها تقاوم المحتل من ثورة البراق والقسام والاضراب العام والكتاب الأبيض وأيام الحسيني، وقرار التقسيم والنكبة عام 1948، والنكسة عام1967، ولليوم ورح تقاوم لحتى التحرير والعودة لديارنا ما رح نتخلى عن أرضنا تركناها مرة وما رح نتركها مرة ثانية".

لم يترك لي المجال لسؤاله وقاطعني قائلاً:" شوفي يا بنتي عندما خرجنا من بلادنا وأراضينا لم نكن نعلم أنه سيحل بنا ما نقاسيه اليوم، لكن بقسم الك وعن كل المهجرين أن ما رح نترك أرضنا إلهم ولو الأمر بدو يتكرر بموت ولا بطلع من داري وأرضي والجيل الذي راهن عليه الاحتلال بالنسيان لن ينسى وهو من سيعود ويحرر الأوطان".


التعليقات