عاجل

  • الصحة: 3 آلاف عينية (كورونا) قيد الفحص من مختلف المحافظات الفلسطينية

  • الصحة: تسجيل 3 حالات تعافٍ في محافظة نابلس لمرضى مصابين بفيروس (كورونا)

  • الخارجية: وفاة الفلسطينية هدى عدس (81) عاماً بفيروس (كورونا) بالسعودية

صفقة القرن.. متى ينتهي الضجيج ويبدأ العمل؟

صفقة القرن.. متى ينتهي الضجيج ويبدأ العمل؟
صفقة القرن.. متى ينتهي الضجيج ويبدأ العمل؟

بقلم د. وليد القططي

كثيراً ما تُعبّر الفنون الدرامية عن الواقع لا سيما الدراما الساخرة في المسرح والسينما، ومن هذه الدراما السينمائية الكوميدية فيلم (الحدود) للأديب المبدع محمد الماغوط، إخراج وبطولة الفنان الكبير دريد لحام، قصة الفيلم تدور حول سائق مسافر بين بلدين عربيين اسمه (عبد الودود)، ضاعت أوراقه الثبوتية وجواز سفره في منطقة مُحايدة على حدود البلدين، فلم يستطع العودة لبلده أو دخول البلد المُسافر إليه، فاتخذ بيتاً مؤقتاً على الحدود بين البلدين حتى تنتهي مشكلته، فطال عليه المقام على الحدود، وتحوّلت مشكلته إلى قضية رأي عام حرّكت الإعلام، فبادرت إحدى الصحفيات الوطنيات لتنظيم مهرجان خطابي للتضامن مع قضيته العادلة أملاً في حل مشكلته على يد المسؤولين السياسيين، فدعتهم إلى المشاركة في المهرجان. والمشهد الأخير من الفيلم يصوّر المهرجان الخطابي الذي ألقى فيه المسؤولون السياسيون خُطباً رنانة تضامناً مع قضيته العادلة، وانهالوا شتماً على الحدود وصانعيها من الاستعمار وأعوانه، ورفعوا شعارات برّاقة مؤيدة لحق عبد الودود في عبور الحدود، منها شعار (لن نعبر الحدود حتى يعبرها عبد الودود)، ولكن المهرجان انتهى والمولد انفض وعاد الخطباء والمؤتمرون من حيث أتوا، وعبروا الحدود وتركوا عبد الودود، وذهب ضجيج المهرجان أدراج الرياح، وبقيت قضية عبد الودود لم تزحزحها عن مكانها كل رياح الخطب العصماء. 

المشهد الأخير من فيلم الحدود يسخر من طريقة تعامل السياسيين العرب في الدول العربية من قضايا أمتهم وشعوبهم بطريقة الفهلوة الكلامية والإثارة الخطابية والمعالجة الصوتية، دون محاولة لتخطي الضجيج وتجاوز العجيج لمواجهة المشكلة الحقيقية ومجابهة المُعضلة الفعلية، أو دون جهد للبدء بالخطوة الأولى الفعلية في مشوار الألف ميل. وربما هذه الظاهرة هي التي ذكرها المفكر السعودي عبدالله القصيمي في كتابه (العرب ظاهرة صوتية) عندما انتقد ميل العرب لاستخدام براعتهم اللغوية في حل مشاكلهم- أو إيهام أنفسهم بحلها- بدل العمل الحقيقي لحلها، وعندما سخر من اعتقادهم – متوهمين-  بأنهم قد فعلوا الشيء لأنهم فقط قد تحدثوا عنه، وأن يظلوا يفعلون بالقول ما يجب أن يفعلوه بالعمل. وهذا الوصف لا ينسحب على العرب في أزمنة الانتصار والازدهار، وإن كان ينطبق عليهم في أزمنة الانكسار والانحدار واستحكام العار، بعدما توّلى العرب عن رسالتهم الحضارية للبشرية، فاستبدلهم الله تعالى- وفق سُنّة الاستبدال- بغيرهم وليسوا بأمثالهم. وبعدما هُزم جُمعهم نفسياً أمام عدوهم فولّوْا الأدبار، ولم يعودوا من الأبرار، فلجأوا لا شعورياً إلى آلية التعويض النفسي لتغطية نقصهم وضعفهم في ميادين النصر والعمل والانجاز، بما فتح اللهُ عليهم من براعة اللسان وقوة البيان؛ لإبعاد الذات الفردية والجمعية عن الإحساس بالنقص والشعور بالضعف. 

مشهد فيلم الحدود الأخير للمهرجان الخطابي، ووصف العرب بالظاهرة الصوتية لعبدالله القصيمي، اختصره العرب في تراثهم الشعبي بالمثل المعروف (أوسعتهم شتماً وساروا بالإبل) الذي يُلّخص قصة الأعرابي الذي ترك اللصوص يسرقون الإبل واكتفى بشتمهم وسبهم فضحك عليه قومه وذهب مثلاً يُضرب لمن ليس عنده إلاّ الكلام دون القيام بالفعل المطلوب. ولكن هذا التصرف ليس قدراً محتوماً وقضاءً مفروضاً، فهناك فرصة أمامنا كي لا نكرر المشهد الأخير من فيلم الحدود في مواجهتنا لصفقة القرن، وكي لا ينطبق علينا وصف الظاهرة الصوتية للقصيمي، وكي لا نحذو حذو الأعرابي صاحب قصة مثل الشتم، وكي لا يتحول كلامنا في الصفقة مجرد كلام ما بين الخطابة والكتابة، فلا يتبعه عمل، أو يلازمه فعل، ولا يسبقه تخطيط أو يلحقه خارطة طريق, فإن كنا كذلك فإن كلامنا في السياسة سيكون مُملاً ومُضجراً؛ بل قد يكون مُدمراً ومُهلكاً إذا صاحبه نوعٌ من خداع الذات وتضليل النفس، وهذا يحدث إذا ما اعتقدنا أن الصراخ يُغني عن العمل، وأن الصياح يسد مقام الفعل، وإذا ما استبدلنا التخطيط بالخطابة، واستغنينا عن وضع خارطة طريق بالكتابة، فتكون كالذين استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، فهبطنا إلى دائرة مفرغة وحلقة لا نهاية لها من ردات الفعل وليس الفعل نفسه فيها شيء من الأوهام والأحلام ونقص من الأفعال والأعمال والانجازات. 

في الختام من أجل أن لا ينتهي هذا الضجيج دون عمل وطني فعلي لمواجهة صفقة القرن، وحتى لا يتوقف ذلك العجيج عند ردات الفعل الكلامية، وكي لا ينضم هذا المقال إلى رُكام الضجيج وأكوام العجيج، من المُفيد أن نترجّل عن صهوة حصان الخطابة، وننزل من فوق بُرج الكتابة، إلى ميدان التخطيط والعمل وساحة التصميم والفعل، فنحوّل الخطابة إلى برنامج عمل وطني، ونتبع الكتابة بخارطة طريق وطنية، ونلحق المهرجانات والمسيرات وكل الفعاليات السياسية والإعلامية والشعبية بمشروع وطني يبدأ بالوحدة الوطنية وينتهي بالتحرير والعودة والاستقلال. ولنبدأ بما يُمكن عمله وقد خطونا الخطوة الأولى بالإجماع الوطني على رفض صفقة القرن فتظل بدون شرعية وغطاء من أي طرف فلسطيني، وهذا وحده لا يكفي فلا بد من تحويل الرفض الوطني إلى برنامج عمل يوّحد الشعب نحو هدف إسقاط الصفقة، ثم تجاوز ذلك والتقدم نحو الهدف الوطني الأكبر المتمثل في التحرير والعودة والاستقلال، وهذا يتطلب إجراء حوار وطني جاد وعاجل لإعادة الاعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني على أساس التمسك بالحقوق الوطنية الثانية، وتحديد طبيعة المرحلة الحالية كمرحلة تحرر وطني تقتضي اتباع نهج المقاومة الشاملة، وإعادة بناء المنظمة كمرجعية وطنية تضم الكل الفلسطيني وتقود المشروع الوطني، وتغيير وظيفة السلطة الفلسطينية لتكون ركيزة لصمود الشعب في وطنه ورافداً للمشروع الوطني، وإطلاق مشروع مقاومة شاملة لسحب مكاسب الاحتلال بعد أوسلو ولرفع كلفته وتعميق مأزقه.

التعليقات