حوار مع الكاتب والأديب الفلسطيني نعمان فيصل: الثقافة الفلسطينية بين مطرقة التحدي وسندان الواقع!
رام الله - دنيا الوطن
يعاني المثقفون الفلسطينيون من إشكاليات عدة تؤثر سلباً على إبداعاتهم، وعن الثقافة الفلسطينية وهمومها، وما يلاقيه المثقفون من عقبات، وخلال حوار مستفيض مع عضو الاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين الكاتب والأديب/ نعمان عبد الهادي فيصل، تم توجيه له عدة أسئلة كالتالي:
س1: هل ما قدّمه المفكرون الفلسطينيون من إنتاج أدبي خلال مشوارهم الطويل، والذي ما يزال مستمراً، يستحق التقدير؟ وأين يأتي المفكر الفلسطيني بين أقرانه العرب؟
لا شك أن مفهوم "مثقف" على مدى سنوات طويلة ارتبط بفئة أو شريحة من الأشخاص يمتلكون موهبة الأدب والإلهام والكتابة والحصافة، ويكرسون حياتهم اليومية لهذه النشاطات؛ وذلك ليسهموا من خلال إبداعاتهم وإحساسهم بمعاناة شعبهم وأمتهم في حل مشاكلهم، ويجيبون عن الكثير من الأسئلة التي قد لا يجد الكثير من الناس إجابات عنها، ولا شك أن المثقف الفلسطيني يحتل مكانة مرموقة بين المثقفين العرب، وله احترامه في المنتديات الثقافية العربية، بل نجده أحياناً يحظى بانتخابه لرئاسة بعضها، ويفوز بالعديد من جوائزها، ذلك؛ لأن المثقف الفلسطيني تنبع أفكاره من قلب المعاناة التي يعيشها شعبه منذ النكبة، لذا، فهو يحظى بالاحترام الكبير والتقدير.
س2: هل يؤدي الإنتاج الأدبي والثقافي الفلسطيني إلى إشباع المعرفة في المجتمع الفلسطيني؟
لعل النخب الأدبية الفلسطينية، سواء القديمة منها، تلك التي أسست القاعدة الرئيسية، بل البوتقة التي انصهرت منها كل التيارات الفكرية الأدبية، أو الحديثة منها تعتبر من أكثر النخب التي عملت وتعمل على إشباع المعرفة، نظراً لما يتميز به الأدب الفلسطيني؛ ولأنه يتميز بلون وطعم النكبة والمأساة والمعاناة الفلسطينية، بل ويلبي الأدب الفلسطيني أحاسيس الشعب، فنرى الشعر والسيرة والقصة والرواية، حتى الحديث إذا خلا من الرصاص والصمود والثورة، والتعابير الحماسية لا يجد صدى لدى المتلقي، والمجتمع الفلسطيني خاصة ما زال يفرز نخباً عبر العصور نتجت عن المعرفة، وذلك انطلاقاً من مفهوم الثقافة التي هي محاولة لتقديم رؤية للعالم؛ ولتفسير كل ما هو مرتبط بالوجود بناء على المرجعيات الثقافية لخلق نوع من الانسجام بين الشخص وذاته.
س3: هل الثقافة مجموعة معلومات فقط؟ أم أن الثقافة موقف؟ وهل كلمة مثقف ما زالت تحمل نفس الدلالة التي كانت تنطوي عليها في الماضي؟ أم أن معطيات المرحلة والمتغيرات التي شهدها العصر في الحقب الأخيرة تفرض إعادة النظر في هذا المفهوم؟
الثقافة ليست مجموعة معلومات فقط، فالمعلومات يمكن الحصول عليها من مصادر عدة، و"جوجل" أكبر دليل على ذلك، فلو كانت الثقافة محصورة بالمعلومات لكان أكبر مثقف في العالم هو (جوجل)، فالإنسان ليس جهاز حاسوب فقط، بل هو مجموعة من الأحاسيس لا يستطيع بنك المعلومات أن يفسّرها.
والمثقف ليس فقد هو القارئ أو المستمع لوسائل الإعلام فقط، بل هو الذي يملك رصيداً معرفياً، ويرفد التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمجتمع، ولأن المجتمع في حالة تطور دائم بحثاً عن المعرفة، فالمثقف هو الذي ينتج الفكر بلغة مفهومة تصل إلى الجميع، ويطرح الأسئلة، ويعيد النظر في الكثير من القضايا من خلال قراءاته وممارسته العملية ذات الطبيعة الفكرية.
الثقافة إذن هي موقف ووعي، ومسؤولية، ويقول أحمد شوقي في ذلك:
قف دونَ رأيك في الحياةِ مجاهداً إن الحياة عقيدةٌ وجهادٌ
ولا بد من الإشارة إلى أن الفكر جزء من الإنسان، وإلا كان كالحمار يحمل أسفاراً، وإذا لم تكن الفكرة جزءاً من كينونة الإنسان يؤثر ويتأثر بها، تكون الثقافة حملاً على ظهر حمار!! فالثقافة يتم التعبير عنها بشكل مختلف، وعليه يتم التعاطي مع المعلومة بين الناس بشكل مختلف، صحيح أن المدخلات واحدة، لكن المخرجات غير متشابهة، فالجميع يتناولون الغذاء، ويقوم الجسم بعملية هضم هذا الغذاء، وهي عملية هدم بالأساس من خلال تحويل الغذاء إلى مكونات أساسية من فيتامينات، وأملاح، وألياف.. إلخ، ويعيد الجسم بنائها من جديد على شكل خلايا جديدة، وهكذا هي الثقافة.
س4: هل يمكن الحديث حالياً عن تهاون في أداء المثقف لوظيفته في البناء المجتمعي؟ أم أن الأمر يتعلق بمجرد فتور مؤقت في حماس المثقف بسبب إكراهات تنظيمية وعوائق مؤسساتية؟
لا أعتقد بإمكانية الحديث عن تهاون المثقف في أداء وظيفته في البناء المجتمعي، ذلك لأن المثقف يحمل أمانة في ضميره، أمانة ذات قيمة عالية، وهي توجيه عجلة الإصلاح بكل جوانبه، ويمارس التوعية المجتمعية نحو البناء والتطور، ومن هنا، فالمثقف قد يتعرض خلال عمله إلى فترة فتور في حماسه؛ بسبب ظروف المجتمع الداخلية والخلافات التي قد تنشأ بين الفصائل والمواقف، والإشكاليات أحياناً، لكن المثقف يخرج من هذه الإشكاليات بما لديه من رصيد معرفي وديناميكي، ويستثمر المعطيات لصالح البناء المجتمعي.
س5: هل تعتقد أن الفصائل الفلسطينية لم تدرك خطورة الثقافة؟ وما هي الصراعات التي تبرز بين الفينة والأخرى بين فاعلين ينتسبون إلى المشهد الثقافي؟ وهل هذه الصراعات ذات طبيعة فكرية؟ أم أن لها علاقة بالمصالح والتطلعات الشخصية؟
لا يمكن التعميم بعدم إدراك الفصائل الفلسطينية لأهمية دور الثقافة؛ بل هي تدرك تماماً ما ترنو إليه الثقافة في مفهومها الشمولي؛ وفي هذا السياق هناك العديد من الإشكاليات، ومنها: أن هذه الفصائل تستخدم "الثقافة" كواجهات عرض لها، تماماً كما تستخدم الأنشطة المختلفة: الرياضية، والاجتماعية والخيرية لأغراض التسويق لبرامجها الحزبية الضيقة الأخرى، لا للتغيير في البناء المجتمعي، وما يدعم هذا التوجه والممارسة هو أن لكل فصيل دائرته الثقافية الخاصة به، ويسوق لأيديولوجية الفصيل أو الحزب بعيداً عن الإجماع الوطني والهدف الإستراتيجي للثقافة الوطنية، وهناك جسمان ثقافيان في فلسطين تكوّنا بفعل الانقسام وهما: رابطة الكتاب والأدباء الفلسطينيين في قطاع غزة، واتحاد الكتّاب والأدباء الفلسطينيين الذي يمثّل كتّاب فلسطين في الداخل والخارج، ومعنى ذلك أن الانقسام أثّر في الثقافة التي من المفترض أنها توحّد ولا تفرق، ونتمنى أن تنصهر كل الأطر الثقافية في بوتقة الاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين، الذي عليه وضع دستور حقيقي لاتحاد جامع لألوان الطيف الفلسطيني كله، وأن يكون الهدف النهائي لنشاطاته خدمة القضية الفلسطينية، والحالة العامة للمجتمع الفلسطيني.
وهناك حقائق سلبية منها: أن الجامعات لا تلعب دوراً ثقافياً، ولا يوجد لها ميزانيات ثقافية. وأذكر أن وزير الثقافة عام 2017م أعلن أن ميزانية وزارة الثقافة لا تتجاوز "الثلاثة بالألف بالمائة" من حجم الموازنة العامة، وهذا يعني بوضوح أن الوزارة لا تلبي الاحتياجات الثقافية المنشودة، ومع ذلك تقوم وزارة الثقافة مثلاً بطباعة بعض الأجناس الأدبية تشجيعاً للمثقفين، ولكن عملها مصبوغ بالحزبية والمزاجية للأسف، وأيضاً ميزانية اتحاد الكتّاب ليس أحسن حالاً من ميزانية وزارة الثقافة.
س6: هل استطاع المثقف أن يلائم خطابه وإنتاجه الثقافي مع متطلبات العصر الرقمي؟ وما هي الآليات الكفيلة لتفعيل دور المثقف في مشاريع البناء المجتمعي؟
أقول بصراحة: إن الكاتب في عصرنا الحاضر، وهو يعيش في بيئات متباينة في الفكر والأيديولوجيا والإستراتيجية والأهداف، لا يستطيع الصمود في خطابه وإنتاجه الثقافي مع قناعاته التي تصطدم مع الواقع المعاش، لكن متطلبات العصر الرقمي قد تكون المنقذ للكاتب من الوقوع في حبائل الضغوط السياسية والأمنية للبيئة التي يعيشها؛ لأنه قد يتعرض للاعتقال والمحاسبة، ولغير ذلك من وسائل الضغط بتهم كثيرة أقلها معارضة سلطة الحكم القائمة، فحرية التعبير والرأي معترف بها نسبياً وليس مطلقاً، لذا، فإن الحل يكمن في أننا بحاجة لأن نثق بأنفسنا كمثقفين دون التقليل من قدرة الآخرين، ولا بد من تفعيل دور المثقف في مشاريع البناء المجتمعي، فمثلاً يعتبر اتحاد الكتّاب والأدباء الفلسطينيين المؤسسة التي يجب أن تلعب دوراً فاعلاً في رد الاعتبار للمثقف، وحماية حقوق المثقفين، إلا أننا نجد الهوة واسعة اليوم، ونلمس اختلافاً كبيراً بين الإطار النظري المرسوم والواقع الذي يعيشه الاتحاد، كما نرى ونعيش عدم الاهتمام الكافي من الأطر الثقافية الرسمية وغير الرسمية، كوزارة الثقافة، والجامعات، ودائرة الثقافة والإعلام بمنظمة التحرير الفلسطينية، ومؤسسات الإعلام والصحافة الأخرى، ما يشكل حواجز وعوائق في تطور فكر المثقف، ويحد من إبداعاته تحسباً لما قد يتعرض له جراء جرأته التي تسيء للآخرين من الانتهازيين.
وما دمنا نتحدث عن مؤسسات ثقافية حاملة لمشاريع كبرى مرتبطة بعملية نضالية انطلقت من رؤية شمولية لما يجب أن يكون عليه الأمر في فلسطين، فنحن عندما نتحدث عن اتحاد كتّاب نتحدث عن الروّاد الأوائل: أحمد عبد الرحمن، ومحمود درويش، ومعين بسيسو، وهارون هاشم رشيد، وأحمد دحبور، وغيرهم، لكن هذه المرحلة كانت لها حضورها، ولها ما لها، وعليها ما عليها، خاصة "الكوتة السياسية" التي كانت حاضرة بالأمس واليوم داخل مؤسساتنا الثقافية، لذلك من الصعب على أي شخص لا يكون حاملاً يافطة حزب معين أن يفرض نفسه على المنظومة الثقافية الرسمية. وإذا أردنا النهوض بالمشهد الثقافي يجب أن تنتهي هيمنة الفصائل على المنظومة الثقافية، وأن نرفع شعار الاستقلالية، فهناك جيل ثقافي جديد يطالب بالتغيير، وينظر إلى الذين قادوا المشهد الثقافي في مراحل سابقة بأنهم يتحملون المسؤولية الكاملة لما آلت إليه الأوضاع الثقافية اليوم. ويجب أن يتحمل المثقف دوره، وأن يتعالى على الذاتيات الشخصية، وأكبر من أن يبحث عن موقع وزير، والبقاء دائماً للأثر لا للبشر.
ولهذا، فإن رياح التغيير قادمة لا محالة في ظل التغييرات التي تجتاح العالم، وفي ظل التطور والتقدم ووسائل الاتصال المختلفة.
وبصراحة وعملياً تجد أن هناك جمعيات أهلية تعمل بدينامية أكثر من اتحاد الكتّاب، صحيح أن الاتحاد يقوم ببعض الأنشطة الثقافية، لكن ما أقصده هنا هو الفكر والتصور الثقافي، فالاتحاد لا يقوم بتصور مستقبلي لما ينبغي أن يكون، فهناك فرق بين النشاط الثقافي والمشروع الثقافي الذي أطالب به وعلى وجه السرعة؛ لأنه في رأيي الحاضنة الثقافية الإستراتيجية لنهضة ثقافية فلسطينية حضارية، وأعتقد أنه إذا ما استطعنا كمثقفين من إنجاز هذه الخطوة، فستكون الأولى في الوطن العربي.
س7: هل الوضع الثقافي في فلسطين جزء من الوضع الثقافي العربي؟ وهل ما تحققه الأمة العربية من نجاحات في مجال الثقافة هو نجاح لنا؟ وما تحققه من خيبات هو خيبات لنا؟ وهل هموم الثقافة هي هموم الوطن؟
الثقافة في أبرز تعريفاتها ومدلولاتها أنها هوية عالمية تنصهر في بوتقتها كل المكونات المجتمعية وفق التركيبة التنظيمية والهيكلية السياسية أو الاجتماعية لكل دولة أو إقليم أو جماعة، والوضع الثقافي في فلسطين لا شك أنه جزء من الوضع الثقافي العربي، ويكفينا فخراً أن الوضع الثقافي عندنا بخير نسبياً، وبفضل نخبة من الكتّاب المميزين استطاع المثقف الفلسطيني أن يقدم قاموساً ثقافياً ومعرفياً للمكتبة العربية، وأن يتبوأ مركز الصدارة في الكثير من المؤسسات والندوات الثقافية العربية، ومما لا شك فيه، فإن هذا الترابط والتداخل الثقافي الفلسطيني كانت نجاحاته هي رصيد إضافي كبير للوضع الثقافي العربي، والعكس صحيح، فهناك تكامل، لذا نرى أحياناً وحين تسيطر خيبة أمل مؤقتة على المشهد الثقافي في أي بلد عربي تهب المؤسسات الثقافية في فلسطين، وباقي أقطار الوطن العربي للتخلص من هذا الموقف بدعم مؤسسات تلك الدولة بكل ما يمكنها من إقالة عثرتها.
وهنا، دعني أؤكد وبقوة أن هموم الثقافة هي جزء مهم من هموم الوطن، فمتى كانت ثقافة بلد ما منتعشة، وتلبي احتياجات المجتمع الثقافية بما يجعلها قادرة على التفاعل مع آمال وآلام الجماهير ومعبرة عن تطلعاتهم وملبية خواطرهم كلما كان المناخ العام جيداً ومزدهراً.
س8: ما الفرق بين المثقف المتفاعل والمثقف الجامد؟
لبيان الفارق بين المثقف المتفاعل والجامد دعني أشير إلى ما يقوله الأديب الكبير/ "عباس محمود العقاد"، حيث يقول: "الفارق بين المثقف ابن عصره وبين الجامد على قديمه، فارق بين مَن ينظر بعينه وبين مَن يتخبط في الظلمة، فشرط الرجل المثقف في كل عصر أنه (ابن عصره)، وأن طابع عصره يلازمه في تفكيره وعمله كما يلازمه في نظرته إلى العالم من حوله، فلا يعيش في الزمن الحاضر بعقل الزمن الماضي، ولا يترجم الواقع والحقيقة بلغة الوهم والخرافة".
وأنهي هذا الحوار بتمنياتي للثقافة الفلسطينية والمثقف الفلسطيني المزيد من النجاحات لتحقيق الازدهار للحركة الثقافية الفلسطينية في ظل أطار اتحادي واحد يجمع كل ألوان الطيف الثقافي في الوطن تحت مظلة علم فلسطين الذي سيرفرف إن شاء الله على مساجد وكنائس القدس الشريف عاصمة دولتنا المستقلة.
يعاني المثقفون الفلسطينيون من إشكاليات عدة تؤثر سلباً على إبداعاتهم، وعن الثقافة الفلسطينية وهمومها، وما يلاقيه المثقفون من عقبات، وخلال حوار مستفيض مع عضو الاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين الكاتب والأديب/ نعمان عبد الهادي فيصل، تم توجيه له عدة أسئلة كالتالي:
س1: هل ما قدّمه المفكرون الفلسطينيون من إنتاج أدبي خلال مشوارهم الطويل، والذي ما يزال مستمراً، يستحق التقدير؟ وأين يأتي المفكر الفلسطيني بين أقرانه العرب؟
لا شك أن مفهوم "مثقف" على مدى سنوات طويلة ارتبط بفئة أو شريحة من الأشخاص يمتلكون موهبة الأدب والإلهام والكتابة والحصافة، ويكرسون حياتهم اليومية لهذه النشاطات؛ وذلك ليسهموا من خلال إبداعاتهم وإحساسهم بمعاناة شعبهم وأمتهم في حل مشاكلهم، ويجيبون عن الكثير من الأسئلة التي قد لا يجد الكثير من الناس إجابات عنها، ولا شك أن المثقف الفلسطيني يحتل مكانة مرموقة بين المثقفين العرب، وله احترامه في المنتديات الثقافية العربية، بل نجده أحياناً يحظى بانتخابه لرئاسة بعضها، ويفوز بالعديد من جوائزها، ذلك؛ لأن المثقف الفلسطيني تنبع أفكاره من قلب المعاناة التي يعيشها شعبه منذ النكبة، لذا، فهو يحظى بالاحترام الكبير والتقدير.
س2: هل يؤدي الإنتاج الأدبي والثقافي الفلسطيني إلى إشباع المعرفة في المجتمع الفلسطيني؟
لعل النخب الأدبية الفلسطينية، سواء القديمة منها، تلك التي أسست القاعدة الرئيسية، بل البوتقة التي انصهرت منها كل التيارات الفكرية الأدبية، أو الحديثة منها تعتبر من أكثر النخب التي عملت وتعمل على إشباع المعرفة، نظراً لما يتميز به الأدب الفلسطيني؛ ولأنه يتميز بلون وطعم النكبة والمأساة والمعاناة الفلسطينية، بل ويلبي الأدب الفلسطيني أحاسيس الشعب، فنرى الشعر والسيرة والقصة والرواية، حتى الحديث إذا خلا من الرصاص والصمود والثورة، والتعابير الحماسية لا يجد صدى لدى المتلقي، والمجتمع الفلسطيني خاصة ما زال يفرز نخباً عبر العصور نتجت عن المعرفة، وذلك انطلاقاً من مفهوم الثقافة التي هي محاولة لتقديم رؤية للعالم؛ ولتفسير كل ما هو مرتبط بالوجود بناء على المرجعيات الثقافية لخلق نوع من الانسجام بين الشخص وذاته.
س3: هل الثقافة مجموعة معلومات فقط؟ أم أن الثقافة موقف؟ وهل كلمة مثقف ما زالت تحمل نفس الدلالة التي كانت تنطوي عليها في الماضي؟ أم أن معطيات المرحلة والمتغيرات التي شهدها العصر في الحقب الأخيرة تفرض إعادة النظر في هذا المفهوم؟
الثقافة ليست مجموعة معلومات فقط، فالمعلومات يمكن الحصول عليها من مصادر عدة، و"جوجل" أكبر دليل على ذلك، فلو كانت الثقافة محصورة بالمعلومات لكان أكبر مثقف في العالم هو (جوجل)، فالإنسان ليس جهاز حاسوب فقط، بل هو مجموعة من الأحاسيس لا يستطيع بنك المعلومات أن يفسّرها.
والمثقف ليس فقد هو القارئ أو المستمع لوسائل الإعلام فقط، بل هو الذي يملك رصيداً معرفياً، ويرفد التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمجتمع، ولأن المجتمع في حالة تطور دائم بحثاً عن المعرفة، فالمثقف هو الذي ينتج الفكر بلغة مفهومة تصل إلى الجميع، ويطرح الأسئلة، ويعيد النظر في الكثير من القضايا من خلال قراءاته وممارسته العملية ذات الطبيعة الفكرية.
الثقافة إذن هي موقف ووعي، ومسؤولية، ويقول أحمد شوقي في ذلك:
قف دونَ رأيك في الحياةِ مجاهداً إن الحياة عقيدةٌ وجهادٌ
ولا بد من الإشارة إلى أن الفكر جزء من الإنسان، وإلا كان كالحمار يحمل أسفاراً، وإذا لم تكن الفكرة جزءاً من كينونة الإنسان يؤثر ويتأثر بها، تكون الثقافة حملاً على ظهر حمار!! فالثقافة يتم التعبير عنها بشكل مختلف، وعليه يتم التعاطي مع المعلومة بين الناس بشكل مختلف، صحيح أن المدخلات واحدة، لكن المخرجات غير متشابهة، فالجميع يتناولون الغذاء، ويقوم الجسم بعملية هضم هذا الغذاء، وهي عملية هدم بالأساس من خلال تحويل الغذاء إلى مكونات أساسية من فيتامينات، وأملاح، وألياف.. إلخ، ويعيد الجسم بنائها من جديد على شكل خلايا جديدة، وهكذا هي الثقافة.
س4: هل يمكن الحديث حالياً عن تهاون في أداء المثقف لوظيفته في البناء المجتمعي؟ أم أن الأمر يتعلق بمجرد فتور مؤقت في حماس المثقف بسبب إكراهات تنظيمية وعوائق مؤسساتية؟
لا أعتقد بإمكانية الحديث عن تهاون المثقف في أداء وظيفته في البناء المجتمعي، ذلك لأن المثقف يحمل أمانة في ضميره، أمانة ذات قيمة عالية، وهي توجيه عجلة الإصلاح بكل جوانبه، ويمارس التوعية المجتمعية نحو البناء والتطور، ومن هنا، فالمثقف قد يتعرض خلال عمله إلى فترة فتور في حماسه؛ بسبب ظروف المجتمع الداخلية والخلافات التي قد تنشأ بين الفصائل والمواقف، والإشكاليات أحياناً، لكن المثقف يخرج من هذه الإشكاليات بما لديه من رصيد معرفي وديناميكي، ويستثمر المعطيات لصالح البناء المجتمعي.
س5: هل تعتقد أن الفصائل الفلسطينية لم تدرك خطورة الثقافة؟ وما هي الصراعات التي تبرز بين الفينة والأخرى بين فاعلين ينتسبون إلى المشهد الثقافي؟ وهل هذه الصراعات ذات طبيعة فكرية؟ أم أن لها علاقة بالمصالح والتطلعات الشخصية؟
لا يمكن التعميم بعدم إدراك الفصائل الفلسطينية لأهمية دور الثقافة؛ بل هي تدرك تماماً ما ترنو إليه الثقافة في مفهومها الشمولي؛ وفي هذا السياق هناك العديد من الإشكاليات، ومنها: أن هذه الفصائل تستخدم "الثقافة" كواجهات عرض لها، تماماً كما تستخدم الأنشطة المختلفة: الرياضية، والاجتماعية والخيرية لأغراض التسويق لبرامجها الحزبية الضيقة الأخرى، لا للتغيير في البناء المجتمعي، وما يدعم هذا التوجه والممارسة هو أن لكل فصيل دائرته الثقافية الخاصة به، ويسوق لأيديولوجية الفصيل أو الحزب بعيداً عن الإجماع الوطني والهدف الإستراتيجي للثقافة الوطنية، وهناك جسمان ثقافيان في فلسطين تكوّنا بفعل الانقسام وهما: رابطة الكتاب والأدباء الفلسطينيين في قطاع غزة، واتحاد الكتّاب والأدباء الفلسطينيين الذي يمثّل كتّاب فلسطين في الداخل والخارج، ومعنى ذلك أن الانقسام أثّر في الثقافة التي من المفترض أنها توحّد ولا تفرق، ونتمنى أن تنصهر كل الأطر الثقافية في بوتقة الاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين، الذي عليه وضع دستور حقيقي لاتحاد جامع لألوان الطيف الفلسطيني كله، وأن يكون الهدف النهائي لنشاطاته خدمة القضية الفلسطينية، والحالة العامة للمجتمع الفلسطيني.
وهناك حقائق سلبية منها: أن الجامعات لا تلعب دوراً ثقافياً، ولا يوجد لها ميزانيات ثقافية. وأذكر أن وزير الثقافة عام 2017م أعلن أن ميزانية وزارة الثقافة لا تتجاوز "الثلاثة بالألف بالمائة" من حجم الموازنة العامة، وهذا يعني بوضوح أن الوزارة لا تلبي الاحتياجات الثقافية المنشودة، ومع ذلك تقوم وزارة الثقافة مثلاً بطباعة بعض الأجناس الأدبية تشجيعاً للمثقفين، ولكن عملها مصبوغ بالحزبية والمزاجية للأسف، وأيضاً ميزانية اتحاد الكتّاب ليس أحسن حالاً من ميزانية وزارة الثقافة.
س6: هل استطاع المثقف أن يلائم خطابه وإنتاجه الثقافي مع متطلبات العصر الرقمي؟ وما هي الآليات الكفيلة لتفعيل دور المثقف في مشاريع البناء المجتمعي؟
أقول بصراحة: إن الكاتب في عصرنا الحاضر، وهو يعيش في بيئات متباينة في الفكر والأيديولوجيا والإستراتيجية والأهداف، لا يستطيع الصمود في خطابه وإنتاجه الثقافي مع قناعاته التي تصطدم مع الواقع المعاش، لكن متطلبات العصر الرقمي قد تكون المنقذ للكاتب من الوقوع في حبائل الضغوط السياسية والأمنية للبيئة التي يعيشها؛ لأنه قد يتعرض للاعتقال والمحاسبة، ولغير ذلك من وسائل الضغط بتهم كثيرة أقلها معارضة سلطة الحكم القائمة، فحرية التعبير والرأي معترف بها نسبياً وليس مطلقاً، لذا، فإن الحل يكمن في أننا بحاجة لأن نثق بأنفسنا كمثقفين دون التقليل من قدرة الآخرين، ولا بد من تفعيل دور المثقف في مشاريع البناء المجتمعي، فمثلاً يعتبر اتحاد الكتّاب والأدباء الفلسطينيين المؤسسة التي يجب أن تلعب دوراً فاعلاً في رد الاعتبار للمثقف، وحماية حقوق المثقفين، إلا أننا نجد الهوة واسعة اليوم، ونلمس اختلافاً كبيراً بين الإطار النظري المرسوم والواقع الذي يعيشه الاتحاد، كما نرى ونعيش عدم الاهتمام الكافي من الأطر الثقافية الرسمية وغير الرسمية، كوزارة الثقافة، والجامعات، ودائرة الثقافة والإعلام بمنظمة التحرير الفلسطينية، ومؤسسات الإعلام والصحافة الأخرى، ما يشكل حواجز وعوائق في تطور فكر المثقف، ويحد من إبداعاته تحسباً لما قد يتعرض له جراء جرأته التي تسيء للآخرين من الانتهازيين.
وما دمنا نتحدث عن مؤسسات ثقافية حاملة لمشاريع كبرى مرتبطة بعملية نضالية انطلقت من رؤية شمولية لما يجب أن يكون عليه الأمر في فلسطين، فنحن عندما نتحدث عن اتحاد كتّاب نتحدث عن الروّاد الأوائل: أحمد عبد الرحمن، ومحمود درويش، ومعين بسيسو، وهارون هاشم رشيد، وأحمد دحبور، وغيرهم، لكن هذه المرحلة كانت لها حضورها، ولها ما لها، وعليها ما عليها، خاصة "الكوتة السياسية" التي كانت حاضرة بالأمس واليوم داخل مؤسساتنا الثقافية، لذلك من الصعب على أي شخص لا يكون حاملاً يافطة حزب معين أن يفرض نفسه على المنظومة الثقافية الرسمية. وإذا أردنا النهوض بالمشهد الثقافي يجب أن تنتهي هيمنة الفصائل على المنظومة الثقافية، وأن نرفع شعار الاستقلالية، فهناك جيل ثقافي جديد يطالب بالتغيير، وينظر إلى الذين قادوا المشهد الثقافي في مراحل سابقة بأنهم يتحملون المسؤولية الكاملة لما آلت إليه الأوضاع الثقافية اليوم. ويجب أن يتحمل المثقف دوره، وأن يتعالى على الذاتيات الشخصية، وأكبر من أن يبحث عن موقع وزير، والبقاء دائماً للأثر لا للبشر.
ولهذا، فإن رياح التغيير قادمة لا محالة في ظل التغييرات التي تجتاح العالم، وفي ظل التطور والتقدم ووسائل الاتصال المختلفة.
وبصراحة وعملياً تجد أن هناك جمعيات أهلية تعمل بدينامية أكثر من اتحاد الكتّاب، صحيح أن الاتحاد يقوم ببعض الأنشطة الثقافية، لكن ما أقصده هنا هو الفكر والتصور الثقافي، فالاتحاد لا يقوم بتصور مستقبلي لما ينبغي أن يكون، فهناك فرق بين النشاط الثقافي والمشروع الثقافي الذي أطالب به وعلى وجه السرعة؛ لأنه في رأيي الحاضنة الثقافية الإستراتيجية لنهضة ثقافية فلسطينية حضارية، وأعتقد أنه إذا ما استطعنا كمثقفين من إنجاز هذه الخطوة، فستكون الأولى في الوطن العربي.
س7: هل الوضع الثقافي في فلسطين جزء من الوضع الثقافي العربي؟ وهل ما تحققه الأمة العربية من نجاحات في مجال الثقافة هو نجاح لنا؟ وما تحققه من خيبات هو خيبات لنا؟ وهل هموم الثقافة هي هموم الوطن؟
الثقافة في أبرز تعريفاتها ومدلولاتها أنها هوية عالمية تنصهر في بوتقتها كل المكونات المجتمعية وفق التركيبة التنظيمية والهيكلية السياسية أو الاجتماعية لكل دولة أو إقليم أو جماعة، والوضع الثقافي في فلسطين لا شك أنه جزء من الوضع الثقافي العربي، ويكفينا فخراً أن الوضع الثقافي عندنا بخير نسبياً، وبفضل نخبة من الكتّاب المميزين استطاع المثقف الفلسطيني أن يقدم قاموساً ثقافياً ومعرفياً للمكتبة العربية، وأن يتبوأ مركز الصدارة في الكثير من المؤسسات والندوات الثقافية العربية، ومما لا شك فيه، فإن هذا الترابط والتداخل الثقافي الفلسطيني كانت نجاحاته هي رصيد إضافي كبير للوضع الثقافي العربي، والعكس صحيح، فهناك تكامل، لذا نرى أحياناً وحين تسيطر خيبة أمل مؤقتة على المشهد الثقافي في أي بلد عربي تهب المؤسسات الثقافية في فلسطين، وباقي أقطار الوطن العربي للتخلص من هذا الموقف بدعم مؤسسات تلك الدولة بكل ما يمكنها من إقالة عثرتها.
وهنا، دعني أؤكد وبقوة أن هموم الثقافة هي جزء مهم من هموم الوطن، فمتى كانت ثقافة بلد ما منتعشة، وتلبي احتياجات المجتمع الثقافية بما يجعلها قادرة على التفاعل مع آمال وآلام الجماهير ومعبرة عن تطلعاتهم وملبية خواطرهم كلما كان المناخ العام جيداً ومزدهراً.
س8: ما الفرق بين المثقف المتفاعل والمثقف الجامد؟
لبيان الفارق بين المثقف المتفاعل والجامد دعني أشير إلى ما يقوله الأديب الكبير/ "عباس محمود العقاد"، حيث يقول: "الفارق بين المثقف ابن عصره وبين الجامد على قديمه، فارق بين مَن ينظر بعينه وبين مَن يتخبط في الظلمة، فشرط الرجل المثقف في كل عصر أنه (ابن عصره)، وأن طابع عصره يلازمه في تفكيره وعمله كما يلازمه في نظرته إلى العالم من حوله، فلا يعيش في الزمن الحاضر بعقل الزمن الماضي، ولا يترجم الواقع والحقيقة بلغة الوهم والخرافة".
وأنهي هذا الحوار بتمنياتي للثقافة الفلسطينية والمثقف الفلسطيني المزيد من النجاحات لتحقيق الازدهار للحركة الثقافية الفلسطينية في ظل أطار اتحادي واحد يجمع كل ألوان الطيف الثقافي في الوطن تحت مظلة علم فلسطين الذي سيرفرف إن شاء الله على مساجد وكنائس القدس الشريف عاصمة دولتنا المستقلة.
