ورشة رقمية تناقش مستقبل السلطة في ضوء رؤية ترامب

رام الله - دنيا الوطن
ناقش عشرات السياسيين والأكاديميين والباحثين مستقبل السلطة الفلسطينية في ضوء رؤية ترامب، وتباينت الآراء إزاء السيناريوهات المحتملة والخيار الفلسطيني الأكثر جدوى لتعزيز القدرة الفلسطينية على إحباط مخاطر هذه الرؤية، وما تتضمنه من دعم سافر لمخططات الاستيطان والضم الجاري تنفيذها على الأرض، رغم الإجماع على أن الوضع القائم حاليًا، من حيث شكل السلطة ووظائفها، غير قابل للاستمرار.

ففي حين دعت معظم المداخلات إلى تغيير شكل السلطة ووظائفها في سياق التحلل من الاتفاقات الموقعة كما نصت قرارات المجلسين الوطني والمركزي، والفصل بينها وبين المنظمة، وإعادة الاعتبار للمنظمة بوصفها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، إلا أن مداخلات أخرى دعت إلى دراسة موضوع حل السلطة كخيار أجدى لاستعادة إطار الصراع مع المشروع الصهيوني الاستيطاني مع إعادة استنهاض دور المنظمة، في حين دعت مداخلات أخرى إلى تحويل السلطة إلى دولة تحت الاحتلال ليتحمل الاحتلال المسؤولية، وذلك بالاستفادة من العضوية المراقبة لدولة فلسطين، في حين أشار البعض إلى إنه لا يمكن نقاش السلطة بمعزل عن المشروع الوطني، إذ لم يكن من الصواب إنشاء سلطة تحت الاحتلال.

وظهر تناقض في الدعوات بين المشاركين بين من طالب بحل السلطة بالتوازي مع إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير لتحل محل السلطة لإدارة شؤون المواطنين، وبين من طالب بحلها في الضفة الغربية مع التعامل مع الوضع القائم في قطاع غزة كنواة للكينونة الفلسطينية واستمرار حالة الاشتباك في الضفة، في حين حذر المشاركون من انهيار السلطة دون إيجاد بديل لها في ظل مخاطر انتشار الفوضى، داعين إلى ضرورة الاستعداد لذلك من خلال تبني إسترايجية وطنية تتضمن إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة والشراكة وإعادة الاعتبار للمشروع الوطني ومنظمة التحرير، وذلك في ظل استعداد إسرائيل لكل سيناريوهات مستقبل السلطة، بما فيها إيجاد، أو تشجيع بروز، سلطة أو سلطات وكيلة للاحتلال.

جاء ذلك خلال ورشة رقميّة نظّمها المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية (مسارات)، لمناقشة ورقة أعدّها، خليل شاهين، مدير البرامج في المركز، حول مستقبل السلطة في ضوء رؤية ترامب، بمشاركة أكثر من 60 من السياسيين والأكاديميين والباحثين والنشطاء من التجمعات الفلسطينية المختلفة، وهذه الورشة هي السابعة والأخيرة من سلسلة الورش التحضيرية للمؤتمره السنوي التاسع لمركز مسارات "فلسطين ما بعد رؤية ترامب نتنياهو ... ما العمل"، الذي ستنطلق أعماله يوم غد السبت 22 آب.

وعقّب على الورقة كل من: د. باسم زبيدي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة بيرزيت، ود. محمد المدهون، رئيس أكاديمية الإدارة والسياسة للدراسات العليا في غزة، في حين أدارت الحوار المحامية فاطمة عاشور.

وقال شاهين هناك سيناريوهان رئيسيان لمستقبل السلطة قابلان للانفتاح على مسارات فرعية أكثر سوءًا وخطرًا، وهما: استمرار الوضع الراهن لفترة قادمة من الزمن، أي بقاء السلطة بتركيبتها الحالية، حتى وإن طرأ تعديل على وظائفها؛ وانهيار السلطة تحت وطأة مواجهة غير متكافئة مع دولة الاحتلال وضغوط سياسية واقتصادية واجتماعية متفاقمة.

وأشار إلى أن كلا من هذين السيناريوهين ينطوي على احتمالات لتطور مسارات/سيناريوهات فرعية، يقترب بعضها مما يعرف باسم "سيناريو الكارثة". 

فالرهان على استمرار الوضع الراهن يحتاج إلى توفر ظروف وعوامل تمد في عمره، في مقدمتها إزاحة رؤية ترامب عن الطاولة، وبخاصة في حالة فوز منافسه الديمقراطي جو بايدن في الانتخابات الأميركية، وإحياء إدارة البيت الأبيض الجديدة لعملية المفاوضات، موضحًا أن هذا الاحتمال يبقى ممكنًا في حالة عدم نشوء أوضاع قبل دخول بايدن البيت الأبيض تجعل إحياء التسوية التفاوضية صعبًا جدًا، وبخاصة تزايد عدد الدول العربية والإسلامية التي قد تلحق بركب دولة الإمارات في تطبيع علاقاتها رسميًا مع إسرائيل، وإقدام الأخيرة على تنفيذ عملية ضم واسعة تحظى بدعم ترامب قبل مغادرته البيت الأبيض في حالة خسارته الانتخابات.

وأوضح شاهين أنه في حالة فوز ترامب بولاية رئاسية ثانية، فإن الرهان على استمرار الوضع الراهن لفترة أطول سيقترب من نهايته، إذ سيشكل بقاء ترامب في منصبه تحّولًا دراماتيكيًا لجهة مبرر ومنطق وجود السلطة بشكلها ووظائفها الحالية، بما يفتح المجال أمام مسارات فرعية لهذا السيناريو، لا سيما أن مسار التطبيع الإقليمي سيشجع على المضي في تنفيذ رؤية ترامب، بما تنطوي عليه من مخططات ضم، والضغط لإجراء عملية تغيير قسرية لوظائف السلطة، أو تغيير قيادتها كشرط لبقائها كوكيل أو متعاقد من الباطن ضمن "إسرائيل الكبرى"، وهذا الاحتمال يعني أن السلطة ستكون أمام تحديات كبيرة مع تمسك القيادة الفلسطينية برفض رؤية ترامب ومخطط الضم، ما يفتح الطريق أمام سيناريو انهيار السلطة.

وبيّن شاهين أن سيناريو انهيار السلطة يختلف عن حل السلطة بقرار فلسطيني. ويمكن أن تترتب على انهيار مؤسسات السلطة المدنية والأمنية مسارات فرعية في خضم تصاعد المواجهة السياسية والميدانية مع الاحتلال، منها انتشار الفوضى، واستدعاء تدخل أطراف خارجية لضبط الوضع وإدارة شؤون الفلسطينيين في معازل الضفة، سواء بتدخل إسرائيلي مباشر لتنصيب سلطة/سلطات بديلة؛ أو بروز سلطات/مراكز محلية في الضفة بتشجيع إسرائيلي، تتحالف فيها العشائر والعائلات الكبيرة وأصحاب القوة والنفوذ السياسي والاقتصادي والمسلح؛ أو إحياء الإدارة الأردنية للمناطق الفلسطينية، وتحويل قطاع غزة إلى كيان منفصل. وهذا ما يمكن أن يطلق عليه "سيناريو الكارثة".

وأضاف: في ظل التطورات التي تجاوزت إطار أوسلو والتسوية التفاوضية، ومساعي الاحتلال لتحويل السلطة إلى وكيل له، باتت الحاجة أكبر لإعادة النظر في شكل السلطة ووظائفها وهيكليتها والتزاماتها وموازنتها. وهي عملية ينبغي أن تندرج في سياق إعادة تشكيل التوجه الإستراتيجي الفلسطيني على أساس إعادة بناء نموذج التحرر الفلسطيني في مواجهة النموذج الاستعماري الاستيطاني الذي يسعى لتكريس ارتباط مصالح فئات ومجموعات داخل السلطة وخارجها باستمرار بقائه. وهو ما يتطلب التركيز على بناء تيار وطني واسع عابر للأحزاب والجعرافيا باعتباره الحامل الوطني لعملية تعيير المسار الإستراتيجي وأدواته السياسية والكفاحية.