"إسرائيل" و(كوفيد- 19).. عدوان اجتمعا على قلب شباب قطاع غزة

"إسرائيل" و(كوفيد- 19).. عدوان اجتمعا على قلب شباب قطاع غزة
دنيا الوطن - أحمد قنن
"أريد العيش، أسمى أمانيّ أن أتحرر، أحلم بحياة تشبه الحياة، أرنو للخروج من عزلتي، لقد سئمت الذكريات وهي تحيطني، فسماء غرفتي ملبدة بالسواد، وخربشات الخيال، تتزاحم على الجدران.. في كل ليلة ألتحف وجعي، وأرتطم أرضًا كي أحتضن آلامي، إن روحي مفعمة بالأمل".

جمل تمتم بها ألسنة شباب من قطاع غزة، وتترجمها ملامح وجوههم، يصدح صداها داخل معظمهم ويضيقون ذرعًا، لا يقدرون على التنفس، كلما أرادوا إيصالها للعالم المنشغل، فالكل يجابه عدوًا لا يُرى بالعين المجردة اسمه (كوفيد- 19) لا حدود جغرافية تقيده، فما بالكم لو اجتمع عدوّان على قلب رجل واحد؟

إن الشباب الفلسطيني لاسيما في قطاع غزة المحاصر منذ سنوات، يواجه ألمين محدقين هما: الاحتلال الإسرائيلي وفيروس (كورونا)، والحقيقة الواضحة كضوء الشمس، أنه منعزل عن العالم الذي سيتخلص من الجائحة أو يتعايش معها، وسيعود لحياته الطبيعية، لكن الأول سيبقى معزولًا عن الوجود ما دامت "إسرائيل" تتحكم في أحواله.

الصياد الجريح

منذ نعومة أظافره، وهو يعمل في مهنة الصيد مع والده لقد كان البحر ملاذًا له من كل ضيق، رغم المضايقات الإسرائيلية المفروضة على الصيادين بمن فيهم الصياد الجريح رامي عياش الذي يقطن في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، حمل ساقه المصابة وعكازه، وسار نحو البحر وقال: "هان كنت أصيد السمك، كل يوم ضرب كل يوم طخ كل يوم مصادرة شباك، حتى قبل إصابتي بأسبوع، الطراد الإسرائيلي سرق مني معدات تكلفتها 9 آلاف شيكل".

أصيب رامي (34 عامًا)، برصاص الاحتلال في ركبته، أثناء مشاركته بمسيرات العودة وكسر الحصار قرب السياج الحدودي الشرقي لقطاع غزة، بتاريخ 30 آذار/ مارس 2019، ومن هنا بدأت معاناته تتفاقم، لقد عانى في مشرق الأرض ومغربها من ويلات الاحتلال وقيوده.

الأطباء في غزة، قرروا بتر ساقه بعد الإصابة، لكن أهله رفضوا ودقوا كل الأبواب ليحصل على تحويلة علاج في الخارج، وبقي 6 شهور يعاني دون جدوى وغرق في دوامة اختزلها بجملة "بدي أعيش وأطعمي أولادي"، لملم فتات ذكرياته، وعدنا لمنزله المكون من غرفة وحمام ومطبخ على مساحة 20 متراً.

في كانون الأول/ ديسمبر 2019 شاء القدر أن يحصل رامي على تحويلة للعلاج في مصر، لكنه تعرض لعزلة أخرى في الغربة وبات يفكر بأحداث ما قبل السفر المتمثلة بابنته ذات العشرة أعوام وهي تتشبث بعكازه، وابنه الذي كان ينام بجوار جرحه، تارة أخرى يستحضر ابنته الصغيرة التي أنجبتها زوجته وهو في الغربة، يؤكد: "تركت قطع لحم بغزة عشان أتعالج وهان الدكتور صدمني، وقال راح تضل معاق وما تقدر تتحرك".

عاد لغزة، وهو يجر ذيول الخيبة والألم، لكنه حصل تارة أخرى على تحويلة للعلاج في القدس المحتلة، وبعد رحلة علاج تمكن من ثني قدمه لكن بقي على علاجه عملية زرع مفصل لركبته، وما يحول دون ذلك قيود جائحة (كورونا) المفروضة، أنهى حديثه وفرد كفيه متحسرًا على واقع الحال، واختتم حديثه بصوت مسكون بالمعاناة: "أريد العيش وأحلم أن يحيا أطفالي بحرية".

عزلة فنان

في غرفة مفعمة بالحياة والألوان واللوحات فنية، يجلس الفنان محمد حرب على كرسيه الخشبي بجوار نافذة تستقبل شعاعًا تسلل خلسة من القرص المتوهج، الذي يتوسط قلب السماء وبيده ريشة تلوين، أنهى رسم لوحته الفنية، وأدار وجهه نحونا، وأكد أن الحصار الإسرائيلي المفروض منذ 14 عامًا أثر على الفنانين في ظل الظرف الاستثنائي، الذي يمر فيه العالم بسبب جائحة (كورونا)، لاسيما وأن البرنامج الثقافي والفني مربوط بالتنقل والسفر.

غطّس الفنان حرب ريشته في الماء ونشفها بقطعة قماش، وأطلق ضحكة مصحوبة بالشوق للمعارض والمهرجانات الفنية التي شارك فيها على المستويين الدولي والمحلي: "الفنان يبحث عن فرص يقدم من خلالها عمله الفني، لكن قطاع غزة يعاني من حصار داخل حصار نتيجة لقيود (كورونا) المفروضة ما يؤثر سلبًا على نفسية الفنان وإنتاجه".

أدار وجهه متناولًا لوحة أخرى سعيًا منه لاستلهام أفكار جديدة رغم الحجر المنزلي الذي كسرناه للضرورة، وسط اتخاذ إجراءات السلامة وخاطبنا: "رغم ذلك أنا محظوظ لأني من غزة التي هي بمثابة المصدر الملهم لأفكاري ومشاريعي الفنية والإيحاءات غير الموجودة أصلا في العالم الخارجي، لكن هذا لا يعني أنني لست بحاجة للسفر".

يحاول حرب تجاوز المعيقات والقيود المفروضة، خاصة وأن العزلة ليست بالشيء الجديد على الفنان فهو يعيش بعزلة في داخله كي يخرج فنًا مبدعًا من رحم العبء، وأثبت أنه استغل العزلة الاستغلال الأمثل فقد أنتج على مدار الأشهر الماضية العديد من اللوحات الفنية والجداريات والمشاريع التي أخرجها للنور بعد أن كانت مجرد أفكار على ورق متناثر قرب سريره ومكتبه وجدران غرفته الملونة.

شبح المستقبل

"إنني معزول في غرفتي" بسرعة زحف القلق لقلب ابن الثالثة والعشرين من العمر حسين المصري وافتعل ضجيجًا أيقظ هدوءه، مكملًا: "لا أخرج منها إلا حينما تناديني أمي لتناول الطعام وأحيانًا تحضره لي إلى الغرفة، أشعر بالانزعاج والخمول، وقلة الصبر والتركيز، وانخفاض القدرة على تحمل الضغط، هذه هي تداعيات الجلوس في المنزل، بسبب قيود (كورونا) المفروضة".

عقارب الساعة تحطّ رحالها عند السادسة مساءً، بقي لفرض حجر التجول ساعتين على التمام والكمال، اعتدل في جلسته وتناول بعضًا من الأوراق والكتب الدراسية، ومخططات أعماله التي كان يرنو لتحقيقها في المستقبل سواء بغزة أو خارجها، لمعت عيناه معبرة عن خشيته من أن تحول قيود الاحتلال و(كورونا) من إسقاطها على أرض الواقع وتذهب في مهب الريح.

حسين طالب جامعي يدرس البرمجة بغزة، سافر وهو في السابعة من عمره لألمانيا مع عائلته، يفتقر الآن لحرية تمتع فيها يومًا ما، الوضع في غزة حتّم عليه العيش فيها خاصة بعد وفاة والده، وها هي قيود (كورونا) تجدد عليه المنع وتجبره على المكوث في المنزل بعد أن كان الشاب اليافع الذي يمضي يومه وفق جدول منعش يشتمل على ممارسة الحياة الطبيعية.

"اليوم لا جدول لدي بسبب القيود المفروضة بسبب الجائحة، كل دقائق حياتي متشابهة، أستيقظ وأعود لسريري، أتناول الطعام وأعود لسريري، أتأمل الذكريات المؤلمة في سقف المنزل وأواجه كابوس المستقبل المظلم"، بهذه الجملة اختتم المصري حديثه وهو يرثي حاله بعيون متعبتين، وتلمح بنظرة لا وصف لها، فقط نظرة غامضة مملوء بحزن أسود غريب.

أرض ليست قاحلة

وبسبب إغلاق محافظة شمال قطاع غزة بالكامل بسبب تفشي فيروس (كورونا) اضطررنا لإجراء مقابلة عبر الهاتف في مضمار التقرير مع الأخصائية النفسية والاجتماعية نرمين زياد حيث شددت على أن "شباب قطاع غزة، يعاني منذ 14 عامًا من ويلات الاحتلال التي أنهكته نفسيًا وصحيًا واقتصاديًا وها نحن نمر بقيود جائحة (كورونا)".

وبينت: "الشباب أصبحوا يعانون من عدة اضطرابات كدخولهم بأزمة الاكتئاب والقلق وعدم الاتزان النفسي، لأنهم لا يستطيعون توفير أدنى سبل العيش لهم ولذويهم، والعزلة أصبحت نهج حياة لبعضهم في ظل الوضع الراهن، الشعور بالانزعاج أصبح ملازمًا لهم"، منوه إلى أن القلق الطبيعي مفيد لكن دون أن يزيد عن حده حتى لا يسبب أي خلل وظيفي، ويمنعه من ممارسة أنشطته المرغوبة، وكي لا يدخل في دوامة التجديف نحو بر إسعاد النفس فقط دون الغير.

وجاء في حديث الأخصائية زياد: (كوفيد- 19) غير مجرى الحياة في العالم عامة، وفي قطاع غزة خاصة، فبالإضافة إلى القيود الإسرائيلية المفروضة، جاءت قيود (كورونا) المرهقة نفسيًا للشباب الذي يرغب بممارسة حياته دون أية قيود تذكر كي يبدع لكن للأسف الوضع الراهن قد يحد من ذلك".

ولأن لكل داء دواء، وجهت زياد في نهاية المكالمة رسالة لشباب غزة مفادها: "يجب عليكم إنقاذ أنفسكم، من خلال تنفيذ إجراءات الوقاية الصحية وتعزيز الوازع النفسي والروحي، كي تقدروا على مجابهة المرحلة الآنية، وعليكم التخلص من عزلتكم من خلال الاستغلال الأمثل للإنترنت، الذي حول العالم لقرية صغيرة، غزة ليست بالأرض القاحلة لكنها خصبة تحتاج لمحرك داخلي كيف يبدع شبابها بعيدًا عن العزلة والشعور بعدم المقدرة".

وتشير دراسة مسحية أجرتها اللجنة الدولية ونشرتها بعنوان "جيل الألفية والحروب" في كانون الثاني/ يناير من العام 2020 إلى أنّ معظم جيل الألفية الفلسطيني، بنسبة 69٪، يرى أن تلبية احتياجات الصحة النفسية لضحايا النزاعات لا تقل أهمية عن تلبية الاحتياجات الطبية البدنية.

ولحين إعداد التقرير، بلغ إجمالي تراكمي مصابي فيروس (كورونا) في قطاع غزة منذ آذار/ مارس الماضي 3573 إصابة، منها 1479 حالة نشطة حاليًا، و2071 حالة متعافية، و23 حالة وفاة، وذلك في ظل حالة الطوارئ المفروضة في محافظات القطاع منعًا لتفشي الوباء بشكل أكبر.

وحالة الطوارئ المفروضة، اشتملت على إغلاق المناطق الحيوية كالمدارس والجامعات والمتنزهات والأندية، ومنعت التنقل إلا للضرورة وفق إجراءات احترازية، تضمن السلامة الصحية للمواطنين.

هكذا أصبح حال شباب قطاع غزة، بفعل القيود الإسرائيلية، وقيود جائحة (كورونا) المفروضة، حيث انعكست سلبًا على صحتهم النفسية والجسدية، ومنهم من استغلها استغلالًا أمثل في ظل ندرة الموارد وانعدام السبل، لكن يبقى هنا تساؤل يحوم في الأفق: "متى سينبض قلبهم دون ألم؟".

التعليقات