حميدتي والمعضلة الصعبة مع الشريك الأميركي
رام الله - دنيا الوطن
لا شك أنه على الساحة السودانية تلعب الولايات المتحدة الدور الأكبر من حيث التأثير على مسارات السياسة الداخلية والخارجية السودانية، بالتوازي مع التخبط الحاصل على الساحة الأقليمية ككل، ومن المعلوم أن الحكومة الانتقالية الحالية برئاسة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك تحظى برضى وعدم اميركي الى جانب دعم ومساندة من قبل الدول الغربية الحليفة لواشنطن.
لكن المراقب للاحداث السودانية يدرك جيداً ان نائب رئيس المجلس السيادي محمد حمدان دقلو الملقب بحميدتي يشكل رقماً صعباً في معادة السياسة والقوى السودانية بالغة التعقيد، فهو قائد لقوات الدعم السريع التي يقول مراقبون انها تشكل جيشاً موازياً في السودان وقوة ضاربة وامر واقع على الارض يجعل من شبه المستحيل ابعاد دقلو عن المشهد السوداني، رغم كل المحاولات.
وعليه بات واضحاً ان الولايات المتحدة لن ترضى عن دور حميدتي الهام ووزنه الثقيل داخل معادلة الحكم السوداني، وهذا ما يفسر الضغوطات الاميركية على المكون العسكري في السودان الذي يلعب فيه حميدتي دوراً هاماً، فبسبب الضغط الأميركي تم اجبار العسكر على مشاركة المدنيين في الحكم في العام 2019، وذلك بعد اسقطا نظام البشير، ولقد بقي حميدتي في المشهد بسبب قوته.
والضغوطات على حميدتي لم تتوقف يوماً، فقبل عامين كانت توجه له اتهامات مباشرة دولية بلعب دور سلبي في احداث دارفور وحادثة فض اعتصام القيادة العامة قبل عامين، والتي راح ضحيتها عشرات القتلى والجرحى. اما صفحة احداث دارفور لم تغلق يوماُ، بل توضع بين الحين والآخر في الأدراج مؤقتاً من باب الحرض على السلم الأهلي في السودان، لكن هذا لا يعني طيها نهائياً.
لقد حذرت الولايات المتحدة مراراً وتكراراً من المساس بـعملية التحول الديمقراطي المدني التي يعيشها السودان، منذ الثورة الشعبية التي أطاحت بنظام عمر البشير، في أبريل 2019. وتزداد هذه التصريحات والمواقف الأميركية حدةً مع اقتراب موعد نقل رئاسة مجلس السيادة للمدنيين في نوفمبر المقبل، حيث أكدت الخارجية الأميركية بأكثر من مناسبة دعمها للحكومة الانتقالية التي يقودها المدنيون.
حميدتي يدرك جيداً خطورة الأمر والحزم الاميركي، لذلك يؤكد هو الآخر بين الفينة والأخرى انه لا مجال لعودة العسكر للحكم وانه مقتنع بضرورة نقل السلطة للمدنيين، ففي أكثر من خطاب له أثناء الزيارات الاجتماعية التي يقوم بها الى مناطق السودان كافة، اعرب حميدتي عن تعهده بالعمل على استكمال التحول الديمقراطي وانه لا مجال لحكم عسكري مجددا.
لكن بحسب مراقبين فمحاولات حميدتي التقرب من الاميركيين ورمي هكذا تصريحات بهدف تحييد نفسه عن اي اجراءات اميركية، هي محاولات فاشلة وخاطئة ولن تنتهي الى بتسريع عملية محاكمته بالتهم الموجه اليه، ويؤكد هؤلاء المحللين الاستراتيجيين انه من المستحيل أن تترك الولايات المتحدة حميدتي أو غيره من العسكر دون محاكمة امام الجنايات الدولية ان هو سلم السلطة طوعياً.
وبحسب التسريبات الأخيرة فقط عمل المستشارون السياسيون الأميركيون على دفع حمدوك رئيس الوزراء السوداني على تسريع عملية تحضير ملف المحاكمة لحميدتي، وذلك عن طريق تسريع عمل التحقيقات، وخصوصا تلك المتعلقة بأحداث فض اعتصام القيادة العامة في العام 2019، والهدف الرئيسي هو انشاء ملف اهام جاهز ضد حميدتي بالتزامن مع انتهاء العملية الانتقالية ونقل السلطة كاملة الى المدنيين في السودان.
فلحظة انتهاء الفترة الانتقالية والتي تسبقها نقل رئاسة المجلس السيادي للمدنيين تشكل فترة حرجة جداً ومناسبة بالنسبة لحمدوك وشركائه الأميركيين للقيام بضربة استباقية تقسم ظهر العسكر وفي مقدمتهم محمد حمدان دقلو لما يشكله من خطر على الحكم المدني وعلى مشاريع الولايات المتحدة في السودان والمنطقة ككل.
