لقاء طاولة مستديرة في "ماس" حول قطاع الصحة الفلسطيني

رام الله - دنيا الوطن
عقد معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس) اليوم الثلاثاء 28 تموز 2020 لقاء طاولة مستديرة (الخامس لعام 2020) بعنوان "قطاع الصحة الفلسطيني: البنية التحتية والانفاق على ضوء التحديات الجديدة"، وذلك ضمن ترتيبات خاصة تراعي اجراءات وزارة الصحة الفلسطينية للوقاية من فيروس كورونا بشأن ضمان السلامة والصحة العامة.

قدمت الورقة الخلفية للجلسة الباحثة في ماس وفاء البيطاوي، وأدارها السيد رجا الخالدي، المدير العام للمعهد. كما قدم المداخلات الرئيسية كل من الدكتورة مي كيلة وزيرة الصحة، والدكتور سالم أبو خيزران رئيس مجلس الإدارة في المستشفى الاستشاري العربي، والدكتور شوقي صبحة نقيب أطباء فلسطين والدكتور عبد اللطيف الحسيني مدير معهد الصحة العامة والمجتمعية في جامعة بيرزيت. وتم عقد هذا اللقاء بدعم من مؤسسة فلسطين للتنمية وقد شارك في اللقاء سواء في القاعة أو عبر تقنيات المشاركة عن بعد، مدعوون من القطاعين العام والخاص وذوي الاختصاص.

افتتح الجلسة السيد رجا الخالدي، المدير العام للمعهد، بكلمة تطرق فيها إلى خلفية سلسلة لقاءات الطاولة المستديرة وأهميتها في مناقشة القضايا الاقتصادية والاجتماعية الهامة وذات الأولوية لصانع القرار الفلسطيني.

ونوه الخالدي الى بعض الدروس أولية التي استقاها الاقتصاديين من التجربة الأخيرة، منها:

-          أهمية قطاع الصحة في التنمية الاقتصادية

-          أهمية التأمين الصحي والضمان الاجتماعي كحقوق لجميع الشعوب

-          أهمية العلم، وضرورة التحاور بين علماء الاقتصاد والصحة والسياسيين.

-          أهمية دور الحكومة المركزي في توفير التمويل والتخطيط وتقديم الخدمات الصحية، مع التأكيد على أن الصحة العامة بمثابة سلعة عامة، ما يفترض اشكال جديدة من الاستثمار والشراكة مع القطاع الخاص

-          أهمية المحليات والاقليميات في انجاح الجهود المركزية، من محافظات الى بلديات ومجالس قروية، ولجان محلية أهلية وفصائلية وغيرها.

-          متانة النظام الصحي الخدمي الفلسطيني الطارئ، المكتسب منذ تجارب الثورة الفلسطينية في الأردن و في لبنان، واللجان الصحية الجماهيرية في الانتفاضة الأولى، واليوم في النظام الصحي الرسمي والخاص القائم

وبين الخالدي أن موضوع الجلسة اليوم يتعلق بقدرة النظام الصحي (في بنيته التحتية المادية والبشرية وفي الانفاق على خدماته) على مواجهة التحديات الصحية العامة الجديدة، المعروفة وغير المعروفة، من خلال الوثيقة المرجعية التي اعدت قبل الأزمة بفترة قصيرة، وتقدم تحليلاً اقتصادياً كلياً للقطاع الصحي، وبالتالي توفر مادة معلوماتية واحصائية وتقييماً أولياً للموضوع قيد المناقشة اليوم للخروج برؤية أوضح ومقترحات سياساتية قابلة للتنفيذ، تقدم للجهات الرسمية المعنية.

استعرضت الباحثة مؤشرات الانفاق الصحي في فلسطين، والمشاكل في توزيع موازنة الانفاق الصحي، والاختلالات في مصادر الايرادات. حيث بلغ مجموع النفقات الخاصة بالقطاع الصحي لعام 2018 ما مقداره1,593.6  مليون دولار، تمثل النفقات الجارية غالبيتها (1,571.7 مليون دولار)، فيما تنخفض حصة التكوين الرأسمالي الاجمالي في القطاع الصحي إلى 21.9 مليون دولار لنفس العام. أما فيما يتعلق بالإنفاق على القطاع الصحي في موازنة وزارة الصحة الفلسطينية، فقد بلغت موازنة وزارة الصحة الفلسطينية للعام 2018 حوالي 1.77 مليار شيكل، حيث شكلت حوالي 11% من موازنة السلطة الفلسطينية. واستحوذت التحويلات الطبية على نسبة 56% من الانفاق في موازنة وزارة الصحة لسنة 2018، مرتفعة عن 42% في  (وهي السنوات التي كانت متوفرة لها بيانات عند اعداد الدراسة المرجعية لهذا اللقاء).

كما استعرضت الباحثة التحديات المرتبطة بالتحويلات الطبية حيث أدى ارتفاع تكلفة التحويلات الطبية الى اثقال كاهل ميزانية وزارة الصحة على نحو كبير2015، مع العلم انها انخفضت عام 2019 نتيجة السياسة الحكومية في تقليل التبعية للاقتصاد الإسرائيلي. تتفاقم تكلفة التحويلات بالتظافر مع وجود عوامل أخرى بما فيها نقص الأدوية واللوازم الطبية الأساسية لدى المستشفيات الحكومية، إذ يلعب ذلك دوراً في زيادة كلفة واعداد هذه التحويلات، بالإضافة الى ضعف اساليب وتطبيقات الرقابة المالية والطبية، نظرا الى الكم الهائل من الملفات التي تحتاج الى تقييم ومراجعة ورقابة مالية وطبية. لذا فان الضعف في وجود وحدة خاصة وطواقم لإدارة هذه العملية يسهم في ضياع فرص ثمينة للتوفير وضبط التكلفة.

من جانبها استعرضت وزيرة الصحة الدكتورة مي الكيلة الإجراءات العديدة التي اتخذتها وزارة الصحة منذ العام 2018 بناء على القرار بوقف التحويلات الطبية إلى المستشفيات الإسرائيلية، والبحث عن مستشفيات بديلة في الأردن ومصر، والتي بمقدورها تقديم الخدمات الطبية التي تعجز المستشفيات الفلسطينية -ضمن قدراتها الحالية- على توفيرها مثل بعض حالات الأورام السرطانية، وحالات زراعة النخاع. لكن لا يزال العمل جاري ضمن هذه الإجراءات على مبدأ توطين الخدمة، أي بمعنى توفيرها محلياً سواء من قبل المستشفيات الحكومية أو الخاصة أو الأهلية وبجودة مرتفعة. وعليه تشكلت لجنة وطنية تضم كافة الشركاء لتحديد الخدمات التي يمكن توفيرها محلياً، وتحديد الاحتياجات. وبينت الوزيرة أن التحويلات عام 2019 انخفضت بنسبة تزيد عن 10% مقارنة مع عام 2018، وارتفعت فاتورة المستشفيات الوطنية على حساب فاتورة المستشفيات الإسرائيلية. كذلك، وضمن جهود الوزارة لتأمين العلاج محلياً، بالأخص بعد دخول جائحة كوفيد-19 إلى الأراضي الفلسطينية وصعوبة السفر، قامت الوزارة بتوقيع اتفاقية مع أحد المراكز في غزة لتوفير العلاج الكيميائي لمرضى السرطان من القطاع. وبينت الوزيرة أن من ضمن الاحتياجات التي تسعى الوزارة لتوفيرها، رفع عدد الأسرة التخصصية بالأخص حاضنات الأطفال، وأسرة العناية المكثفة، وأجهزة التنفس الاصطناعي.

كذلك أشارت الوزيرة الى ان الوزارة عملت على زيادة التعيينات للكادر الطبي لإدراكهم الحاجة لأعداد أكبر من الكوادر الطبية في ظل هذه الجائحة لكن شح الموازنات لا يزال عائقاً. حيث يلقي الوضع الاقتصادي الصعب وتراجع المساعدات وتقليص التمويل ضمن الأجندات السياسية للمانحين وما يتبعها من مؤسسات مالية بظلاله على قدرات وإمكانيات وزارة الصحة. وفيما يتعلق بجائحة كوفيد-19، تم تشكيل لجنة خاصة لوضع السياسات العامة لمواجهة انتشار الوباء في فلسطين، وتشكيل اللجنة الوبائية الوطنية والتي تضم جامعات تدرس تخصص الوبائيات، وخبراء وأطباء متخصصين في هذا المجال. وقد اختلفت سياسات الوزارة المتبعة لمواجهة الوباء خلال الموجتين بناء على تقييم الوضع، حيث فتحت المستشفيات كافة لاستقبال مصابي كورونا وعلاجهم خلال الموجة الثانية من انتشار الوباء نظرا لحجم الانتشار الواسع، وتم العمل على زيادة التثقيف المجتمعي بمخاطر الوباء.

وفي مداخلته، ذكر الدكتور سالم أبو الخيزران أن النقص الأساسي في الخدمات الطبية في فلسطين يكمن في تقديم الخدمات الطبية الثانوية، والثالثية فقط، أما الرعاية الأولية فهي تعد جيدة ومن الأفضل مقارنة مع دول المنطقة. وبرأيه يعود هذا النقص إلى عاملين أساسيين، أولا، الحاجة لطواقم ذات كفاءة، ثانياً ضعف الإنفاق على القطاع الصحي. فمعدل نصيب الفرد الفلسطيني من موازنة الصحة لا يتجاوز 100$، بينما يبلغ نصيب الفرد في مصر 106$، والأردن 360$ من موازنة الصحة مما يشير إلى تدني كبير في الإنفاق على القطاع الصحي. كما أن 48% من موازنة قطاع الصحة تصرف كرواتب للعاملين في القطاع الصحي، ولا يتجاوز حجم الإنفاق على توفير الأدوية والمستلزمات الطبية 18%، و9 % فقط تصرف كنفقات تطويرية وتشغيلية. وبالتالي حسب الموازنة الحالية فالقطاع الحكومي غير قادر مالياً على تطوير القطاع الصحي وحده، فتخصيص مبالغ ضئيلة للتطوير وتوفير الأدوية يعني عدم توفر بيئة وبنية تحتية يمكن للكوادر الطبية العمل فيها، بل إن توظيف أطباء ذوي كفاءة دون توفير مستلزمات العمل سيكون عبء إضافي، وقد تطورت هذه الأزمة لتشمل القطاع الخاص والأهلي في ظل عدم قدرة الحكومة على سداد المستحقات المترتبة عليها لهذان القطاعان. وعليه، أكد الدكتور الخيزران على ضرورة وجود دراسات مفصلة لاحتياجات القطاع الصحي الفلسطيني في كل مدينة والاستغلال الأمثل للموارد المحدودة على مستوى القطاع ككل وليس على مستوى وزارة الصحة وحدها.

فيما أفاد الدكتور شوقي صبحة، إلى أن زيادة التحويلات الطبية يُعزى الى عدم توفر أجهزة طبية او القطع اللازمة لتشغيل هذه الاجهزة على الرغم من قلة ثمنها، بالإضافة الى شح الكادر الطبي المتخصص في تخصصات دقيقة، كما بين توصيات لجنة توطين الخدمة والتي يتمثل أبرزها في دراسة خارطة مقدمي الخدمات الطبية وتحديد سلة الخدمات الأساسية، وتطوير البنية التحتية الممكنة لعملية توطين الخدمة من خلال استقطاب الكفاءات وتنمية قدرات الطواقم الطبية القائمة. بالإضافة الى تنظيم عمل الأطباء وخلق نظام حوافز جاذب للاختصاصات الطبية خاصة النادرة منها.  وبين د. صبحة الى أن الاستثمار في تدريب وتطوير الكادر الطبي يساوي بالأهمية الاستثمار في الاجهزة الطبية، فهناك نقص كبير في الكادر المتخصص في التخصصات الفرعية والنادرة. لذلك لا بد من تكثيف الجهود والتعاون بين القطاعات العام والخاص والاهلي لتدريب الكوادر الصحية الوطنية. وأشاد كذلك بأفراد "الجيش الأبيض" الفلسطيني الذي عمل وما زال دون كلل وبمهنية وفناء، على إدارة هذه الأزمة الصحية وعلى توفير الرعاية الصحية لجميع افراد الشعب الفلسطيني دون تمييز أو استثناء.

فيما أشار الدكتور عبد اللطيف الحسيني في مداخلته الى ان دور وزارة الصحة الفلسطينية يجب ان يتجاوز تقديم الخدمات الصحية الى تنظيم القطاع الصحي ورفع كفاءته. كما وضح اهمية توفير رزم تأمين صحي مختلفة، وضرورة الاهتمام بالتوعية الصحية منذ البداية للتقليل من كثافة الامراض التي تتطلب رعاية صحية ثالثية وتحويل الى المستشفيات. كما أوصى بأن يتم دراسة قطاع الصحة مستقبلاً من منظور "منظوماتي" يتناول كل جوانبه الوظيفية من الحوكمة والتمويل والخدمات والبحث والتكنلوجية، ما يسهل الوصول الى مفهوم متطور من "التوطين".   

فيما تمحورت مداخلات المشاركين حول عدة نقاط، يتمثل أبرزها فيما ذكره د. ممدوح العكر حول اهمية النظر إلى جميع مكونات القطاع الصحي الفلسطيني كمكونات محلية لنظام واحد، فنحن بحاجة لإدارة تكاملية لهذا القطاع. وعليه، على القطاع الخاص أن يلعب دوراً وطنيا لحماية القطاع الصحي ودعم جهود وزارة الصحة في سبيل توفير الخدمات الطبية وطنياً للجميع وبجودة مرتفعة. كما أشار إلى الحاجة لتطوير نظام التأمين الصحي باتجاه التامين الصحي الشامل، ومن ضمن ما أشار إليه كأولوية يجدر الاهتمام بها في سبيل توفير الخدمات الطبية وطنياً، تدريب الطواقم الطبية، وأكد على دور مستشفى المقاصد كمركز تدريبي لحوالي 100 تخصص ويخرج أفضل الكفاءات الطبية يجب الاهتمام بصموده. فيما أكد السيد محمد مسروجي، على ضرورة وجود نظام للتحويلات الطبية يضمن العدالة ويعمل ضمن معايير شفافة. وضمن الحديث عن العلاقة التكاملية بين مختلف مكونات القطاع الصحي الفلسطيني، أكد على أن مصانع الأدوية المحلية مؤهلة لصناعة جميع أنواع الأدوية، لكن لا بد أن تضمن شراء هذه الأدوية من قبل وزارة الصحة الفلسطينية من منطلق التضامن والاعتماد على النفس.

فيما أوصى العديد من الحضور الى ضرورة تبني تعليمات أو قوانين رسمية خاصة بالتحويلات الطبية لتنظيم موضوع التحويلات وفق معايير وأسس محددة ومدروسة، لا ان تتم بشكل عشوائي وغير مدروس بالشكل الذي يفاقم تكلفتها ويقلل من حجم الاستفادة منها. وأكد د. رفيق الحسيني وعدد من الحضور على أهمية دعم المستشفيات المحلية بالشكل الذي يساهم في الاستغناء عن التحويلات الطبية او تقليلها الى حدها الأدنى، وهنا لا بد من إعادة الاعتبار الى دور مستشفيات القدس في معادلة الرعاية الصحية الوطنية خاصة كونها الركيزة الحيوية للقطاع الصحي الفلسطيني في عاصمة دولة فلسطين.