للاحتلال وجه واحد، ما قبل وما بعد الــ"كورونا"

للاحتلال وجه واحد، ما قبل وما بعد الــ"كورونا"
للاحتلال وجه واحد، ما قبل وما بعد الــ"كورونا"

ريما كتانة نزال

لمستُ ميلاً لدى البعض اعتبار أننا والاحتلال في قارب نجاة واحد بما يولد بعض الارتياح لديهم، بشأن مد الاحتلال للتعاون في المعركة المشتركة ضد الوباء، في نهاية المطاف.

موضوعياً، نحن وهم في قارب واحد بشكل قسري على الصعيد الجغرافي، حيث صنع الاحتلال واقعا على الأرض من خلال مصادرة الأراضي والاستيطان والطرق الالتفافية تمخَّض عن أشكال من التداخل لا انفكاك منه.

وفاقم الحالة، استمرار عمليات الاجتياح ومداهمة المنازل وعمليات الاعتقالات المتدحرجة بين المناطق مصطحبة مع القنابل والرصاص العدوى، حيث عدد الاصابات في صفوف جيش الاحتلال تتوسع.

عدا الواقع المرّ وقدر العمال الفلسطينيين في العمل الأسود في المنشآت الاسرئيلية بسبب شحّ البدائل التشغيلية. ناهيكم عن خصوصية القدس التي تشهد نموذجاً صارخاً من العنصرية عبر سياسات التهويد التطهير العرقي، وكذلك المناطق المسماة (أ ب ج) والأطماع الاسرائيلية المتجسدة عبر الاستيطان وعمليات الضم المتواصلة..!

الانطباع العام ليس سطحياً يمكن المرور عليه كعابر سبيل، بل يعبر عن قناعة وتكيُّف مع احتلال طال أمده ويأس من انتهائه.

وأن لا غِنى عن مساعدته في تجاوز الجائحة، بما يُرَتّب ويفرض تعاملاً ومستوى آخر من التفكير والمعالجة، ويلزم علينا الاقتراب من القارب الافتراضي في ضوء رواج مقولة إن "العالم قبل الكورونا غيره ما بعدها".

إنها الجملة الأكثر تداولاً وعلى نطاق واسع عالمياً، في أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وعلى صعيد التحالفات الدولية والعلاقات بين الدول.

أما على الصعيد الفلسطيني فهي بحاجة إلى فحص أكثر عمقاً في اللحظة الراهنة مقارنة بممارسات الاحتلال في ظل تفشي الوباء، بما يكشف النقاب عن أن القارب الافتراضي مثقوب يُغرق الجميع بالعنصرية بسبب عمى الاحتلال وعجزه عن رؤية حقوق شعبنا المشروعة والتاريخية.

لقد جاء الـ"كورونا" ليكشف الوجه العنصري البشع لدولة الاحتلال. ففي الوقت الذي ينشغل العالم بالحرب على الوباء والعلاج منه وإيجاد المصل اللازم للقضاء عليه، تجد دولة اسرائيل ومعها المستوطنون في الوباء الفرصة المنشودة والوضع المواتي للاستمرار في الأنشطة الاستيطانية وفي استمرار هدم البيوت وتشريد سكانها والتضييق على المواطنين في المناطق المستهدفة بالضم، وممارسة تطهير عرقي صامت في المناطق، وممارسات عديدة تؤكد أنهم معنيون في انتشار الوباء وتوسيع الاصابات. لسنا معاً في القارب "الكوروني".

السؤال الذي يطرح نفسه دون تأخير: حول فيما إذا كان التغيير سيطال طبيعة العلاقة بين قوة الاحتلال وبين الشعب تحت الاحتلال؟ خاصة أنه متطلبُ مؤجل بات مطلوبا طي صفحة التردد بشكل قاطع..

يبدو أمر تغيير طبيعة الاحتلال شبيها بنبوءة خرافية، عدا أنْ لا شيء يتحقق من تلقاء نفسه. التشخيص واضح تماما قبل وبعد الـ"كورونا".

حالة التناقض مع الاحتلال تشهد احتداماً تصاعدياً مع استمرار ونجاح المشروع الصهيوني في فرض هيمنته وسيطرته على الأرض والمجتمع.

يملي التمَعُّن في الحالة الفلسطينية وتطوير برنامجنا وطبيعة نضالاتنا بما يتناسب مع التغيرات الحاصلة وخاصة بإعلان وتطبيق صفقة القرن ووضوح طبيعة الحل التصفوي المعروض الذي عمل الاحتلال للوصول إليه على أرض الواقع، وأتى الـ"كورونا" ليؤكد أن عملية التغيير المطلوبة يجب أن تبدأ من عندنا، أولا وأخيراً.

بداية، علينا أن نصحو من الحلم الذي نعيشه والذي بنى أوهاماً ثابتة ورهانات خاطئة، أعاقت الخروج من المأزق. إزاحة الوَهْم عن أن لدينا دولة حتى لو ألحقناها بوصفها الدولي، دولة تحت الاحتلال، بما مكّن دولة الاحتلال من رفع يدها عن مسؤولياتها المناطة بها بموجب القانون الدولي تجاه الشعب المُحْتَل، تجاه وقف التزاماتها في تقديم الخدمات الصحية والاجتماعية والتعليمية.

علينا أيضا، تغيير وظائف السلطة التي حولها "أوسلو" إلى كيان وظيفي يقدم الخدمات دون سيطرة على الأرض والموارد، بما أظهرها أمام شعبها كسلطة مقصِّرة بواجباتها، ولا تفي بالتزاماتها تجاههم..

علينا، حل التناقض بين حصولنا على شكل نظام سياسي لديه أبهة الدولة ومصطلحاتها، وزارات ومؤسسات وبنوكا وسلطة نقد.. مسحوبة منها الصلاحيات الجوهرية والفعلية، وتستمر القيادات السياسية في ترديد جملة توصف واقع الحال بدقة، أننا "سلطة بلا سلطة" و"احتلال بلا كلفة"..! دون أن تُقْدِم على تغيير قواعد اللعبة لتظهر الأوضاع أمام العالم على حقيقتها الواضحة. للحقيقة كان العالم مهتما بوضعية الشعب تحت الاحتلال المباشر وانتهاكاته ومسؤولياته وتدخلاته أكثر قبل إنشاء السلطة..

نقطة التغيير في ملعبنا. ما قبل الـ"كورونا" سيستمر ما بعده، إلقاء الأوهام من على كواهلنا. اسرائيل تقبض على خناقنا وحيواتنا قبل الوباء وبعده.

التعليقات