6 عمليات جراحية وعاهة مستديمة لم تشفع لضحى من نظرات أهلها
رام الله - دنيا الوطن
محمد الأسود
الساعة الثالثة عصراً ، تجتمع العائلة بعد خروج ضحى من المشفى الذي مكثت فيه شهر ونصف الشهر، وأجرت خلال تلك المدة 6 عمليات جراحية لإنقاذ قدمها ، يقرر الأخ الأكبر أخيراً الحديث مع ضحى لمعرفة من هو الشاب صاحب الصورة التي وجدها على خلفية الهاتف الغريب في المنزل، فيقوم بتشغيله ليجد رسالة من أحد الأرقام محتواها "أرجوك اتصل بي" ، وبعد التحقق من الأمر يتفاجئ حينها بمعرفة أن صاحب الهاتف طالبة جامعية فقدت هاتفها وهو هدية من أخاها الشهيد الذي تغطي صورته خلفية الهاتف.
ينظر الأخ الأكبر لضحى بنظرة ندم ، لم تكن أقل حزن من دموعها المنهارة وهو يصب عليها غضبه حينما وجد ذلك الهاتف بجوار وسادة أخته الغارقة في نومها بعد يوم متعب من العمل والدراسة ، فهو لم يرحمها حين توسلت إليه ليعطيها فرصة ليعرف ما هو السبب ، حتى فقدت الوعي نتيجة ضربه المبرح بالعصا على قدمها ورأسها ، ولم يقبل بأن تذهب إلى المشفى إلا بعد ساعات عدة من نزيف الآلم الذي منعها من أن تمشي على قدمها لسنة مقبلة.
ضحى ليست الوحيدة التي تتعرض للعنف الأسري في مجتمعنا، هي واحدة من أصل المئات التي تتعنف من ذويها ، و بحسب بيت الآمان التابع لوزارة التنمية الاجتماعية هناك حوالي 200 امرأة تعرضن للتعنيف من أهاليهم ولجأن لهذه المؤسسة الحكومية للحماية في النصف الأول من العام الجاري -2019-.
بداية الحكاية
قبل حوالي ثلاثين عاماً كانت ليلة عاصفة تعانقت فيها السحب، وأشبعت المخيم غرقاً ، فجداول المياه بين الطرقات منعت وصول سيارة الإسعاف لنقل أم ضحى الثلاثينية إلى المشفى لولادتها، لم تصمد أم ضحى كثيراً حين وضعتها على سرير نومها طفلة نحيفة، لم يتم استخدام أدوات معقمة أو ربما كانت مشيئة القدر ؛ فيبدأ النزيف ويشتد المطر، ومع بزوغ الفجر تنتقل أم ضحى إلى رحمة ربها تاركة خلفها طفلتها أمانة في أعناق العائلة ليهتموا بها ويحسنوا تربيتها.
تبذل ضحى قصارى جهدها لتخفي دمعتها عند الحديث عن طفولتها وحياتها المدرسية ، حينها لم تستطع أن تخفي بؤسها وتردف حديثها: " حين بدأت أدرك ماهية الحياة ، وجدت نفسي المتفوقة الوحيدة في العائلة ، لكني لم أحظى للحظة مع أهلي بفرحة النجاح، كادت أن تقتلني نظرات أشقائي و زوجة أبي حين أُحضر شهادة التفوق، حتى بلغت الثانوية العامة ، ظننتهم سيفرحون لأجلي كباقي الأهالي لكني كنت. مخطئة حيال ذلك"
زواج بائس
كالعادة لم تدم فرحة نجاح ضحى كثيراً ، بالرغم من تفوقها مُنعت من التعليم الجامعي بدعوى عبء التكاليف، وأجبرها والدها على الزواج قسراً من ابن عمها المدمن على المخدرات لعدم رغبته وأشقائها برؤيتها في البيت، زاعماً أنه قد يصلح حاله بعد الزواج، حاولت ضحى تقبل العيش في ظل الزوج ومنزلهما ذو الجدران المُهترئة ، لعل في ذلك أيامٌ جميلة قد تعيشها كما حلُمت مثل باقي فتيات عمرها، لكن الصدمات لم تقف في حياة الفتاة المنبوذة بين أهلها منذ ولادتها ويستمر ابن عمها في حياته المُدَمِرة.
تكاد عيونها تنزف دماً عند حديثها عن واقع زواجها المرير الخاليٍ من زيارات أهلها كما تمنت، تقول ضحى بنبرة صوتٍ هزيلة: " حفظتُ المصحف لأحصل على منحة جامعية بعد فقداني منحة التفوق لتأخري بتسجيلها، ووجدت لنفسي عملاً في أحد استوديوهات التصوير بجوار الجامعة لأوفر مصروفي الجامعي وأُعيل نفسي ، ونجحتُ بادخار مبلغ قد يمكنني من شراء ملابس للشتاء القادم بديلة عن ملابسي التي باعها زوجي ليشتري بها المخدرات، هذا الحال لم يدُم طويلا سرعان ما يكتشف ابن عمي الأمر ليبرحني ضربا ويسرق أموالي القليلة".
الأهل مجدداً
في نهاية يوم عاصف لم تسطع فيه الشمس، وبينما ضحى عائدةٍ لبيتها تجد محفظة صغيرة تحتوي بداخلها على بضعة نقود وهاتف ذكي خالٕ من شحنته الكهربائية ، تأخذ ذات الوجه العبوس ما وجدت لتبحث عن صاحبهم، فتجد عمها ينتظرها بجوار المنزل ليخبرها أن ابنه قد سُجن في الصباح على إثر تعاطيه للمخدرات، وعليه تقرر ضحى العودة من بيتها المنكوب لبيت أهلها التعيس - على حد وصفها -، فلم تجد في استقبالها سوى ذكريات مريرة تراكمات على جدران المنزل الذي يتهمها بالشؤم منذ لحظة ولادتها، فتقرر شحن ذلك الهاتف و اللجوء إلى النوم هاربة من نظرات أختها وكلامها المترامي " الله يستر من النحس يرجع على بيتنا".
وتمسح ضحى دموعها فتظهر ندبة أسفل حاجبها اليمين كان يخفيها قليل من المكياج قبل أن تمسحه الدموع وتكمل حديثها: " وكأن جزء من حياتي اختفى، وجدت نفسي داخل صالة الاستقبال في إحدى المستشفيات ، منهارة بوجهٍ منتفخ قد لا تكاد ترى ملامحه من كثرة الكدمات، كنت برفقة أختي غير الشقيقة ممتدة على سريرٍ محاط بأجهزةٍ أصواته مزعجًة ،أنتظر رحمة إحدى الممرضات لتكشف عن كدمات جسمي المتهالك وتشخص حالتي، أتوسل لأختي اللامبالية أن تترك الهاتف وتسرع بمناداة ممرضة لتخفف آلام قدمي بإبرة مسكنة ، بدلا من أسهم النظرات المشمأزة التي تطلقها صوبي".
بالرغم من استمرار أهل ضحى تعاملهم بنفس الطريقة المؤلمة، لكنها استطاعت أن تحصل على الطلاق من ابن عمها بعد سجنه بعدة جرائم ، ووجدت في ذلك فرصتها للعودة لعملها وتكمل دراستها بتفوق ، مما أتاح إليها العمل بشهادتها مع إحدى المؤسسات الدولية، أضحت ضحى معيلاً لإخوتها التي حرمت من المشي قرابة السنة على قدمها بسب قسوتهم ، وبالرغم من ذلك لا يزال أخوتها يحملونها مسؤولية ما حصل لضحى بذريعة أنه كان يجب إخبارهم بماهية هذا الهاتف .
تعلق ضحى بصوت يرتجف منهمرة بالبكاء: "كان عليه أن يسمعني قبل أن يتصرف، كان يجب أن يعرف كمية التعب الذي عانيته في تلك الفترة ما بين عمل ودراسة وجحيم زوج لا يتقِ الله " ، تتسائل ضحى إلى متى ستبقى الأنثى حلقة ضعيفة وضحية كل تفكير أجوف خالٍ من صحة إدراك ماهية الأمور؟.
محمد الأسود
الساعة الثالثة عصراً ، تجتمع العائلة بعد خروج ضحى من المشفى الذي مكثت فيه شهر ونصف الشهر، وأجرت خلال تلك المدة 6 عمليات جراحية لإنقاذ قدمها ، يقرر الأخ الأكبر أخيراً الحديث مع ضحى لمعرفة من هو الشاب صاحب الصورة التي وجدها على خلفية الهاتف الغريب في المنزل، فيقوم بتشغيله ليجد رسالة من أحد الأرقام محتواها "أرجوك اتصل بي" ، وبعد التحقق من الأمر يتفاجئ حينها بمعرفة أن صاحب الهاتف طالبة جامعية فقدت هاتفها وهو هدية من أخاها الشهيد الذي تغطي صورته خلفية الهاتف.
ينظر الأخ الأكبر لضحى بنظرة ندم ، لم تكن أقل حزن من دموعها المنهارة وهو يصب عليها غضبه حينما وجد ذلك الهاتف بجوار وسادة أخته الغارقة في نومها بعد يوم متعب من العمل والدراسة ، فهو لم يرحمها حين توسلت إليه ليعطيها فرصة ليعرف ما هو السبب ، حتى فقدت الوعي نتيجة ضربه المبرح بالعصا على قدمها ورأسها ، ولم يقبل بأن تذهب إلى المشفى إلا بعد ساعات عدة من نزيف الآلم الذي منعها من أن تمشي على قدمها لسنة مقبلة.
ضحى ليست الوحيدة التي تتعرض للعنف الأسري في مجتمعنا، هي واحدة من أصل المئات التي تتعنف من ذويها ، و بحسب بيت الآمان التابع لوزارة التنمية الاجتماعية هناك حوالي 200 امرأة تعرضن للتعنيف من أهاليهم ولجأن لهذه المؤسسة الحكومية للحماية في النصف الأول من العام الجاري -2019-.
بداية الحكاية
قبل حوالي ثلاثين عاماً كانت ليلة عاصفة تعانقت فيها السحب، وأشبعت المخيم غرقاً ، فجداول المياه بين الطرقات منعت وصول سيارة الإسعاف لنقل أم ضحى الثلاثينية إلى المشفى لولادتها، لم تصمد أم ضحى كثيراً حين وضعتها على سرير نومها طفلة نحيفة، لم يتم استخدام أدوات معقمة أو ربما كانت مشيئة القدر ؛ فيبدأ النزيف ويشتد المطر، ومع بزوغ الفجر تنتقل أم ضحى إلى رحمة ربها تاركة خلفها طفلتها أمانة في أعناق العائلة ليهتموا بها ويحسنوا تربيتها.
تبذل ضحى قصارى جهدها لتخفي دمعتها عند الحديث عن طفولتها وحياتها المدرسية ، حينها لم تستطع أن تخفي بؤسها وتردف حديثها: " حين بدأت أدرك ماهية الحياة ، وجدت نفسي المتفوقة الوحيدة في العائلة ، لكني لم أحظى للحظة مع أهلي بفرحة النجاح، كادت أن تقتلني نظرات أشقائي و زوجة أبي حين أُحضر شهادة التفوق، حتى بلغت الثانوية العامة ، ظننتهم سيفرحون لأجلي كباقي الأهالي لكني كنت. مخطئة حيال ذلك"
زواج بائس
كالعادة لم تدم فرحة نجاح ضحى كثيراً ، بالرغم من تفوقها مُنعت من التعليم الجامعي بدعوى عبء التكاليف، وأجبرها والدها على الزواج قسراً من ابن عمها المدمن على المخدرات لعدم رغبته وأشقائها برؤيتها في البيت، زاعماً أنه قد يصلح حاله بعد الزواج، حاولت ضحى تقبل العيش في ظل الزوج ومنزلهما ذو الجدران المُهترئة ، لعل في ذلك أيامٌ جميلة قد تعيشها كما حلُمت مثل باقي فتيات عمرها، لكن الصدمات لم تقف في حياة الفتاة المنبوذة بين أهلها منذ ولادتها ويستمر ابن عمها في حياته المُدَمِرة.
تكاد عيونها تنزف دماً عند حديثها عن واقع زواجها المرير الخاليٍ من زيارات أهلها كما تمنت، تقول ضحى بنبرة صوتٍ هزيلة: " حفظتُ المصحف لأحصل على منحة جامعية بعد فقداني منحة التفوق لتأخري بتسجيلها، ووجدت لنفسي عملاً في أحد استوديوهات التصوير بجوار الجامعة لأوفر مصروفي الجامعي وأُعيل نفسي ، ونجحتُ بادخار مبلغ قد يمكنني من شراء ملابس للشتاء القادم بديلة عن ملابسي التي باعها زوجي ليشتري بها المخدرات، هذا الحال لم يدُم طويلا سرعان ما يكتشف ابن عمي الأمر ليبرحني ضربا ويسرق أموالي القليلة".
الأهل مجدداً
في نهاية يوم عاصف لم تسطع فيه الشمس، وبينما ضحى عائدةٍ لبيتها تجد محفظة صغيرة تحتوي بداخلها على بضعة نقود وهاتف ذكي خالٕ من شحنته الكهربائية ، تأخذ ذات الوجه العبوس ما وجدت لتبحث عن صاحبهم، فتجد عمها ينتظرها بجوار المنزل ليخبرها أن ابنه قد سُجن في الصباح على إثر تعاطيه للمخدرات، وعليه تقرر ضحى العودة من بيتها المنكوب لبيت أهلها التعيس - على حد وصفها -، فلم تجد في استقبالها سوى ذكريات مريرة تراكمات على جدران المنزل الذي يتهمها بالشؤم منذ لحظة ولادتها، فتقرر شحن ذلك الهاتف و اللجوء إلى النوم هاربة من نظرات أختها وكلامها المترامي " الله يستر من النحس يرجع على بيتنا".
وتمسح ضحى دموعها فتظهر ندبة أسفل حاجبها اليمين كان يخفيها قليل من المكياج قبل أن تمسحه الدموع وتكمل حديثها: " وكأن جزء من حياتي اختفى، وجدت نفسي داخل صالة الاستقبال في إحدى المستشفيات ، منهارة بوجهٍ منتفخ قد لا تكاد ترى ملامحه من كثرة الكدمات، كنت برفقة أختي غير الشقيقة ممتدة على سريرٍ محاط بأجهزةٍ أصواته مزعجًة ،أنتظر رحمة إحدى الممرضات لتكشف عن كدمات جسمي المتهالك وتشخص حالتي، أتوسل لأختي اللامبالية أن تترك الهاتف وتسرع بمناداة ممرضة لتخفف آلام قدمي بإبرة مسكنة ، بدلا من أسهم النظرات المشمأزة التي تطلقها صوبي".
بالرغم من استمرار أهل ضحى تعاملهم بنفس الطريقة المؤلمة، لكنها استطاعت أن تحصل على الطلاق من ابن عمها بعد سجنه بعدة جرائم ، ووجدت في ذلك فرصتها للعودة لعملها وتكمل دراستها بتفوق ، مما أتاح إليها العمل بشهادتها مع إحدى المؤسسات الدولية، أضحت ضحى معيلاً لإخوتها التي حرمت من المشي قرابة السنة على قدمها بسب قسوتهم ، وبالرغم من ذلك لا يزال أخوتها يحملونها مسؤولية ما حصل لضحى بذريعة أنه كان يجب إخبارهم بماهية هذا الهاتف .
تعلق ضحى بصوت يرتجف منهمرة بالبكاء: "كان عليه أن يسمعني قبل أن يتصرف، كان يجب أن يعرف كمية التعب الذي عانيته في تلك الفترة ما بين عمل ودراسة وجحيم زوج لا يتقِ الله " ، تتسائل ضحى إلى متى ستبقى الأنثى حلقة ضعيفة وضحية كل تفكير أجوف خالٍ من صحة إدراك ماهية الأمور؟.
