خليج الخنازير.. هل سيعيد التاريخ نفسه؟
بقلم: سمير الددا
اندلاع العملية العسكرية الروسية في اوكرانيا قبل حوالي اسبوعين وتصاعد اللهجة العدائية الغربية الغير مسبوقة ضد روسيا مما حدا بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين بإصدار اوامره للقوات الروسية بوضع الاسلحة الاستراتيجية (النووية) في حالة تأهب خاصة وتزامن ذلك مع توجيهه تحذيراً شديد اللهجة لمن تسول له نفسه التدخل المباشر فيما يجري بين روسيا واوكرانيا برد "لم يشهده في تاريخه" وكان يقصد دول حلف شمال الاطلسي (الناتو) بزعامة الولايات المتحدة.
وكل هذه المعطيات تشير الى امكانية ولو محدودة لمواجهة نووية بين روسيا والحلف وهذا تطور استثنائي ويشكل خطراً كبيراً على العالم بأسره وليس على روسيا ودول الناتو فحسب, مما يعيدنا بالذاكرة الى اجواء مماثلة سادت في اوائل الستينات وكان مسرحها في ذلك الوقت جزيرة كوبا وعرفت تاريخياً بأزمة خليج الخنازير, على الرغم بان وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف صرح في مؤتمر صحفي بعد اجتماعه بنظيره الاوكراني ديميترو كوليبا في تركيا الخميس 10 مارس الجاري قائلاً : "لا اريد ان اصدق ولا اعتقد ان هناك امكانية لاندلاع حرباً نووية ".
قصة خليج الخنازير لمن لم يسمع بها هي بإيجاز ان الولايات المتحدة احتلت كوبا عام 1906 حتى نهاية الخمسينات من القرن الماضي وطوال تلك الفترة ظلت كوبا ترزح تحت حكم انظمة دكتاتورية تنصبها للولايات المتحدة التي كانت تسطير على اكثر من 75% من الاراضي الكوبية ومقدراتها.
طوال الخمسينات كانت كوبا التي تعتبرها واشنطن حديقتها الخلفية خاضعة لنظام الكولونيل فولغينسيو باتيستا الذي عرف بنهجه الدكتاتوري وولائه المطلق للولايات المتحدة كما كان الفساد مستشرياً في عهده وبالاخص بين اركان نظامه وحاشيته وأتباعه الذين كانوا يستأثرون بما تركه الامريكان للكوبيين في حين كان الكوبيون يرزحون تحت وطأة فقر مدقع طال حوالي 85% منهم.
في نهاية الخمسينات فجر فيدل كاسترو بالاشتراك مع اخيه راؤول وصديقهما تشي جيفارا "الثورة الكوبية" ونجح في الاطاحة بنظام باتسيتا الفاسد وسيطر على مقاليد السلطة في البلاد, وهذا أغضب الولايات المتحدة التي فقدت عندئذ احد اهم حلفائها في القارة الامريكية والاهم انها فقدت السيطرة على كوبا نفسها وبالتالي فقدت ثروات طائلة, فناصبت النظام الكوبي الجديد العداء على الرغم ان الرئيس الكوبي الجديد فيدل كاسترو (الذي لم يكن شيوعياً حينها) ابدى حسن النية تجاه للولايات المتحدة فكانت اول رحلة خارجية له بعد توليه السلطة الى واشنطن لابداء حرصه على ترسيخ علاقات حسن جوار طبيعية بين الشعبين الجارين, بالاضافة الى طلب مساعدات اقتصادية من الولايات المتحدة الجارة الغنية لبلاده الفقيرة, إلا ان الرئيس الامريكي حينها داويت ايزنهاور رفض مجرد استقباله وأوعز لأحد موظفيه ان يبلغه انه لا يريد رؤيته, وانه قرر قطع العلاقات مع كوبا بما في ذلك منع جميع الصادرات الكوبية الى الولايات المتحدة وفي مقدمتها السيجار الهافاني الشهير الذي كانت الاسواق الامريكية تستأثر بحوالي 60% الى 70% من اجمالي إنتاجه فتوجه كاسترو من واشنطن الى نيويورك وهناك في مقر الأمم المتحدة ألتقى مع ممثلي الاتحاد السوفيتي الذين وافقوا على تقديم كل ما تحتاجه بلاده وحكومته الجديدة من مساعدات اقتصادية وعسكرية ودعم سياسي ودبلوماسي وتكنولوجي ومدهم بمختلف الخبرات وأحدث التقنيات.
هذه الزيارة "التاريخية" وما حدث خلالها كانت نقطة تحول مفصلية في تاريخ كوبا المعاصر, على أثرها لم يتردد كاسترو في انتشال بلاده من الحضن الولايات المتحدة والتوجه بها شرقاً نحو الاتحاد السوفيتي عدو واشنطن اللدود بقيادة الزعيم نيكيتا خرتشوف الذي اقتنص هذه الفرصة الذهبية وفتح احضانه على وسعها للثوار الجدد في هافانا والذي فعلاً أمر بمدهم بكل انواع المساعدات بما في ذلك 100 مليون دولار كمساعدات اقتصادية عاجلة لتحسين مستوى حياة الشعب الكوبي وكما وجه باستيراد كافة المنتجات الكوبية التي أوقفت واشنطن استيرادها وفي مقدمتها السيجار والسكر وغيرها.
التقارب الكوبي السوفيتي وتحول كاسترو الى "شيوعي" وتطور العلاقات بين البلدين الى هذا المستوى وبهذه الوتيرة المتسارعة أزعج كثيراً الولايات المتحدة التي لم تكن تتوقع ان تتخذ الامور هذا المنحى, فسارعت الى تصنيف نظام الحكم الجديد في هافانا بقيادة كاسترو "كنظام عدو", وبدأت العمل على استهدافه على امل استعادة امجادها في كوبا مرة اخرى.
وفي هذا السياق وافق الرئيس ايزنهاور على مقترحات وكالة المخابرات المركزية للإطاحة بنظام كاسترو ولكنه اشترط ان يتم ذلك بطريقة لا تظهر للولايات المتحدة في الصورة ولا تتسبب لها بأي إحراج.
على اثر ذلك, قامت الوكالة بإعداد خطة تتضمن انزال عسكري لعناصر من انصار صديقهم المخلوع الكولونيل باتيستا بقيادة ضباط امريكيين وبدعم جوي وبحري امريكي, ولكن الرئيس ايزنهاور رفض الخطة بسبب الدور الامريكي الواضح جداً فيها.
في مطلع يناير من العام 1961 تم تنصيب جون كينيدي رئيساً جديداً خلفاً لايزنهاور وفي فبراير أعادت وكالة المخابرات المركزية عرض الخطة نفسها عليه فوافق عليها فوراً, فبدأت الاستخبارات المركزية بالتنفيذ وقامت فوراُ بالتواصل مع الرئيس المخلوع باتيستا واتباعه الذيين هربوا معه, وبالفعل قامت الاستخبارات الامريكية بشرح الخطة التي سموها زاباتا (ZAPATA) لباتيستا واعوانه وشرعت في تدريبهم في معسكرات غواتيمالا على كيفية تنفيذها وكانت هذه العملية تقتضي انزال بحري لعناصر من هؤلاء الكوبيين المنفيين من اتباع باتيستا على شواطئ هافانا, وفي الوقت نفسه ستقوم طائرات امريكية تم طلائها بألوان الطائرات الكوبية للتمويه بمهاجمة مطارات وطائرات سلاح الجو الكوبي والهدف الرئيسي للعملية "الاطاحة بنظام كاسترو".
في منتصف ابريل عام 1961 وتحت إشراف ألن دالاس مدير المخابرات المركزية في ذلك الوقت قامت طائرات عسكرية إمريكية بنقل اكثر من 1500 من عناصر المعارضة الكوبية المدربين جيداً وتم إنزالهم في خليج الخنازير (Bay of Pigs) وهو احد خلجان السواحل الجنوبية لكوبا.
الكوبيون استعدوا جيداً للمخطط الامريكي بعد ان علموا بتفاصيله من المخابرات السوفيتية (كي جي بي) فقاموا بنقل طائراتهم الحربية الى مطارات احتياطية سرية وفي الوقت نفسه نصبوا كمائن محكمة للقوات الغازية فقتلوا العشرات منهم وأسروا اكثر من 1200, وتزامناً مع ذلك قامت الطائرات الحربية الكوبية بالتصدي للطائرات الامريكية المعتدية, فأسقطت 5 منها وقتلت 4 من طواقمها, فيما نجح واحد من الطيارين بالنجاة.
بعد هذه الحادثة طلب كاسترو من الزعيم السوفيتي خرتشوف مساعدات عسكرية لحماية بلاده من الغزو الامريكي, فارسل خرتشوف قوات عسكرية سوفيتية لحماية الاراضي الكوبية بما في ذلك انشاء قواعد صواريخ متوسطة المدى ونشر سفن حربية تحمل صواريخ استراتيجية على الشواطئ الكوبية وتحديداً في خليج الخنازير.
وفور ان علم الرئيس كينيدي بذلك حتى امر في منتصف اكتوبر 1961 بحصار كوبا ونشر صواريخ نووية قبالة الشواطئ الكوبية التي تبعد أقل من 150 كيلومتر عن ولاية فلوريدا الامريكية, وبالفعل في 22 اكتوبر قامت السفن الحربية الامريكية بفرض حصار بحري مشدد على كوبا لمنع السفن السوفيتية المشتبه في حملها صواريخ نووية من الوصول إلى الجزيرة, وما ان علم خرتشوف بالخبر في اليوم التالي ارسل الرئيس كينيدي رسالة يقول فيها إن السفن السوفيتية لن تتوقف عند الحصار، لكنها ستشق طريقها ومهما كلف الامر, في 25 أكتوبر رصدت طائرات تجسس أمريكية ارتفاع وتيرة أعمال البناء في مواقع إطلاق الصواريخ الاستراتيجية السوفيتية في كوبا فصعدت الولايات المتحدة من حصارها ووضعت قواتها في حالة تأهب قصوى, وأقترب الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية من شفير حرب نووية وكتم العالم انفاسه.
ادرك الطرفان ان فداحة المواجهة النووية ومدى خطورتها, فتلقى كينيدي في 26 اكتوبر رسالة ثانية من خرتشوف يقترح فيها بإزالة مواقع إطلاق الصواريخ الاستراتيجية وسحب السفن السوفيتية النووية إذا وافقت الولايات المتحدة على رفع الحصار عن كوبا ووعدت بعدم غزوها وازالة الصواريخ الاستراتيجية الامريكية من تركيا القريبة من الحدود السوفيتية، وقد وافق الرئيس كينيدي على اقتراح خرتشوف وفي 28 اكتوبر تنفس العالم الصعداء عندما اعلن خرتشوف إزالة الصواريخ السوفيتية من كوبا وإعادتها إلى الاتحاد السوفيتي وذلك عبر رسالة وجهها عبر اثير اذاعة موسكو الى الرئيس جون كينيدي, وبالفعل في نفس اليوم رصدت طائرات التجسس الامريكية السفن السوفيتية وعلى متنها الاسلحة الاستراتيجية تعود ادراجها الى المياه الاقليمية السوفيتية وقامت الولايات المتحدة بالتزامن مع التحرك السوفيتي برفع الحصار عن كوبا وازالة الصواريخ الاستراتيجية من الاراضي التركية, وهكذا تجنب العالم حرب نووية كانت وشيكة وهكذا أنقذ الزعيم السوفيتي نظام كاسترو في كوبا من غزو الولايات المتحدة, وعلى اثر هذه الحادثة الخطيرة تم إنشاء خطاً ساخناً يوفر اتصالاً فورياً ومباشراً بين البيت الأبيض والكرملين لتلافي تكرار مثل هذه الحادثة مستقبلاً.
اخر الكلام:
وفقاً لاراء معظم المؤرخين فقد كانت الفترة من منتصف اكتوبر ولغاية الثامن والعشرين عام 1961 أخطر ثلاثة عشر يوماً في تاريخ البشرية الحديث, حيث وضعت القوتان العظميان حينها أسلحتهما النووية على أهبة الاستعداد وأصبح ما يفصل العالم عن نهايته هو ضغطة زر فقط, ولكن الله سلم, ورجح عقلاء الطرفين الحكمة وصوت الضمير ومصلحة ومستقبل البشرية.
يبدو ان الرئيس الامريكي جو بادين يسير بطريقة او بأخرى على درب الرئيس كينيدي (ديمقراطي هو الاخر) في جر العالم الى شفير الهاوية, ولكن هل لدى بايدن "كاريزما" وبراغماتية كينيدي وحكمته, وفي المقابل هل بوتين يمتلك رباطة جأش وقوة شخصية وجرأة خورتشوف وهيبته وبرودة اعصابه وبعد نظره.......!!!!!؟؟؟؟
هل يعيد التاريخ نفسه ولكن هذه المرة في اوكرانيا وستكون النهاية كتلك التي آلت اليها ازمة خليج الخنازير, ام ان الايام المقبلة ستحمل لنا سيناريو اخر...!!!!
على الارجح ان التاريخ سيعيد نفسه وفقاً للمعطيات المتوفرة حتى الان, ولكن قد تختلف طريقة الاخراج حسب مقتضيات وتقنيات هذا العصر.
اندلاع العملية العسكرية الروسية في اوكرانيا قبل حوالي اسبوعين وتصاعد اللهجة العدائية الغربية الغير مسبوقة ضد روسيا مما حدا بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين بإصدار اوامره للقوات الروسية بوضع الاسلحة الاستراتيجية (النووية) في حالة تأهب خاصة وتزامن ذلك مع توجيهه تحذيراً شديد اللهجة لمن تسول له نفسه التدخل المباشر فيما يجري بين روسيا واوكرانيا برد "لم يشهده في تاريخه" وكان يقصد دول حلف شمال الاطلسي (الناتو) بزعامة الولايات المتحدة.
وكل هذه المعطيات تشير الى امكانية ولو محدودة لمواجهة نووية بين روسيا والحلف وهذا تطور استثنائي ويشكل خطراً كبيراً على العالم بأسره وليس على روسيا ودول الناتو فحسب, مما يعيدنا بالذاكرة الى اجواء مماثلة سادت في اوائل الستينات وكان مسرحها في ذلك الوقت جزيرة كوبا وعرفت تاريخياً بأزمة خليج الخنازير, على الرغم بان وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف صرح في مؤتمر صحفي بعد اجتماعه بنظيره الاوكراني ديميترو كوليبا في تركيا الخميس 10 مارس الجاري قائلاً : "لا اريد ان اصدق ولا اعتقد ان هناك امكانية لاندلاع حرباً نووية ".
قصة خليج الخنازير لمن لم يسمع بها هي بإيجاز ان الولايات المتحدة احتلت كوبا عام 1906 حتى نهاية الخمسينات من القرن الماضي وطوال تلك الفترة ظلت كوبا ترزح تحت حكم انظمة دكتاتورية تنصبها للولايات المتحدة التي كانت تسطير على اكثر من 75% من الاراضي الكوبية ومقدراتها.
طوال الخمسينات كانت كوبا التي تعتبرها واشنطن حديقتها الخلفية خاضعة لنظام الكولونيل فولغينسيو باتيستا الذي عرف بنهجه الدكتاتوري وولائه المطلق للولايات المتحدة كما كان الفساد مستشرياً في عهده وبالاخص بين اركان نظامه وحاشيته وأتباعه الذين كانوا يستأثرون بما تركه الامريكان للكوبيين في حين كان الكوبيون يرزحون تحت وطأة فقر مدقع طال حوالي 85% منهم.
في نهاية الخمسينات فجر فيدل كاسترو بالاشتراك مع اخيه راؤول وصديقهما تشي جيفارا "الثورة الكوبية" ونجح في الاطاحة بنظام باتسيتا الفاسد وسيطر على مقاليد السلطة في البلاد, وهذا أغضب الولايات المتحدة التي فقدت عندئذ احد اهم حلفائها في القارة الامريكية والاهم انها فقدت السيطرة على كوبا نفسها وبالتالي فقدت ثروات طائلة, فناصبت النظام الكوبي الجديد العداء على الرغم ان الرئيس الكوبي الجديد فيدل كاسترو (الذي لم يكن شيوعياً حينها) ابدى حسن النية تجاه للولايات المتحدة فكانت اول رحلة خارجية له بعد توليه السلطة الى واشنطن لابداء حرصه على ترسيخ علاقات حسن جوار طبيعية بين الشعبين الجارين, بالاضافة الى طلب مساعدات اقتصادية من الولايات المتحدة الجارة الغنية لبلاده الفقيرة, إلا ان الرئيس الامريكي حينها داويت ايزنهاور رفض مجرد استقباله وأوعز لأحد موظفيه ان يبلغه انه لا يريد رؤيته, وانه قرر قطع العلاقات مع كوبا بما في ذلك منع جميع الصادرات الكوبية الى الولايات المتحدة وفي مقدمتها السيجار الهافاني الشهير الذي كانت الاسواق الامريكية تستأثر بحوالي 60% الى 70% من اجمالي إنتاجه فتوجه كاسترو من واشنطن الى نيويورك وهناك في مقر الأمم المتحدة ألتقى مع ممثلي الاتحاد السوفيتي الذين وافقوا على تقديم كل ما تحتاجه بلاده وحكومته الجديدة من مساعدات اقتصادية وعسكرية ودعم سياسي ودبلوماسي وتكنولوجي ومدهم بمختلف الخبرات وأحدث التقنيات.
هذه الزيارة "التاريخية" وما حدث خلالها كانت نقطة تحول مفصلية في تاريخ كوبا المعاصر, على أثرها لم يتردد كاسترو في انتشال بلاده من الحضن الولايات المتحدة والتوجه بها شرقاً نحو الاتحاد السوفيتي عدو واشنطن اللدود بقيادة الزعيم نيكيتا خرتشوف الذي اقتنص هذه الفرصة الذهبية وفتح احضانه على وسعها للثوار الجدد في هافانا والذي فعلاً أمر بمدهم بكل انواع المساعدات بما في ذلك 100 مليون دولار كمساعدات اقتصادية عاجلة لتحسين مستوى حياة الشعب الكوبي وكما وجه باستيراد كافة المنتجات الكوبية التي أوقفت واشنطن استيرادها وفي مقدمتها السيجار والسكر وغيرها.
التقارب الكوبي السوفيتي وتحول كاسترو الى "شيوعي" وتطور العلاقات بين البلدين الى هذا المستوى وبهذه الوتيرة المتسارعة أزعج كثيراً الولايات المتحدة التي لم تكن تتوقع ان تتخذ الامور هذا المنحى, فسارعت الى تصنيف نظام الحكم الجديد في هافانا بقيادة كاسترو "كنظام عدو", وبدأت العمل على استهدافه على امل استعادة امجادها في كوبا مرة اخرى.
وفي هذا السياق وافق الرئيس ايزنهاور على مقترحات وكالة المخابرات المركزية للإطاحة بنظام كاسترو ولكنه اشترط ان يتم ذلك بطريقة لا تظهر للولايات المتحدة في الصورة ولا تتسبب لها بأي إحراج.
على اثر ذلك, قامت الوكالة بإعداد خطة تتضمن انزال عسكري لعناصر من انصار صديقهم المخلوع الكولونيل باتيستا بقيادة ضباط امريكيين وبدعم جوي وبحري امريكي, ولكن الرئيس ايزنهاور رفض الخطة بسبب الدور الامريكي الواضح جداً فيها.
في مطلع يناير من العام 1961 تم تنصيب جون كينيدي رئيساً جديداً خلفاً لايزنهاور وفي فبراير أعادت وكالة المخابرات المركزية عرض الخطة نفسها عليه فوافق عليها فوراً, فبدأت الاستخبارات المركزية بالتنفيذ وقامت فوراُ بالتواصل مع الرئيس المخلوع باتيستا واتباعه الذيين هربوا معه, وبالفعل قامت الاستخبارات الامريكية بشرح الخطة التي سموها زاباتا (ZAPATA) لباتيستا واعوانه وشرعت في تدريبهم في معسكرات غواتيمالا على كيفية تنفيذها وكانت هذه العملية تقتضي انزال بحري لعناصر من هؤلاء الكوبيين المنفيين من اتباع باتيستا على شواطئ هافانا, وفي الوقت نفسه ستقوم طائرات امريكية تم طلائها بألوان الطائرات الكوبية للتمويه بمهاجمة مطارات وطائرات سلاح الجو الكوبي والهدف الرئيسي للعملية "الاطاحة بنظام كاسترو".
في منتصف ابريل عام 1961 وتحت إشراف ألن دالاس مدير المخابرات المركزية في ذلك الوقت قامت طائرات عسكرية إمريكية بنقل اكثر من 1500 من عناصر المعارضة الكوبية المدربين جيداً وتم إنزالهم في خليج الخنازير (Bay of Pigs) وهو احد خلجان السواحل الجنوبية لكوبا.
الكوبيون استعدوا جيداً للمخطط الامريكي بعد ان علموا بتفاصيله من المخابرات السوفيتية (كي جي بي) فقاموا بنقل طائراتهم الحربية الى مطارات احتياطية سرية وفي الوقت نفسه نصبوا كمائن محكمة للقوات الغازية فقتلوا العشرات منهم وأسروا اكثر من 1200, وتزامناً مع ذلك قامت الطائرات الحربية الكوبية بالتصدي للطائرات الامريكية المعتدية, فأسقطت 5 منها وقتلت 4 من طواقمها, فيما نجح واحد من الطيارين بالنجاة.
بعد هذه الحادثة طلب كاسترو من الزعيم السوفيتي خرتشوف مساعدات عسكرية لحماية بلاده من الغزو الامريكي, فارسل خرتشوف قوات عسكرية سوفيتية لحماية الاراضي الكوبية بما في ذلك انشاء قواعد صواريخ متوسطة المدى ونشر سفن حربية تحمل صواريخ استراتيجية على الشواطئ الكوبية وتحديداً في خليج الخنازير.
وفور ان علم الرئيس كينيدي بذلك حتى امر في منتصف اكتوبر 1961 بحصار كوبا ونشر صواريخ نووية قبالة الشواطئ الكوبية التي تبعد أقل من 150 كيلومتر عن ولاية فلوريدا الامريكية, وبالفعل في 22 اكتوبر قامت السفن الحربية الامريكية بفرض حصار بحري مشدد على كوبا لمنع السفن السوفيتية المشتبه في حملها صواريخ نووية من الوصول إلى الجزيرة, وما ان علم خرتشوف بالخبر في اليوم التالي ارسل الرئيس كينيدي رسالة يقول فيها إن السفن السوفيتية لن تتوقف عند الحصار، لكنها ستشق طريقها ومهما كلف الامر, في 25 أكتوبر رصدت طائرات تجسس أمريكية ارتفاع وتيرة أعمال البناء في مواقع إطلاق الصواريخ الاستراتيجية السوفيتية في كوبا فصعدت الولايات المتحدة من حصارها ووضعت قواتها في حالة تأهب قصوى, وأقترب الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية من شفير حرب نووية وكتم العالم انفاسه.
ادرك الطرفان ان فداحة المواجهة النووية ومدى خطورتها, فتلقى كينيدي في 26 اكتوبر رسالة ثانية من خرتشوف يقترح فيها بإزالة مواقع إطلاق الصواريخ الاستراتيجية وسحب السفن السوفيتية النووية إذا وافقت الولايات المتحدة على رفع الحصار عن كوبا ووعدت بعدم غزوها وازالة الصواريخ الاستراتيجية الامريكية من تركيا القريبة من الحدود السوفيتية، وقد وافق الرئيس كينيدي على اقتراح خرتشوف وفي 28 اكتوبر تنفس العالم الصعداء عندما اعلن خرتشوف إزالة الصواريخ السوفيتية من كوبا وإعادتها إلى الاتحاد السوفيتي وذلك عبر رسالة وجهها عبر اثير اذاعة موسكو الى الرئيس جون كينيدي, وبالفعل في نفس اليوم رصدت طائرات التجسس الامريكية السفن السوفيتية وعلى متنها الاسلحة الاستراتيجية تعود ادراجها الى المياه الاقليمية السوفيتية وقامت الولايات المتحدة بالتزامن مع التحرك السوفيتي برفع الحصار عن كوبا وازالة الصواريخ الاستراتيجية من الاراضي التركية, وهكذا تجنب العالم حرب نووية كانت وشيكة وهكذا أنقذ الزعيم السوفيتي نظام كاسترو في كوبا من غزو الولايات المتحدة, وعلى اثر هذه الحادثة الخطيرة تم إنشاء خطاً ساخناً يوفر اتصالاً فورياً ومباشراً بين البيت الأبيض والكرملين لتلافي تكرار مثل هذه الحادثة مستقبلاً.
اخر الكلام:
وفقاً لاراء معظم المؤرخين فقد كانت الفترة من منتصف اكتوبر ولغاية الثامن والعشرين عام 1961 أخطر ثلاثة عشر يوماً في تاريخ البشرية الحديث, حيث وضعت القوتان العظميان حينها أسلحتهما النووية على أهبة الاستعداد وأصبح ما يفصل العالم عن نهايته هو ضغطة زر فقط, ولكن الله سلم, ورجح عقلاء الطرفين الحكمة وصوت الضمير ومصلحة ومستقبل البشرية.
يبدو ان الرئيس الامريكي جو بادين يسير بطريقة او بأخرى على درب الرئيس كينيدي (ديمقراطي هو الاخر) في جر العالم الى شفير الهاوية, ولكن هل لدى بايدن "كاريزما" وبراغماتية كينيدي وحكمته, وفي المقابل هل بوتين يمتلك رباطة جأش وقوة شخصية وجرأة خورتشوف وهيبته وبرودة اعصابه وبعد نظره.......!!!!!؟؟؟؟
هل يعيد التاريخ نفسه ولكن هذه المرة في اوكرانيا وستكون النهاية كتلك التي آلت اليها ازمة خليج الخنازير, ام ان الايام المقبلة ستحمل لنا سيناريو اخر...!!!!
على الارجح ان التاريخ سيعيد نفسه وفقاً للمعطيات المتوفرة حتى الان, ولكن قد تختلف طريقة الاخراج حسب مقتضيات وتقنيات هذا العصر.

التعليقات