حطام ذاكرة.. ألفت المعصوابي تبحث تحت الركام عن ذكريات عائلتها

حطام ذاكرة.. ألفت المعصوابي تبحث تحت الركام عن ذكريات عائلتها
رام الله - دنيا الوطن
عائشة الهور

نغرس الامل في كل ركن من أركان بيوتنا  في قارورة كأنها صبارة على نافذة تستقبل الشمس صباحا كل يوم .. نرويها بذكريات وحكايات نبوح لها بأ سرارنا وتسجل ذكرياتنا وتحفظ حكايات رواها لنا اصدقاء لنا عند النافذة ..،  غرف تزينت بحضورنا وبصمة كل فرد منا فيها ،  هي الأماكن  المليئة بالأسرار .. بالضحك والبكاء .. ومشاكسات الأب مع الأبناء حول نقاشات واختلافات معينة.. ديكورات خاصة بزوق كل فرد في البيت.. وتفاصيل نجهلها، وحكايات ذهبت وبقيت غصة في قلب  ألفت ؛ وحين سردتها لنا بكت بحرقة من ضياع تلك الذكريات التي لن تأتي بسهولة لتذهب هكذا برمشة عين ..

ألفت المعصوابي سيدة أربعينية من العمر، تعمل اخصائية نفسيه تعالج الناس وتخرجهم من الصدمات التي تحل بهم ، كانت تتعامل معهم حسب علم درسته وتعمل به وتطوره من خلال معاملتها من الحالات المختلفة، ولكنها لم تتوقع يومآ أن تكون ضحية هذه الصدمات بعد أن هدم الاحتلال الاسرائيلي منزلها الذي يحوي ذكرياتها والتي باتت الآن رماد .

لحظات الفرح أصبحت رماد !!

بعيون أنهكها البكاء، وأيدي ترتجف، وخفاتة صوتها الذي انخفض من أنين القهر، تقول ألفت "  بعد سنين من التعب والمعاناة لأحصل على بيت خاص وملك لي ولأبناءي، حيث كنت سكنت عدة مرات في بيت بالإجار، فكان هذا البيت كأنه الجنة بالنسبة لي لعدم حصولي عليه بسهولة، كنت أهتم بكل حجر وزاوية في البيت وأصنع الزوايا المختلفة والتي تضيف رونقآ وبهجة، كنت أقدس أشيائي وعندما يتلف في بيتي شيئآ أعيد تدويره وأصنع منه شيئآ أجمل.

تنظر ألفت إلى أبناءها بنظرة استعطاف وتقول:" لدي أربع من الأبناء، كنت حريصة جدآ على أن يكون لكل شخص منهم خصوصيته التامة، فكان لكل واحد منهم غرفة خاصة  وتفاصيل مختلفة، كانوا يعيشون حياة هانئة وآمنة .. وبلحظة يذهب كل شئ حتى أصبحنا الآن جميعنا في غرفة واحدة يملؤنا الضجر والوجع المرير، غصة كبيير في قلبي لا يمكن وصفها!!

تضع يدها على قلبها الموجوع وتكمل :" أما عن مملكة الذكريات، وآآآه من وجع القلب على هذه الزاوية التي تحتوي كل ذكرياتي منذ الصغر، لدي أخت تقنط في بلاد الغربة ومن الصغر أرسل لها رسائل عبر البريد؛ وهي كذلك.. 

أحتفظ بتلك الرسائل التي تعبر عن حبنا واشتياقنا للحظات الطفولة سويآ، صور أبناءي من صغرهم، قصص وأشعار كنت أكتبها عندما أغادر مكان عملي لأفرغ الضغط النفسي الذي اعانيه بحكم عملي في مجال كله ضغوطات، كل هذا ذهب رماد وأصبح قلبي رمادآ معه، لم يتركوا لنا شيئآ أجمل ما نملك ذهب، ولن يعود.. البيت سيعوض ولكن من يعوض لنا هذه الذكريات .

حكايات لم تكتمل

اعتادت ألفت في كل عام أن تصنع كعك العيد بنفسها،  فهي كالمعتاد امرأة تحب صنع الأجواء التي تضيف البهجة في كل مكان، كانت تلف كعكة تلوا الآخرى، وتارة تقوم بأعمال المنزل وتشغل الأغاني ويلتفوا حولها أبناءها متحمسين لمساعدتها في أعمال المنزل ، فكانت تخلق جو عائلي بامتياز.

 وبعد الانتهاء تنظر لابنها الأصغر وهو يدرس مستعدآ بعد مدة قصيرة لاجتياز اختبارات الثانوية العامة"التوجيهي"، كانت تنظر إليه وترسم أحلامآ له بمخيلتها، وتخطط له كيف سيغدو ذاك الشاب المتميز عند اجتيازه هذه المرحلة.

جهزت الكعك.. ولكن لم يأتي العيد.. رتبت البيت وزينته ولكن الزينة انحرقت.. صنعت لأبنها الأجواء المناسبة  للدراسة ولكن ، باتت الذهون مليئة بالكوابيس المزعجة.

يزاد الوجع في قلب ألف وتقول:" هذه الأحلام هدمها الاحتلال، وجعلني أحلم الآن كيف أخرج ابني من هذا العجز والاستسلام الذي يشعر به بعد أن تطايرت كتبه وتلاخيصه الذي أعدها بيده ليسهل عليه المراجعة ليلة الاختبار، أنه أمر ليس بالسهل فأنا الآن أعيش أصعب الظروف؛ مشيرآ أنها تحاول التخفيف مع أبناءها من حدة الصدمة باستخدامها الكوميديا السوداء.

لم يكن صباح الخير !!

بعد أن خانتها دموعها، وحشرت الخنقة صوتها الخافت، أكمل ابنها الأكبر  أحمد غطاس صاحب 23 عامآ الحديث ..

بصوت شاحب يملؤوه الحسرة، وعيون لا ترغب بتصديق ما جرى يقول أحمد:" في اليوم السادس عشر من شهر مايو تم محو ذكريات ٢٣ سنة منذ الولاده وحتى هذا اليوم ،، استيقظت على مكالمه هاتفيه بين أبي و أحد أفراد الجيران ويخبره بما سيحصل وبعد سماعي لصراخ الجيران وصوت هروبهم من العماره تيقنت بما سيحصل، استيقظت على نكبة لم تكن في الحسبان فقد علمت بأن بيتنا مهدد بالقصف خلال تلت ساعه من قبل جيش الاحتلال الاسرائيلي.

ويكمل حديثه بغصة تتلوها علامات استغراب مما حدث  :"توجهت مسرعا وبكل ذعر وخوف لايقاظ باقي أفراد عائلتي لعلو ننجو بأجسادنا قبل أن يسرق منا أحد كما سرقت ذكرياتنا "

 ينظر إلى أمه  ألفت ويستذكر معها هذه اللحظات التي تركت مرارآ في القلب وذكريات غرست ولن تنسى ويكمل :" كانت علامات الخوف والهلع  في عيون أمي وأخوتي، انتفضو من مكان نومهم، حاملين معهم أشياءهم التي تم تحضيرها مسبقآ تحسبآ لأي طارئ ، وبعد أن اخبرتهم بما سيحصل،  توجهت مسرعا الى غرفتي ماسكآ بشنطتي المحضرة مسبقآ أيضآ وتحوي شهاداتي وأوراق أخرى وجهاز الحاسوب المحمول .

بحنين ملاحظ من حشرجة الصوت يكمل أحمد:" نظرت الى غرفتي التي كانت بمثابة مأمني وعالمي الخاص  نظرة لم أكن أعلم انها النظرة الاخيرة لا اعرف ماذا اريد حينها، فخرجت مسرعا الى غرفة الضيافة وكان أبي يمسك بأوراقه وبعض من الملابس المهمة الخاصه بوظيفته ووضعها في شنطة سفر، وبعد ذلك توجهنا للشارع ورايت جميع سكان العمارة وسكان محيط العمارة في الشارع هاربون مما سيحصل". 

يوصف أحمد ما حصل معهم كأنه يعيش فيلم رعب لم يخطر بباله يومآ أن يكون بيتهم هو الضحية، بل هو وأسرته الضحية :" في لحظة من الوقت لا تكون قادر على استيعاب كل هذا مرة واحدة، توجهنا أنا وأمي وأخوتي الى السياره ووقفنا بعيدا عن العمارة  ناظرين اليها نظرة عدم استيعاب وتساؤل!! كيف لصاروخ يحطم كل الايام الجميلة والذكريات للتي رسمت على جدران المنزل والكثير من الموقف التي كانت تدور بمخيلتي عندما دمر المنزل.

حائط غريب، وبيت لا يشبه ألفت وعائلتها، يجتمعون صدفة على طاولة الطعام بعد أن يقضوا معظم وقتهم في الخارج ، يأكلون مرار الذكريات، ويتسابقون لمكان نوم كل واحد فيهم لعلهم يجدون في النوم هروبآ من واقعهم المرير، ويستيقظون على أمل بأن يكون كل ما حصل له كان مجرد حلم .

وقفت الفت المعصوابي مع أبناءها فوق ركام المنزل علها تبحث عن شئ من الذكريات تبرد بها نار قلبها، ولكن لاشئ واضح، فصواريخ الاحتلال مسحت معالم البيت وباتت ألفت حزينة، تسرد بغصة قلب وتبكي.. وتبكي من ضياع الذكريات وتقول:" من قال أن البيت الذي يذهب سيعوض.. سيعوض ولكن من سيعوضني تلك الذكريات..

ورغم كل ما حدث أبت ألفت أن تكون الدراع القوي لعائلتها لتواجه الواقع، متجاوزة محنتها الصعبة وتسعى لخلق مستقبل أجمل، فهكذا هم أبناء غزة، ينسجون الأمل وحب الحياة من آلامهم.